الاثنين، 17 مارس 2008

التحرر من الاغتراب

التحرر من الاغتراب
سامح سعيد عبود
"الاغتراب" مصطلح مشتق من الغربة ، و فى ترجمة أخرى لنفس الأصل الأوروبي "الاستلاب" المشتق من السلب ، هو تعبير عن حالة الإنسان العقلية عندما يدخل فى أى علاقة اجتماعية ، تجبره على أن يسلك لا وفق ما يريد بالفعل بل ما يريد الطرف الآخر فى العلاقة ، متوهما أحيانا أن ما قد سلكه نابع من إرادته الحرة ، ومن هنا يصبح سلوكه و وعيه الظاهرى غريبا و منفصلا عن إرادته و وعيه الباطنى ، بمعنى آخر يصبح الإنسان المغترب مسلوب الإرادة و الحرية و الوعى ، وما هو أسوء فى الاغتراب ليس فى تلك الحالة من القهر الخفي فقط ، بل فى القبول به وسعى الإنسان الحثيث للوقوع فيه ، والدفاع عن العلاقات الاجتماعية التى تخلقه ، و مدحها وقبولها وحبها والخوف من التحرر منها ، و اعتبارها الوضع الطبيعى السعيد والمرغوب فيه ، ومن ثم عدم الاستياء منه و لا الإحساس ببشاعاته ،برغم أن واقع الحال يؤكد أن هذا القهر الخفي ،يفجر بدوره رفضا خفيا عند نفس الإنسان المتكيف مع هذا القهر ، يتجلى لدى الإنسان المغترب فى سلوك مضطرب و وعى زائف و منطق معوج ، و كما يظهر هذا الرفض فى صور مختلف الاضطرابات النفسية والعقلية وشتى الانحرافات السلوكية والأخلاقية المختلفة .
فالكثيرات من النساء مثلا تدافعن علانية و بحماسة أكثر من بعض الرجال ، عن وضعهم الأدنى من الرجال فى المجتمعات الذكورية ، ويلاحظ عموما أنهن الأكثر تمسكا بالقيم المحافظة التى تضطهدهن ، فضلا عن أنهن يزدرين أحيانا الرجال المدافعين عن حرياتهن وحقوقهن ، كما يحتقرن كثيرا النساء المطالبات بالحرية والمساواة لهن ، وينظرن بعين الكراهية للمتحررات من اغترابهن الأنثوى ، فوضعهن تحت وصاية الرجال يعفيهن من تحمل مسئولية أنفسهن ، ويعطيهن بعض الامتيازات فى مقابل حريتهن المنزوعة وكرامتهن المهدرة و إرادتهن المسلوبة ، فى حين أن حريتهن ومساواتهن مع الرجال تضعهن فى موضع المسئولية التى يتهربن منها ، راضيات بوضعهن كقاصرات تحت وصاية الرجال .
مما لا شك فيه أن وضعهن الاجتماعى المتدنى الذى يسلبهن حريتهن وإرادتهن و كرامتهن لصالح الرجال ، يعطي معظمهن فى نفس الوقت الكثير من السمات السلوكية والعقلية السلبية التى تميز معظمهن كالذاتية و العاطفية المتطرفتين ، والتى تعتبر سند الذكور الدائم فى استمرار سلطتهم ووصايتهم عليهن ، وتلك السمات السلوكية والعقلية السلبية فى حقيقتها هى نوع من الاحتجاج المستتر والرفض غير الصريح لهذه الأوضاع التى لا يجرؤن على رفضها علانية فى نفس الوقت ، فضلا عن كونها نتيجة منطقية للتربية المختلفة التى تحظى بها الإناث عن الذكور ، و التى تغرس فيهن هذه السمات منذ طفولتهن ، كما تشكل نفسيتهن على القبول بالقهر الذكورى لهن عبر التربية والتعليم والعادات والتقاليد .
فالاغتراب الذى يمنح شخصيتنا تناقضاتها و إزدواجيتها ، وثيق الصلة للغاية بالفصام و هو المرض النفسى الذى يصيب نصف المرضى العقليين . وها هى الأوضاع العقلية والنفسية للبشر فى ظل العلاقات الاجتماعية البورجوازية والسلطوية التى تولد الاغتراب تتكشف لنا عمليا ، فقد أعلنت كل من الجمعية العالمية للطب النفسى ومنظمة الصحة العالمية مؤخرا أن نسبة كبيرة تقترب من ثلث البشر مرضى نفسيين وعقليين بالمقاييس الطبية ، تلك النسبة التى لا يندرج تحتها الأصحاء طبيا إلا أنهم فى نفس الوقت يعانون القلق و التعاسة و الشقاء ودرجات خفيفة لا تصل لحد المرض من سيطرة الأوهام والتعصب الأعمى والهوس و الإدمان ، وكل هؤلاء هم ضحايا الاغتراب الأكثر تأثرا بتداعياته .
ولعل أشهر مثل يشرح معنى الاغتراب هو اغتراب العامل المأجور الذى يعنى اضطراره لأن يتخلى عن حريته وجهده و وقته وإرادته مقابل أجر لصاحب العمل ، من أجل إنتاج سلع لا يرغب فى إنتاجها ، وفى ظل ظروف عمل لا يتحكم فيها ، ولمستهلكين لا علاقة له بهم ، فقوة عمله البدنية أو الذهنية مجرد سلعة مثمنة مطروحة فى السوق تتحكم فيها عناصر العرض والطلب بعيدا عن إرادته ، التى قد أصبحت رهن بإرادة من يدفع ثمنها .
إلا أن الاغتراب أشمل بكثير من تحديده فقط فى علاقات العمل المأجور ، أنه ينسحب على كل الأفراد فى المجتمع السلطوى ، وينتج عن كل العلاقات الاجتماعية السلطوية ، تلك القائمة على انفصال السلطة وتعاليها عن من تمارس عليهم . وهذا يعنى أن الاغتراب لا ينحصر فحسب فى علاقات العمل المأجور ، بل ينتج من كل العلاقات الاجتماعية القائمة على الاضطرار والقهر ، بما فيها العلاقات الجنسية والأسرية والعائلية وغيرها ، فالعلاقات الاجتماعية التى يدخل فيها الفرد وتسبب اغترابه ، هى كل العلاقات الاجتماعية التى تنفصل فيها حرية الفرد الداخل فى تلك العلاقة عن السلطة الاجتماعية التى تكونت عن تلك العلاقة الاجتماعية .
وللايضاح ، فالعلاقة الاجتماعية التى تكون الأسرة كجماعة بشرية طالما تأسست على أساس القهر الذكورى و الأبوى فإن الفرد المغترب فيها يكون الزوجة أو الابن أو الابنة أو الأخت ، و فى هذا المثال تكون السلطة الاجتماعية محصورة فى يد الزوج أو الأب أو الأخ ، فى حين لو تأسست الأسرة على أساس من التعاون الطوعى والمساواة بين أطرافها فأن نوعا ما من القهر الحمائى و التربوى لن يمارس فى هذه الحالة سوى على أطفال الأسرة بغرض حمايتهم و تربيتهم من قبل الأبوين . و فى مثل آخر للعلاقة الاجتماعية الاغترابية ولتكن العلاقة الجنسية الغير قائمة على الحرية والمساواة بين طرفيها ، فأن الشخص المغترب يكون هو الذى يتم استخدام جسده لإمتاع الآخر جنسيا سواء كان ذلك عن طريق الاغتصاب أو عن طريق منح جسده كسلعة مقابل منفعة مادية أو معنوية غير المتعة الجنسية ، والسلطة الاجتماعية تكون فى هذه الحالة محصورة فى يد الشخص الذى يستخدم هذا الجسد لمتعته سواء أكان مغتصبا أو مشترى. وأخيرا فأن الفرد الأعزل من السلاح أو الأضعف يقع فى الاغتراب فى علاقته بالشخص المسلح الذى يمنحه السلاح سلطته أو الشخص الأقوى.
والحقيقة أن الأمثلة السابقة لا تعبر إلا عن أحد وجهى الاغتراب الذى يعانيه الجانب المحروم من السلطة ، فالعامل المحروم من الثروة والمضطر للتنازل عن حريته للطرف المالك للثروة يعانى من الاغتراب ، وهكذا المالك للثروة والحائز على قدر من السلطة فى مواجهة العامل المحروم منها ، يعانى هو أيضا اغترابا آخر تسببه حيازة الثروة وما ينبع منها من سلطة على من لا يملكونها ، فالملكية الخاصة ، والسعى لها والحفاظ عليها ، والخوف عليها من المنافسين ، والرعب من ضياعها ، والرغبة فى زيادتها كما ونوعا ، والقلق بشأن الأخطار التى تهدد استمرار حيازتها ، والخوف على الوضع الاجتماعى المتميز الذى تمنحه لكل من يحوزها ، سواء بالنسبة لمن يملكون قدرا أقل من الثروة أو أكثر منها ، فضلا عن المحرومين منها ، يؤدى بهذا المالك للثروة أن يفقد بدوره حريته و إرادته الإنسانية على مذبح تلك الثروة التى تستعبده . فالمقدار الذى تمنحه الثروة من قوة لحائزها ، تفقده فى مقابله ما يوازيه من حريته و أمانه و إرادته و راحته العقلية والنفسية . فقيمته الإنسانية فى النهاية تنحصر فيما يملك من ثروة مثلما تنحصر قيمة العامل فى قوة عمله ، وقيمة المرأة المعدة للمتعة الجنسية فى جسدها ، وقيمة المسلح فيما يحمله من سلاح .
و بهذا الصدد تروى تلك الطرفة ، سأل يوما تيمورلنك جحا كم أساوى فى نظرك يا جحا ؟ فرد جحا بعد أن نظر إليه مليا ، ألف دينار يامولاى ، فبهت تيمورلنك مندهشا كيف هذا وما أرتديه فقط من ثياب ومجوهرات يساوى ألف دينار ؟!فرد جحا إذن فقد صدق حدسى يا مولاى .
فكلا من صاحب العمل الرأسمالى و البيروقراطى تتحكم فيهما هما الآخران قوى عمياء لا دخل لهما فيها ولا إرادة ، أنها دافع الربح وقوانين السوق وقواعد المنافسة ،وبالرغم مما تسببه كل هذه القوى العمياء من اغتراب للرأسماليين والبيروقراطيين ، فأن الواقعين فيه يستقتلون فى الدفاع عن عبوديتهم لتلك القوى العمياء . فالبشر ليسوا جميعا فى حكمة وشجاعة و رهافة حس تولستوى الذى أراد التخلى عن أرض إقطاعيته للفلاحين الذين يعملون بها بمحض إرادته ، لأنه أدرك مدى ما تسببه ملكيته لتلك الإقطاعية من عبودية وشقاء .
وفى مثال الأسرة الأبوية فأن الأب يعانى نوعا من الاغتراب بسبب مركزه المتسلط فى الأسرة فنظرا لتحمله لمسئولياتها فهو مضطر للتخلى عن حريته الخاصة من أجل استمرار سلطته الأبوية ، مثلما يعانى أبناءه من الاغتراب بسبب هذه السلطة التى تحرمهم من حرياتهم أمامه ، وكما يعانى الزوج المتسلط على زوجته من الاغتراب فأن زوجته تعانى بدورها من الاغتراب بسبب هذه السلطة التى تمارس عليها .أما عن العلاقة الجنسية غير القائمة على الاختيار الحر والمساواة بين الطرفين فهى لا تحقق أي إشباع جنسى فضلا عن ما تسببه من اغتراب للطرفين ، القاهر والمقهور ، المشترى والبائع . و لاشك أن المسلح تستعبده قوته المسلحة مثلما تمنحه سلطته على الأعزل ، ومن ثم فهو يخشى عليها من الزوال .
وبالرغم من تلازم الاغتراب مع الإنسان يوما بيوم منذ نعومة أظافره وإلى أن يموت ، ومصاحبته يوميا منذ اللحظات الأولى لاستيقاظه وحتى نومه ، إلا أن غالبية المصابين به لا يدركونه ، وهم غالبا ما يدافعون عن الأوضاع الاجتماعية التى تسببه باعتبارها من نواميس الكون ، وقد يسخرون من ناقديها باعتبارهم حمقى لا يفهمون الواقع ، أو حالمين بعالم مستحيل التحقق أو داعين للفوضى والتحلل ، فى حين أن ما يتم التحدث عنه هو بالفعل تفسير الشقاء البشرى الملازم للوجود الإنسانى ، والمطلوب فحسب أن تواجه نفسك وتتأمل ما حولك لتدركه ، ذلك الشقاء الذى أدركته البوذية حينما تأسست على فكرة جوهرية هى أن الوجود البشرى قائم على الألم ، ذلك لأن الألم فى البوذية مرتبط بالرغبات غير المشبعة ، و بالأحلام المحبطة ، والطموحات غير المحققة ، الإحساس العميق بالقهر وعدم الآمان . وهذا الشقاء هو ما تم ذكره فى القران الكريم فى آية "أنا خلقنا الإنسان فى كبد" ، و إن كانت الفكرة البوذية التأسيسية ، وهذا الذكر فى القرآن الكريم يتحدثان عن طبيعية الشقاء والألم دون ما ذكر لأسبابه الحقيقية ، ومن ثم مكتفين بتبريره بالأقدار الطبيعية و الإلهية ، لا بالكشف عن جذوره الحقيقية فى الأوضاع الاجتماعية التى تفرزه ، ومن ثم لا يتم طرح أى إمكانية للتحرر منه على الأرض عبر أوضاع اجتماعية مغايرة ،ممكنة التحقق وليست خيالية ، فقط تحتاج لفهم الواقع والكفاح من أجل تغييره .
فالاغتراب يكتنف الوجود الإنسانى فى المجتمعات السلطوية ، و هو الوصف الشامل للظاهرة الإنسانية المراد التحرر من آلامها تحديدا ، هذا لو كان الهدف بحق هو التحرر من هذه الآلام والشقاء .
الاغتراب هو حالة الإنسان العقلية عندما يخضع لسلطة متعالية عليه ومنفصلة عن إرادته الحرة ،وقبل تناول أنواع هذه السلطات يجب أن نشير لبعض السلطات التى لها طابع الضرورة الاجتماعية الملازمة لأى مجتمع ، مثل سلطة الأبوين على أطفالهم ، وسائر السلطات التنظيمية والإدارية والفنية الضرورية فى الجماعات البشرية النابعة من توافق إرادات الأفراد الأحرار الذين يكونون هذه الجماعات ، على سبيل المثال سلطة منظم المرور فى الشوارع ، سلطة القبطان فى السفينة ، سلطة مسئولو الأمن فى الجماعات على الخارجين عن قواعدها ، سلطة المعلمين والمربيين على تلاميذهم وطلابهم ، سلطة الأطباء على مرضاهم ، وسائر سلطات المختصين فيما يتعلق باختصاصهم ، و الذى يخفف من الاغتراب الناشىء عن هذه السلطات الضرورية ، هى أن هذه السلطات مشروط ممارستها فى الجماعات اللاسلطوية بإرادة أفراد هذه الجماعات التى فوضت هؤلاء المختصين والمنظمين والإداريين والفنيين ، والمحددة بحدود هذا التفويض ،على سبيل المثال لا ينبغى لرجل المرور أن تتجاوز سلطته التنظيمية تنظيم حركة المشاة وركاب السيارات فى الشوارع ، و لا ينبغى أن تجاوز سلطة رجل الأمن الإدارية حماية مصالح أعضاء الجماعة التى فوضته لحمايتها من أضرار هؤلاء الخارجين عن قواعدها ، و لاتتجاوز سلطة القبطان تأمين انتقال ركاب السفينة عبر البحار ، و لا تتجاوز سلطة الأطباء حدود علاج المرضى ،و لا تتجاوز سلطة المعلمين والمربين حدود تربية وتعليم طلاب العلم ..الخ.
إلا أن هناك من السلطات التى ليس لها طابع الضرورة الاجتماعية اللازمة فى كل مجتمع ،و أن كانت ضرورية فى المجتمعات السلطوية ، ومن ثم يمكن التحرر منها فى المجتمع اللاسلطوى ، أنها السلطات المنفصلة والمتعالية عن ما تمارس عليهم ، ومنها سلطة أحد طرفى العلاقة الزوجية على الطرف الآخر ، سلطة الأبوين على أبناءهم البالغين ، سلطة رجال الدين على المؤمنين وغير المؤمنين ، سلطة المثقفين و الفنانين والإعلاميين على جمهور المتلقين لنتاجهم الثقافى والفنى والإعلامى ،سلطة صاحب العمل سواء أكان رأسماليا أم بيروقراطيا على العمال ، سلطة المدير على موظفيه ، سلطة السياسيين والنقابيين على من يمثلوهم من جماهير ، سلطة البيروقراطى على الخاضعين لإدارته ، سلطة المسلح على العزل من السلاح ، سلطة رجل الأمن على الأفراد والجماعات ، سلطة المشرع على المطبق عليهم التشريع ، سلطة النقود والملكية الخاصة والسلع سواء على المحروم منها أو على حائزها ، سلطة السوق وقواعد المنافسة على الداخلين فيه ، سلطة العادات والتقاليد والأعراف و القوانيين على المجبرين على الانصياع لها ،سلطة الرأى العام على مخالفيه وغير مخالفيه ، سلطة النصوص على مقدسيها ، سلطة الأسلاف والمرجعيات والرموز الاجتماعية على من يقدسونها ، سلطة الإعلان والدعاية على المتلقين والمستهلكين ، سلطة الزعماء والأبطال والمشاهير والقادة على جمهور التابعين .
فالإنسان إزاء كل هذه السلطات يصبح أسيرا منقادا لمن يمارسونها عليه ، هؤلاء الذين يعطون لأنفسهم الحق فى التجسس عليه والتحقيق معه وعقابه لو خالف إرادتهم ، و ليصبح موضوعا لقراراتهم التى لا دخل له فيها ، والتى لا يسأل عنها إلا ليقبلها صاغرا ، يدخل مرغما ومضطرا كمجرد عنصر مسلوب الإرادة فى تنظيمات وعلاقات اجتماعية لم يخترها عن أصالة ، ويسلك ويفكر وفق ما يحدده له هؤلاء لا وفق ما يحدده هو بدأ من طراز الملابس التى يرتديها و ألوان الطعام التى يأكلها و سائر أنماط السلوك والهوايات و انتهاء حتى بالقبول بالموت فى سبيل أى من هؤلاء .
والخطير فى أمر الاغتراب أن الواقعين فيه يظنون أحيانا أن اختياراتهم الاغترابية كانت وفق إرادتهم الحرة ، متغافلين عن أن بعض هذه السلطات سالفة الذكر وظيفتها الاجتماعية فى المجتمعات السلطوية هى تشكيل عقولهم بعد أن تغسلها من كل ما يمكن أن يعارضها ، و تحديد أفكارهم ومعتقداتهم و أذواقهم و قيمهم بعد أن توهمهم أنهم يملكون حرية الاختيار ، تلك الحرية المحصورة ما بين الموت جوعا أو الرضوخ للرأسمالى أو المدير، ما بين التعرض للسخرية و الاستهجان أو الإذعان للعادات والتقاليد والأعراف ، ما بين خنوع المرأة لسلطة الرجل أو تحمل تبعات العنوسة والوحدة والطلاق ،ما بين تحدى السلطة الدينية والخروج عن ما تعتقده الغالبية أو الاتهام بالكفر والنبذ الاجتماعى ،ما بين الخروج عن المألوف والسائد من أفكار أو الاتهام بغرابة الأطوار والشذوذ ، وهلم جرا ، والمسألة ليست معقدة ،تأمل ما تفعله فإن كان نابعا من الاحتياج و الاضطرار وقهر السلطات فهو فعل اغترابى ، و إن لم ينبع منهم فهو فعل أصيل ، و أحسب بنفسك نسبة ما هو اغترابى من سلوكك إلى ما هو أصيل لتدرك مقدار ما تتمتع به فعلا من حرية فعلية .
يغرس فى مخ الطفل المسلم إلى حد التعصب أن الله هو خالق الكون فيسلك و يفكر مثل كل المسلمين ، كما يغرس فى مخ الطفل الهندوسى إلى حد التعصب أن براهما كبير آلهة الهندوس هو خالق الكون فيسلك ويفكر مثل كل الهندوس ، وهما برنامجان مختلفان يتم إنزالهما بمخين متشابهين من حيث التكوين البيولوجى ، ويصعب جدا إزالتهما بسهولة من مخيهما اللذان أصبحا مختلفين بما تم تحميله لكل منهما قسريا من برامج مختلفة ، إلا إذا قررا بنفسيهما تلك الإزالة ، وعندما يشب الأثنان المسلم والهندوسى على الطوق فى الهند يتبادلان الكراهية العمياء ، ويتقاتلان وفق ما برمجا به من معتقدات ، و لا يسأل المسلم نفسه ما الذنب الذى اقترفه الهندوسى ليكرهه ، و دون أن يسأل الهندوسى نفسه ما الذنب الذى اقترفه المسلم ليكرهه .
ذلك أن هذه المؤسسات الحائزة على سلطة المعرفة من الأسرة والمدرسة ومؤسسة الدين ، تعطي كلا الأثنين المناعة من الشك والنقد والتمرد إزاء كل ما قد شحنته فى عقولهم من برامج للوعى عبر التلقين والحفظ والتكرار والصم ، و تمجيد كل من طاعة السلطة وعدم مناقشة الأباء والمعلمين ، وإشاعة الخوف والرعب والقمع بالترغيب والترهيب ، وتحطيم ملكات التفكير العلمى الموضوعى والنقدى و تريخ كراهية الإبداع والاختلاف والبحث عن الحقيقة ، تلك الوسائل التعليمية والتثقيفية التى تعطى البرامج المغروسة فى عقولهم منذ الصغر الحماية من الإزالة أو التعديل . والمدهش أن اللذين تمت برمجتهم لا يدركون تلك الحقيقة البسيطة إلا بصعوبة ، ويعتقدون دون أدنى شك أن ما غرز فيهم منذ الصغر هو عنوان الحقيقة المطلقة .
تتنوع تلك المؤسسات التى تشكل عقول البشر من الأسرة لمؤسسات التعليم لمؤسسات الدين وانتهاء بمؤسسات الإعلام والثقافة وسائر من يمارسون سلطة المعرفة ، فالإنسان فى المجتمع السلطوى خاضع دائما من قبل كل تلك المؤسسات للتوجيه والوعظ والإرشاد والتفتيش واللوم والتقدير والرقابة والوصاية والتوبيخ ، وهى مؤسسات لا تملك لا الصلاحية ولا العلم و لا الفضيلة سوى بما تدعيه من معرفة و علم و وعى و ما تملكه من إمكانيات التأثير على مستهلكى الوعى والمعرفة .
الإنسان الخاضع للسلطة المتعالية عليه والمنفصلة عنه ،هو مجرد رقم فى حسابات هذه السلطة ،رقم فى إحصائية ،بند فى دفتر الخسائر والمكاسب ،يتحول من كائن حى غير قابل للتسعير ، لمجرد سلعة مجردة من إرادتها وحريتها و إنسانيتها ، قيمتها تحدد فحسب فيما يمكن الاستفادة منها ، فيما يمكن استعمالها فيه وفيما يمكن استغلالها ، يتحول الإنسان المغترب المسلوب الإرادة لعبد له ثمنه وفق قواعد السوق ، يصبح مجرد أوراقا رسمية تعطيه حقوقا أو تمنعه من تلك الحقوق ، أوراقا تفرض عليه واجبات أو تعفيه من أداءها ، يدفع كل ذلك الجزء من عمره الذى يقضيه واعيا فى إرضاء السلطات المختلفة التى يخضع لها كارها أو راضيا ، واعيا لما هو فيه من خداع ، أو لاهيا عن ذلك الخداع ، وربما فقط فى ذلك الجزء الذى يقضيه فى أحلام يقظته أو نومه ينطلق فى أحلامه وخيالاته متحررا من من سلبوه إنسانيته مستيقظا و واعيا .
كل سلطة متعالية ومنفصلة عن حرية الإنسان وإرادته هى طغيان لا مبررله و لا ضرورة إلا تحقيق مصالح النخب الحاكمة ، هدف تلك السلطات قولبة الفرد وتقييده واخضاعه لسلطانها بالرقابة والثواب والعقاب ، و هى فى كل ذلك تعيق أى نشاط إنسانى حر غير مغترب ، فالقمع هو واجبها الأساسى ، ومن ثم فهى لا تسمح إلا بما يماثلها ويكرسها ، فى نفس الوقت الذى تقمع فيه كل ما لا يماثلها ويحطمها . تسلب السلطة المتعالية والمنفصلة عن البشر الخاضعين لها كرامتهم الإنسانية و تزدريهم ، وتعطى لنفسها الحق فى التوبيخ والمنع والإصلاح والتقويم والتقدير والتصحيح والعقاب .
تتأسس السلطة المتعالية والمنفصلة عن البشر أحيانا باسم تمثيل المصلحة العامة والمنفعة العامة وأحيانا باسم من يمثلون الهوية الجماعية القائمة على أساس الدين والشعب والوطن والقبيلة والعشيرة و الدولة و العادات والتقاليد ، و أحيانا أخرى باسم تمثيل الطبقة و الحرية و العقل والحقيقة و القوانيين و الرأى العام والحكمة الشائعة والأعراف وهى دائما ما تتأسس باسم سائر الأيديولوجيات المختلفة وغيرها من المطلقات
وبهذه السلطات يتم استخدام الفرد واستعماله والافتداء به واستغلاله واحتكاره وابتزازه واعتصاره وخداعه وسرقته ، وعندما يستنكر ويحتج ويتمرد على اغترابه يتم قمعه وتغريمه وإهانته وملاحقته والتنكيل به وقتله وسجنه وتعذيبه و إبعاده ونفيه وعزله والاستهزاء به والتشهير به وتقييده ونبذه اجتماعيا ، فالمحروم من السلطة ومصادرها معرض دائما للتضحية به وبيعه وشراءه ، فيصبح عندئذ القبول بالاغتراب والتعايش والتكيف معه بل و السعى إليه ، هو وعى اغترابي زائف وليس طبيعيا و صحيحا كما يدعى البعض ، هو حكمة من يفتقدون الحكمة ، واقعية العجزة عن التغيير ،هذا هو ما تفعله السلطة الاجتماعية عندما تنفصل عن حرية الفرد وتتعالى عليه وتحصر مسئوليته الاجتماعية فى طاعتها.
مما سبق يتضح لنا أن السلطة القمعية والمتعالية والمنفصلة عن حريات الفرد هى مؤسسات اجتماعية أكثر شمولا وتعقدا من مجرد مؤسسات الدولة و رأسالمال ، أنها علامة مميزة لكل علاقة اجتماعية غير طوعية ، كل علاقة اجتماعية يتمايز فيها البشر لطرفين أحدهما يمارس السلطة فى حين يخضع لها الطرف الآخر.
يتجلى الاغتراب فى مبدأ التمثيل ، والذى يعنى انقسام المجتمع قسريا ، إلى ممثلين وممثل عنهم ،متحدثين ومتحدث عنهم ، أوصياء وخاضعين للوصاية ، فى نفس الوقت الذى لم يختار فيه هؤلاء الممثل عنهم هؤلاء الممثلين ، و لا المتحدث عنهم هؤلاء المتحدثين ،و لا الخاضعين للوصاية هؤلاء الأوصياء ، غير أن هؤلاء الأدعياء بالحق فى التمثيل والتحدث والوصاية قد عينوا أنفسهم قهرا أو خداعا فى تلك المناصب دونما تفويض ممن يمثلونهم ويتحدثون باسمهم ، وهؤلاء الأدعياء بالحق فى التمثيل يستندون لما سبق الإشارة إليه من أسانيد السلطة الاجتماعية ، المصلحة العامة والمنفعة العامة ، الهوية الجماعية القائمة على أساس الدين والشعب والوطن والقبيلة والعشيرة و الدولة و العادات والتقاليد ، الطبقة و الحرية و العقل والحقيقة و القوانيين و الرأى العام والحكمة الشائعة والأعراف ، وسائر الأيديولوجيات والهويات المطلقة والمجردة .
وبرغم من أهمية الاغتراب ،فلم يهتم مثقفوا اليسار السلطوى الزائف والسائد فى العالم بقضية الاغتراب و لا التحرر منه غالبا ، فما يشغلهم بالفعل ، سيادة الدولة فى مقابل عبودية الفرد لها ، ، و تقوية المؤسسات الاجتماعية فى مقابل انسحاق الفرد تحت أثقالها ، وذوبان الفرد فى الجماعة بحجة كفالتها الأبوية له وتمثيلها لمصالحه ، مجد الجماعة التى ألقته أقداره لينتمى إليها قسرا على حساب حريته وحياته إن أمكن ، سواء أكانت تلك الجماعة القبيلة أو القومية أو الوطن أو الدولة أو الطائفة أو المذهب ، أو حتى الجماعة التى ذهب لعضويتها باختياره ولم يفرضها عليه أحد الحزب أو النقابة ، فحتى هذه الجماعة الاختيارية تفرض عليه أن يذوب فيها و يتماهى معها ملقيا على عاتقها مسئولياته وعلى عاتق قادتها تحديد ما يفعله وما لا يفعله ، تلك الجماعات المشابهة لمجتمعات النمل والنحل هى ما تسبب لنا الاغتراب ، هى الجنة البائسة التى يبشرنا بها السلطويين من كل شاكلة ولون ، متناسين أن كفالة أى من هذه الجماعات السلطوية و أبويتها ووصايتها على أعضاءها العاديين هو بالظبط ما كان يفعله ملاك العبيد مع ممتلكاتهم البشرية من العبيد ، كما لم يتخلى يوما الإقطاعيون عن هذا الدور بالنسبة لأقنانهم و إلا كان على هؤلاء الأقنان عدم الوفاء بالتزاماتهم ، فالوصاية والكفالة والرعاية الأبوية مقابل الطاعة والإذعان والذوبان فى الجماعة يتم لصالح من يمارسون السلطة المتعالية والمنفصلة فى تلك الجماعات السلطوية ، القادة و الزعماء على هؤلاء الأفراد .
إن أى مشروع اجتماعى جدير بأن يوصف بحق بالتحررى والثورى ، لابد و أن يكون عموده الفقرى و ركن زاويته هو التحرر الإنسانى الكامل من الاغتراب بنزع جذوره الاجتماعية ، كما لابد و أن يعاد الاعتبار مرة أخرى لهدف التحرر الفردى ليس بالمعنى البورجوازى بالطبع ، وذلك بعد هذا التاريخ الطويل من اتهام كل من يتحدث بمثل هذا الحديث بكونه مرجف ومنحرف و بورجوازى صغير ، و لا شك أن مثل هذه الاتهامات ،ما هى إلا وسيلة مهمة للحزب السلطوى الثورى لتغريب أفراد الطبقة التى يدعى تمثيلها عن نفسها ، و لتغريب أعضاء الحزب الثورى لصالح قيادته المؤلهة.
وبما أن الاغتراب كسرطان قد تغلل فى كل خلايا الوجود الإنسانى ،فأن التحرر منه لن يتم بعملية سحرية فورية ،ولكنها عملية عميقة وطويلة تزيل هذا السرطان من كل علاقات الوجود الإنسانى ، عملية ثورية طويلة الأمد تحطم كل العلاقات الاجتماعية السلطوية ومن ثم الاغترابية ، ليعاد بناء الجماعات الإنسانية المختلفة على أساس علاقات اجتماعية جديدة غير سلطوية ومن ثم غير اغترابية .
التنظيم الاجتماعى الذى يكفل التحرر الحقيقى للبشر ، يتأسس على الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج والعنف والمعرفة ، باعتبارها مصادر السلطة المادية . و يقوم من ناحية أخرى على احترام حقيقة تفرد الإنسان كفرد له سماته وشخصيته الفريدة ، والذى تتعدد أبعاد شخصيته ، بسبب مورثاته البيولوجية و مكتسباته الاجتماعية وخبراته التاريخية وقدراته الخاصة . تماما مثلما يجب أن نحترم حقيقة تميز الجماعات البشرية المختلفة ثقافيا ودينيا ولغويا . أن هذا الكائن الإنسانى الفريد متعدد الأبعاد والأنشطة والرغبات والاهتمامات والانتماءات ، يأتى إلى العالم مكبلا بالعديد من القيود الذى لا دخل له فيها ولا اختيار ، سواء الوراثية أو الاجتماعية ، مجبرا على اكتساب مورثاته وجنسه و لغته وثقافته وعقيدته وعاداته وتقاليده ومجمل وعيه . ومن ثم فيجب لتحريره أن يكون له الحرية فى أن ينضم طوعا طالما قارب سن الشباب ، إلى جماعة بشرية معينة تقوم بنشاط محدد ، ليتعاون مع أفرادها فى تلبية احتياجاتهم المشتركة عبر هذا النشاط . ومن ثم تتعدد الجماعات التى ينضم لها الفرد بتعدد أنشطته واهتماماته وأبعاده ورغباته وانتماءاته .
يبدأ بناء المجتمع اللاسلطوى بتحرر إرادة الفرد العاقل والبالغ بالطبع ، فى أن يحدد ما يود ممارسته من نشاط ، وما يود أن ينضم إليه من جماعات ، وما يدخل فيه من علاقات اجتماعية مختلفة ، وبالطبع تتنوع الجماعات من إنتاجية ومهنية واستهلاكية وسكانية و خدمية وتعليمية وثقافية واجتماعية ودينية لتشمل كل أوجه النشاط البشرى ، ومن هنا تتعدد انتماءات الفرد و أنشطته وعلاقاته الاجتماعية المختلفة وتتحدد وفق إرادته. ويقوم المجتمع اللاسلطوى على شبكة تحتية من تلك الجمـاعات الأولية المتباينة الأنشطة بتباين النشاط البشرى ، والتى تنشأ لتلبى الاحتياجات البشرية المختلفة ذلك لأن البشر ليسوا مجرد حيوانات منتجة فحسب أو مجرد مقيمين بمكان ما فقط ، ومن ثم لا يمكن بناء المجتمع البشرى على جانب واحد من نشاطهم بل يجب أن يبنى مراعيا تعدد جوانب شخصيتهم و أبعادها ومن ثم تتعدد الجماعات بتعدد جوانب الشخصية .
وفيما يتعلق بتنظيم شئون تلك الجماعة فهو كالتالى :-
لما كان كل نوع من أنواع النشاط البشرى يلزمه أساس مادى لممارسة النشاط من مصادر السلطة المختلفة حسب الحالة ، فيكون للجماعة حق الانتفاع على نحو متساو بين أعضاءها بكل مصادر السلطة المرتبطة بممارسة نشاطها فحسب ، ويبقى للأعضاء دائما حق تملك مقتنيات لاستعمالهم الشخصي . و تتأسس إدارة الجماعة على الديمقراطية المباشرة ، التى تعنى أن كل ما يتعلق بنشاط الجماعة و أفرادها فيما يتعلق منه بنشاط الجماعة ، يحق لكل أعضاء الجماعة مناقشته و اتخاذ قرارا بشأنه على نحو ديمقراطى. وعلى الجماعة تفويض من تراهم من مختصين فى الأمور التى يحتاج تقريرها إلى مختصين ، ويحق للجماعة مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكلفيهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم . ومن ثم تنقسم القرارات إلى قرارات سياسية يتخذها أعضاء الجماعة ديمقراطيا ، وقرارات إدارية و فنية وتنفيذية يتخذها المختصون الذين تفوضهم الجماعة فى حدود اختصاصهم . كما أن هؤلاء المفوضين لا يحصلون من الجماعة أكثر مما يحصل عليه العضو العادى مقابل أداء خدماتهم .
اللاسلطوية لا تعنى عدم احترام المعرفة والعلم ، ومن ثم التخصص والموهبة والقدرة الفردية ، ولا تعنى عدم احترام النظام و القواعد . وبناء على ذلك فلكل جماعة أن تحدد القواعد التى تنظم أوجه نشاطها ، وأن تعاقب أى عضو من أعضاءها يخرج عن هذه القواعد والنظم التى حددوها بأنفسهم ، أو قبلوها مع انضمامهم للجماعة ، وأن تفصل فى الخلافات التى قد تحدث بين الأعضاء ، والمخالفات التى قد يرتكبوها.
ومن هذه الجماعات الأولية التى تشكل خلايا المجتمع البشرى ، تتشكل اتحادات متنوعة بتنوع النشاط البشرى فيما بين الجماعات المختلفة أو المتشابهة ، وذلك من أسفل إلى أعلى ، لتلبية احتياجات ومصالح بشرية أكثر اتساعا تهم قطاعات أوسع من البشر ، عبر الاتحاد بين الجماعات والاتحادات المختلفة من مستوى الاتحادات المحلية وحتى الكوكب بأسره ، فتنشأ اتحادات على أسس جغرافية ، وأخرى على أسس اقتصادية أو مهنية أو خدمية أو ثقافية أو دينية أو قومية .. الخ . تلك الاتحادات تقوم على الانضمام الطوعى للجماعات والاتحادات المختلفة عبر مفوضين منتخبين من تلك الجماعات والاتحادات ، والتى يحق لها مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكليفهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم ومقتضيات تفويضهم .
ومثلما يحدد أعضاء الجماعات القواعد التى تلزمهم فى ممارسة نشاطهم الجماعى ، تحدد الجماعات والاتحادات القواعد الملزمة التى تنظم نشاطها الجماعى ، وأن تعاقب المخالفين لتلك القواعد ، و أن تفصل فى الخلافات التى قد تحدث بين الجماعات والاتحادات المختلفة.
ويبقى أن أشير إلى:
أولا :- إذا كانت عضوية الأفراد للجماعات وعضوية الجماعات للاتحادات طوعية ، فأن حق الانفصال مكفول للأفراد من الجماعات ، والجماعات من الاتحادات . وبالطبع فحق الأفراد فى تكوين الجماعات المختلفة ، والاتحادات حرية مكفولة للجميع.
ثانيا:- أن حقوق سلطة التفويض هى حقوق إدارية و تنفيذية وتنظيمية ، وليست سياسية ، فالمفوضين ملزمين بالإرادة السياسية لمفوضيهم ، كما أنه لا امتيازات لهم بسبب أداءهم لوظائفهم .
ثالثا:- من الطبيعى أن أى سلوك أو نشاط سواء فردى أو جماعى يعرض أمن الناس وحريتهم وحقوقهم للانتهاك والخطر ، لابد و أن يواجه بالردع أو العلاج اللازم عبر القواعد القانونية الملزمة للجماعات والاتحادات .
رابعا :- اللاسلطوية مشروع أممى ، ومعادي لكل الحركات السياسية القائمة على أساس قومى أو دينى أو عنصرى ، مشروع يهدف لتحرير كل البشر على ظهر الأرض ، و لا يعترف بشرعية أى حدود جغرافية أو انفصالية بين البشر بسبب اختلاف قومياتهم أو أديناهم أو ثقافاتهم أو أجناسهم أو أعراقهم أو لغاتهم . ويعتبر أن هذا التحرر غير ممكن إلا على مستوى الكوكب بأسره ، و يرى أن الحل لمعظم مشكلات البشرية الآن ، ولكى تتخلص من حماقتها وشرورها ، هو بناء مجتمع لاسلطوى يضم كل البشر وبصفتهم بشر فحسب على تلك الأرض وطنهم الوحيد ، وملكيتهم الجماعية المشتركة ، وقاربهم الذى يسبحون به فى الكون اللانهائى ، بعيدا عن كل ما يفرقهم على أساس عنصرى بغيض .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية