الثلاثاء، 3 مايو، 2016

تفهنا الأشراف تجربة ملهمة رغم التحفظات

تفهنا الأشراف تجربة ملهمة رغم التحفظات
سامح سعيد عبود
عندما قرأت لأول مرة عن تجربة تفهنا الأشراف، فى إحدى الأوراق البحثية المقدمة لحلقة نقاش حول التعاونيات، علقت بأن التجربة منبتة الصلة بالتعاونيات، ولكنها تظل ملهمة من زاوية ما قدمته من حلول عملية لمشاكل الواقع المحلى بالاستقلال عن الدولة و رأسمال، وذلك عبر التضامن الاجتماعى الواسع لأفراد هذا المجتمع الريفى، مستنده إلى قيمه وثقافته السائدة، التى تتلاقى فى بعض المظاهر مع التعاون العفوى الطبيعى فى جوهره، لكنها تخالفه أحيانا من حيث المبادىء والقيم والأهداف التى استقرت عليها الحركة التعاونية الحديثة.
تقع قرية تفهنا الأشراف فى مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، ويبلغ زمامها الزراعى أقل من 500 فدان، و لذلك كانت تصدر الفائض من سكانها كعمال تراحيل، ولم يكن بها حتى عام 1966 شخص واحد فى أى مرحلة تعليمية، و كانت تخلو من أى مؤسسات حكومية تقدم خدمات تعليمية أو صحية، كما كانت محرومة من وسائل النقل والمواصلات الحديثة والمرافق العامة.
أجتمع 9 من شباب القرية عام 1982 وتناقشوا فى أحوال القرية وكيفية مواجهتها بالجهود الذاتية لأهلها، و طرحوا فكرة مشروع تأسيس مزرعة لتربية الدواجن، برأسمال قيمته2000 جنية فى صورة شركة يخصص 10% من أرباحها لتنمية القرية، وأطلقوا على هذه النسبة "سهم الشريك الأعظم" وصاغوا هذا فى عقد الشركة ثم عرضوا الفكرة على كبار رجال القرية المؤثرين فأقتنعوا بها وطوروها، واتفقوا على حصر مشكلات القرية وأولويات التنمية، ومن جانب آخر حصروا موارد القرية البشرية و الطبيعية، ثم وضعوا خطة للنهوض بالقرية بمشاركة سكانها.
أتفقوا على تأسيس مؤسسة أهلية وفق قانون الجمعيات الأهلية، أطلقوا عليها "المركز الإسلامى"
أتفقوا على أن تكون القرية عائلة واحدة لها قيادة جماعية واحدة تسمى بعائلة الأشراف، واختاروا عشرين رجلا يمثلون قيادة القرية تحت قيادة عمدة القرية.
تولى المركز الإسلامى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من مشروعات خيرية، وشكلوا لجان عمل نوعية للتعليم والزراعة والشباب والصحة والمصالحات والزكاة
قرووا الاعتماد على مواردهم المادية المحدودة، دون تمويل من خارج القرية، و منها أموال الزكاة، و قد تم حصرها، وتحديد المستحقين بالمركز تحت بند أطلق عليه"بيت أموال المسلمين" وكان يتم تجميع أموال الزكاة والصدقة بطريقة التبرع المالى والعينى و من غير إلزام، كما خصصوا 10% من أرباح المشروع الاقتصادى الأول (مزرعة الدواجن) الذى اطلق عليه سهم الشريك الأعظم، وامتد هذا لكل مشروع جديد يتم تأسيسه للصرف على برامج التنمية فى القرية التى ينفذها المركز الإسلامى
و تمت الموافقة من قبل الأهالى على ذلك فى اجتماع عام لأهالى القرية فى يناير 1984، الذى ترأسه عمدة القرية فكرى القرموطى و صلاح عطية و صلاح خضر من الرواد الشباب للفكرة والمبادرة.
بعد حصر المشكلات والموارد و تحديد الأولويات وتشكيل اللجان وضعت خطط مرحلية للتنفيذ وفقا للموارد المتاحة وبالتدريج، وكان التنفيذ فى البداية يتم ببطء نظرا لحداثة الفكرة وانخفاض حجم الموارد ثم بدأت وتيرة التنفيذ تتسارع مع تطور المشاريع وازدياد حجمها وازدياد إقبال الناس على الفكرة.
كانت عبقرية الفكرة هى تحويل الزكاه من عمل تعبدى اختيارى خيرى يوجه للبر والإحسان، إلى مصدر لتمويل التنمية الاقتصادية بالقرية، وفق مبدأ بدلا من أن تعطيه سمكة كل يوم، علمه الصيد، و وفر له أدواته، و تنوعت أنواع الزكاة التى لم تقتصر على جمع الأموال فقط، فكان المزارعون والمزارعات يأتون لبيت المال بمنتجات حقولهم من حبوب و ألبان مواشيهم، وتأتى السيدات بفساتين زفافهم لكى ترتديه يتيمة أو فقيرة فى ليلة زفافها،أو يأتى متبرعون بأكفان لستر الموتى الفقراء. وقد تعهد بعض الموظفين باخراج جزء من رواتبهم لبيت المال كل شهر، وتعهد بعض الأطباء بعلاج المرضى الفقراء مجانا. وفى بعض الأحيان كانت تأتى الأموال فى صورة مواشى يأخذ أحداها فقير ليربيها ويتحول بذلك لمنتج مستقل صغير. وهكذا أمتلك بيت المال أموالا وحبوبا وملابس وقوة عمل مجانية يتم تشغيلها حسب الاحتياج.
تحولت المشاريع الاقتصادية من مجرد شركات تجارية إلى شركات موقوف جزء من أرباحها للتنمية الاقتصادية لصالح الأهالى، وليست مجرد عمل خيرى، ففى أول دورة إنتاجية للشركة الأولى التى كانت مزرعة دواجن، تم تحقيق أرباح كبيرة، فقرر المؤسسون تأسيس شركة أخرى و زيادة قيمة ما يخصص للأنفاق فى وجوه الخير إلى 20% و مع زيادة الأرباح كانت تنشأ شركة جديدة، بزيادة قدرها عشرة فى المئة لسهم الشريك الأعظم عما قبلها، حتى صارت 100 % فى بعض الشركات، و قد وصل عدد المزارع إلى 10 مزارع لتربية الدواجن، و مصنعين للأعلاف، و آخر للمركزات، وأخذوا فى تصدير الحاصلات الزراعية، وأقيمت مزارع أخرى فى مدينة التل الكبير، ووصلت الاستثمارات ل 35 مليون جنية حتى 2012.
 كانت نتيجة كل هذا وبدون أى تمويل من خارج القرية محليا أو أجنبيا أن توافرت أموال تم ضخها لتنمية القرية وحل مشاكلها ومشاكل أفرادها، وتحول كثير منهم لمنتجين مستقلين وشركاء فى مشاريع بدلا من عملهم كعمال تراحيل موسميين، وتحسنت أحوالهم المعيشية وتوفرت لهم خدمات كانت الدولة قد تخلت عن تقديمها لهم. وتجلى ذلك فى العديد من الأنشطة نجملها على النحو الآتى:
أولا: قامت لجنة الزكاة بتوزيع 40 نعجة عشر على الآرامل فى السنة الأولى، و فى السنة التالية قامت بتوزيع 20 عجل جاموس للرجال الفقراء و مع كل عجل نصف أردب ذرة، ثم خصصوا ستة قراريط لكل فرد من أصحاب العجول ليزرعوها برسيما من الأرض التى اشتروها لبناء المنشئات التعليمية، ثم قامت اللجنة بتدريب الشباب على حرف وتقديم الآلآت الخاصة بالحرف لإقامة مشروعات صغيرة لهم تحتاجها القرية، أما أصحاب الاحتياجات الخاصة فقد قاموا بعمل أكشاك لهم، أو تقديم عربات مجهزة ببضاعتها ومساعدتهم ومتابعتهم عن بعد، كما قام المركز بعقد دورات للخياطة ومحو الأمية للفتيات غير المتعلمات، وبعد انتهاء كل دورة تحصل الفتاة على ماكينة خياطة و بعض المستلزمات لمزوالة العمل.
ثانيا: قامت القرية بتأسيس حضانات و معاهد أزهرية للتعليم ما قبل الجامعى للطلاب والطالبات ابتدائى واعدادى وثانوى، و مع زيادة الأموال اتصل المركز الإسلامى بالأزهر للحصول على موافقته لإنشاء كلية للشريعة للأولاد بدأت الدراسة فيها فى اغطسطس 1992 كما انشئت كلية تجارة للبنات ثم كلية للتربية ثم كلية للدراسات الإنسانية والعربية للبنات و لم تساهم جامعة الأزهر إلا بالموافقات بينما أوقف ايراد مصنع الأعلاف لصالح الأزهر للإنفاق على الكليات.
ثالثا: تم تأسيس لجنة أهلية لفض المنازعات بين أهالى القرية وأصبح من المعتاد إنه عند حدوث خلاف بين شخصين أن يتقدما ببلاغ لرئيس اللجنة والذى يستعين بسكرتير اللجنة للنظر فى الخلاف بالإضافة إلى أعضاء متخصصين حسب نوعية المشكلة، وقبل الجلسة يوقع الأعضاء على شيكات لضمان الجدية فى الإلتزام بحكم اللجنة، ولا توجد طعون فى قرارات اللجنة لأنها محايدة، كما يتم تسجيل القضايا فى محاضر مسلسلة كى يمكن الرجوع اليها واستنساخ صور منها عند الطلب، و كان من نتيجة أعمال اللجنة عدم وجود قضايا من القرية فى نقطة الشرطة، أو المركز، واذا افلتت قضية فإن المأمور ينصحهم باللجوء للجنة المصالحات وفض المنازعات.
رابعا: من ريع المشاريع الموقوفة تم تنفيذ العديد من المشروعات الخدمية التى تحتاجها القرية مثل انشاء مدينة جامعية للطالبات وأخرى للطلاب المغتربين الذين يدرسون بالقرية، و تم انجاز مشروع للصرف الصحى، ومشروع للتشجير خارج القرية وداخلها، وزراعة ألف نخلة بلح زغلول، بالإضافة إلى انشاء مجمع للخدمات بالقرية من أربع طوابق يضم سنترالا ومشغلا لتعليم الفتيات و مكتبة عامة ومقرا للجنة المصالحات، كما تمت إقامة محطة للسكك الحديدية تتوقف عندها القطارات المتحركة ما بين طنطا و الزقازيق، واخيرا شراء سيارات خاصة تقوم بجلب أطفال الحضانة من القرى المجاورة مجانا.
لاشك إننا أمام انجاز شعبى هام نقل القرية بجهود أبنائها الذاتية من حال إلى حال، و برغم تقديرى للتجربة وروادها و اداركى للسياق التى تمت فيه وحدوده إلا أن لى ملاحظات و تحفظات على التجربة تهدف لتطويرها فى الاتجاه التعاونى، لا أن تنحرف مستقبلا ويتم إفشالها، فنجاحها واستمرارها دافع قوى ليحذو حذوها الآخرين، وانحرافها و فشلها سوف يضيف للاحباطات احباطا جديدا يمنع الآخرين من تكرار التجربة.
 تقوم التجربة على الطائفية بوضوح فالمركز الذى يقوم بالتجربة اسمه المركز الإسلامى يجمع الزكاه وهى إحدى أركان العبادة للمسلمين فى بيت مال المسلمين، ويوقف أعماله على معاهد وكليات لجامعة الأزهر الإسلامية، وهو يحرم غير المسلمين من المشاركة فى التجربة سواء من أهل القرية أم غيرها الذين والحال هكذا سوف يلجأون لمؤسسات أخرى تخص طوائفهم، وهذا يدعم الاحتقان الطائفى فى المجتمع بدلا من تخفيفه، و لا شك أن هذا الطابع الطائفى يخالف أول مبادىء التعاون المتعارف عليها دوليا، وهو الحياد السياسى والدينى فباب العضوية الطوعية يجب أن يكون مفتوحا بلا أى تمييز لأى سبب، لكل من يرغب فى الاشتراك ويساهم بالعمل والمال، سواء كمنتج للسلعة أو مقدم للخدمة أو مستهلك للسلعة والخدمة.
واضح جدا أن التجربة سواء فى مؤسستها الأساسية المركز الإسلامى وما يتفرع عنها من مشاريع تخلوا من أى ممارسات ديمقراطية فى اتخاذ القرارات و الإدارة، فالناس تدفع بالزكاة، والمركز الذى لا يتمتع بعضويته كل سكان القرية يدير تلك الأموال دون محاسبة ومتابعة من قبل المتبرعين، و دون شفافية فى عرض الميزانية عليهم اعتمادا على الثقة المتبادلة، وهذا يفتح الباب واسعا للفساد إن لم يكن الآن فوارد مستقبلا، و يتناقض مع المبدأ التعاونى الثانى الخاص بديمقراطية الإدارة، الذى يجب أن تمتد لكل مشروع فرعى فضلا عن المشروع الأساسى، فالتعاونية تتناقض مع الشكل الهرمى فى الإدارة، وتحكم الملاك والمديرين فى قوة العمل.فواضح أن المشاريع الاقتصادية التابعة للمركز حتى ولو موقوفة على أعمال الخير إلا انها تستخدم العمل المأجور مثلها مثل أى شركة رأسمالية، وتدار مثل أى شركة رأسمالية لا تعاونية.
برغم استقلالية التجربة عن الدولة، التى لم تدفع مليما لهم إلا انهم منحوها طوعيا أرض ومبانى تعليمية لتشرف عليها كمعاهد وكليات لجامعة الأزهر التابعة فى النهاية للدولة، بدلا من انشاء مدارس وجامعة تعاونية بأموالهم مستقلة عن الدولة ولو نسبيا فى الإدارة والمناهج، لكنهم ربطوا أبنائهم بتعليم عقيم وتلقينى من أجل شهادات لا تصلح فى سوق العمل، وهم بدلا من التركيز على كليات عملية كالزراعة والهندسة والطب والعلوم  تفيد نشاطهم الاقتصادى، أنشأوا كليات نظرية تزيد أعداد الخريجين غير المطلوبين فى سوق العمل شريعة وآداب وتجارة.
الملاحظة الأخيرة تخص مساعدتهم للفقراء فى دعم مشاريعهم المتناهية الصغر بكل مشاكلها وضعف إنتاجيتها ومخاطرها، بدلا من وفورات التجميع فى شكل تعاونيات مختلفة.




الأربعاء، 27 أبريل، 2016

مبادرة تعلم...تحرر


مبادرة تعلم...تحرر
سامح سعيد عبود
يتبنى عدد من شباب الثورة هذه المبادرة، و بدأوها بالفعل فى عدد من الأحياء الشعبية والقرى، و تعرض أحدهم للقبض عليه لأيام بسبب مشاركته فى المبادرة فى أحدى تلك الأحياء، الامر الذى انعكس سلبيا على التجربة هناك، ولذلك أرجوا من الشباب أن يتوخوا الحذر فى التجارب الأخرى ولا يقعوا فى نفس الأخطاء, بدأت التجربة ثم مبادرة نشرها، عندما لاحظ الشباب إن أولياء الأمور المصريون يدفعون حوالى 17مليار جنية سنويا على الدروس الخصوصية غير المصاريف الدراسية، لكى يحصل أبنائهم على شهادات دراسية تؤهلهم لوظائف لا يجدونها بعد الدراسة، و تؤهلهم لمهن مرموقة لا يتعلمون أصولها و لا يجيدونها. ولأن الطلب الفعلى لدى الأباء و الأبناء هو مجرد الحصول على الشهادة لا التعلم نفسه، لذلك انتشر فى مصر الغش العلنى والجماعى من مرحلة الروضة لمرحلة الدكتوراة، و أصبح هو القاعدة العامة التى يثبتها الاستثناء، وأصبحت الدروس الخصوصية لا تهدف للتعليم بقدر ما تهدف لحفظ الاجابات النموذجية للإجابات المتوقعة، والمطالبة بتسهيل الامتحانات و اختصار المناهج،  ومن ثم لا يتلقى الأبناء  تعليما جيدا رغم التكلفة العالية للتعليم،، كما أن المدرسين أنفسهم يطحنون فى تلك العملية بعد اليوم الدراسى الرسمى الذى يحصلون مقابله على مرتبات متدنية، و برغم ذلك تنتشر الأمية بكافة أشكالها فى أوساط الأطفال والصبية كما تنتشر بين الكبار، سواء المنتظمين فى المدارس، أو الذين تسربوا من التعليم، أو من لم يدخلوا المدارس أصلا، و رأوا شباب المبادرة إن الحل هو تنظيم مدراس تعاونية شعبية يساهم فيها أولياء الأمور و المدرسين ليضمن أولياء الأمور خدمة تعليمية جيدة و رخيصة لأولادهم، ويضمن المدرسين عبرها فرص عمل مجزية ومريحة فى نفس الوقت.
و المبادرة لا تؤسس تعاونيتها وفق قوانين التعاون، ولكنها تؤسس تعاونيات واقع حرة ومستقلة بعقود مدنية، و هى ليست تعاونيات تعليمية فقط بل تقدم الخدمات الثقافية الشعبية الحرة والقائمة أيضا على مشاركة مقدمى الخدمة ومستهلكيها، فالتعليم الحكومي إن وجد لا يحقق جودة تعليمية و حتي لا يقدم أدني تعليم نظرى أو عملى، إلا في أضيق الأطر، و أيضا تتميز هذه الفكرة بقلة اعتمادها علي التمويل الخارجى، و البعد عن برامج التمويل الدولية مما يضمن عدم التدخل الخارجى في مسارها، و ضمان عدم انحرافها، و إنها لا تمثل عبء كبير علي من يقومون بالعمل حيث إنه مع توزيع المهام يقل الوقت و الجهد المبذول بشكل كبير، و أيضا لا يوجد تحمل لأعباء مالية كبيرة في التأسيس، خصوصا فى ظل استخدام الوسائط الإلكترونية و النت، و إنه مع نجاحها، و بدايه تحقيقها لأرباح مالية يمكن أن تحقق الاكتفاء الذاتي في الموارد المالية، و مع تدريب كوادر من الأهالي مع الوقت يمكن ان يتم تحميل مسئولية الإدارة بالكامل الأهالي المشاركين من التعاونية .
هذا المشروع التعاوني يجمع بين مقدمى الخدمة أى المدرسين و متلقى الخدمة من أولياء الأمور وأبنائهم و يمكن أن يبدأ  بعدد صغير بشرط ان يفهموا شروط العمل التعاوني، و أن لا ينحرف المشروع للطريق التجارى الاستثماري، و استغلال حاجة الناس بالأساس، و ألا يكون داخله أي نوع من أنواع العمل المأجور، و أن تتوفر فيه مبادىء الهوية التعاونية و أهدافها وقيمها.
و ان يتم السماح لمتلقي الخدمة بالمشاركة في التعاونية، و حضور اجتماعات الجمعية العمومية، و الانتخاب داخل الجمعية العمومية، بشرط ان يدفعوا قيمة مساهمتهم فى التعاونية، و أن يتم بمجرد طلبهم للعضوية وشراءهم للأسهم، و تسليمهم مهام عمل ليتم فيها اختبارهم و تدريبهم و لضمان عدم انحراف التعاونية.
و الخدمات التى يمكن أن تقدمها التعاونية هى  محو الأمية للكبار، و محو الأمية للأطفال و الشباب المتسربين من التعليم مع برامج تثقيفية وتعليمية متنوعة، والاستفادة من الأنترنت من أجل التعليم المستمر والحر، و تقديم خدمات التعليم والتثقيف والتدريب للمنتظمين في التعليم المدرسي كبديل رخيص و أفضل، عن مجموعات التقوية، و الدروس الخصوصية، مع محاولة الالتزام قدر الامكان بالمناهج الدراسية، و تعويض تخلفها  بتنمية قدرات البحث و التفكير و التعليم الذاتي المستمر والحر لهم .و محاولة تنمية القدرات الفنيه و الأدبية والعلمية للمستفيدين من الخدمة، و عقد دوري لندوات ثقافيه أو أدبية أو سياسية أو علمية، والمساعدة على التفدم للحصول على شهادات من الخارج بالمراسلة.
تستلهم هذه المبادرة تجارب عملية ونظريات تربوية عالمية، منها على سبيل المثال
التعليم عند المفكر الأناركى الإنجليزي ويليام جودوين هو "الوسيلة الرئيسية التي يمكن من خلالها تحقيق التغيير الاجتماعى، لتطوير الوعى البشرى تدريجيا بحيث يكون مؤهلا للتغيير المأمول فى التحرر الإنسانى." ويرى  جودوين أن الهدف الرئيسي من التعليم يجب أن يكون تعزيز السعادة و "احترام الحكم الذاتي و الاستقلالية الذاتية للطفل الذي يمنع أي شكل من أشكال الإكراه "،" و على المعلمين أن يحترموا هذا و يسعون إلى البناء على الدوافع الذاتية و المبادرات الخاصة للطفل، فالطفل فى ظل التعليم الحكومى لا يستطيع مقاومة الأيديولوجية والميمات الثقافية والقيم والمفاهيم التى تنتقل إليه عن طريق المدرسة فى هذه السن خصوصا مع تعوده على التلقين وعدم التفكير والمناقشة،". و في كتابه العدالة السياسية ينتقد جودوين التعليم الذي ترعاه الدولة "بسبب تحالفه الواضح مع الحكومة الوطنية التى تمثل مصالح الطبقات المالكة و الحاكمة وترعاها" ضد مصالح المحكومين والمحرومين.
 فى حين قدم الأناركى الأميركي يوشيا وارن الخبرات التعليمية البديلة في المجتمعات التحررية التى أسسها فى القرن التاسع عشر.
أما ماكس شتيرنر فكتب  عام 1842 مقال طويل حول التعليم يسمى المبدأ الزائف فى التعليم لدينا. أسمى شتيرنر مبدأه التعليمي البديل ب"الشخصاني"، موضحا أن فهم الذات تتكون في ساعة التكوين الذاتي. التعليم بالنسبة له هو تكوين "الرجال الأحرار عقلا وجسدا، و الشخصيات المستقلة ذات السيادة على ذواتها" والذي يقصد بها "شخصيات أبدية ... لأنهم يشكلون أنفسهم بأنفسهم فى كل لحظة". و أوضح شتيرنر أن التعليم سواء على طريقة الإنساني الكلاسيكي أو الأسلوب الواقعي العملي، لا يزال يفتقر إلى القيمة الحقيقية. فالتعليم الحقيقى هو القدرة على مساعدة الفرد في أن يصبح فردا مستقلا ذاتيا و حرا.
في عام 1901، أنشأ الأناركى الكتالونى فرانسيسك فيرير أى جوراديا  المدارس "الحديثة" أو التقدمية في برشلونة في تحد للنظام التعليمي الذي تسيطر عليه الكنيسة الكاثوليكية، وكان  الهدف المعلن لتلك المدارس " توعية الطبقة العاملة بمناهج عقلانية، علمانية وغير قسرية ". معادية بشدة للسلطوية من أى نوع، وفيرير كان يعتقد في "حرية التعليم"، أى التعليم المتحرر من سلطة الكنيسة والدولة و رأسالمال والسوق[291] كتب موراي بوكتشن عن ذلك : "كانت هذه الفترة [تسعينات القرن 19] ذروة المدارس التحررية والمشاريع التربوية في جميع المجالات فى البلد التي مارس الأناركيون فيه قدرا هائلا من التأثير، ولعل الجهد الأكثر شهرة في هذا المجال هو مدرسة فرانسيسكو فيرير  المدرسة الحديثة (ايسكويلا مودرنا)، وهو المشروع الذي مارس تأثيرا كبيرا على التعليم الكتالوني وعلى التقنيات التجريبية للتعليم عموما. كانت لا ايسكويلا مودرنا، وأفكار فيرير عموما، قد شكلت مصدر إلهام لمجموعة من المدارس الحديثة في الولايات المتحدة،  وكوبا وأمريكا الجنوبية ولندن. وقد بدأت أولى هذه المدارس في مدينة نيويورك في عام 1911. وملهمة أيضا لصحيفة جامعة بوبولار الإيطالية ، التي تأسست في عام 1901.
تجربة فيرير توسعت لشبكة هائلة من التعاونيات التعليمية الشعبية الحرة ، عبر أسبانيا كلها قبل الثورة الأسبانية، وكانت القاعدة التى تضخم على أساسها نفوذ وتأثير الأناركيين فى أسبانيا، الذين لعبوا دورا رئيسيا فى الثورة والحرب الأهلية التى تلتها، ويلاحظ أن تجربة موندراجون فى إقليم الباسك بأسبانيا بدأت بمشروع تعليم عن التعاونيات و معهد للتكنولوجيا، واستمر ذلك فى الجامعة وشبكة المدارس التعاونية التابعة لموندراجون.
 الأديب الروسي الأناركى المسيحي ليو تولستوي إنشأ مدرسة لأطفال الفلاحين فى ضيعته. و لكن التجارب التعليمية لتولستوي لم تعش طويلا  بسبب المضايقات من قبل الشرطة السرية القيصرية. ووضع  تولستوي الفرق المفاهيمي بين التعليم والثقافة. وقال إنه يعتقد أن "التعليم هو ميل رجل واحد لجعل آخر مثله تماما... أى أن التعليم هو ثقافة تحت ضبط النفس، والثقافة حرة. التعليم هو عندما يكون التلميذ مجبر عليه ، وعندما تكون التعليمات حصرية، عندما يدرسون هذه المواضيع التي يعتبرها المربي ضرورية ".  بالنسبة له" دون إكراه يتم تحويل التعليم إلى ثقافة ".
التقليد التحررى الأكثر رواجا في الآونة الأخيرة عن التعليم هو اللامدرسية والمدرسة الحرة حيث يحل النشاط الذي يقوده الطفل محل النهج التربوي. وأدت التجارب في ألمانيا إلى تأسيس ما أصبح يسمى مدرسة سمرهيل في عام 1921. و سمرهيل كثيرا ما يستشهد بها كمثال على الأناركية في الممارسة العملية. ومع ذلك، على الرغم من أن سمرهيل والمدارس التحررية الأخرى هي تحررية جذريا، فإنها تختلف من حيث المبدأ عن تلك التي كان فيرير يؤسسها على النهج القائم على الصراع الطبقي السياسي بشكل علني. بالإضافة إلى تنظيم المدارس وفقا للمبادئ التحررية، شكك الأناركيون أيضا فى مفهوم التعليم المدرسي في حد ذاته. وقد شاع مصطلح اللامدرسية من قبل إيفان إيليتش، الذي جادل بأن المدرسة كمؤسسة مخلة بتعليم تحديد الذات وتخدم خلق مجتمع استهلاكي بدلا من ذلك.
أما التعليم التعاوني فهو أسلوب منظم للجمع بين الفصول الدراسية مع التعليم القائم على الخبرة العملية المكتسبة من العمل مقابل أجر، فالتعاونية التعليمية توفر فرصة للطلاب للاستفادة من التعليم وتطبيقه على مكان العمل، ثم أخذ المعارف والمهارات التي يكتسبها التلاميذ في الفصول الدراسية إلى العالم الحقيقي. الجمع في هذه التجارب يعطي الطلاب فرصة لاكتساب خبرة عملية والتدريب والمعرفة التي يتلقونها في الفصول الدراسية التي يحتاجونها للعثور على عمل واستكشاف المسارات الوظيفية الممكنة للمستقبل.
ويختلف عن العمل الجماعي، حيث وصف أنه "تنظيم توافق إيجابي".  فينبغي على الطلاب العمل في مجموعات لإنجاز المهام بشكل جماعي لتحقيق الأهداف الأكاديمية. فبخلاف التعلم الفردي، الذي قد يكون تنافسيًا بطبيعته، فقد يؤدي التعلم التعاوني إلى استفادة الطلاب من مصادر ومهارات بعضهم البعض (سؤال بعضهم البعض للحصول على معلومات وتقييم أفكارهم، ورصد عملهم، وما إلى ذلك). فضلاً عن هذا، يتغير دور المعلم من إعطاء المعلومات للطالب إلى محاولة تيسير عملية تعلمه ذاتيا. ومن ثم، ينجح كل فرد في المجموعة عندما تنجح المجموعة.


الاثنين، 18 أبريل، 2016

الإدارة الذاتية للمنشئات المغلقة فى مواجهة البطالة

الإدارة الذاتية للمنشئات المغلقة فى مواجهة البطالة
سامح سعيد عبود
الإدارة الذاتية هي أسلوب لإدارة مكان العمل، يقرر فيه العاملون السياسات المتعلقة بالإنتاج، و ساعات العمل، و الأجور، و مهمات الافراد، ولوائح العمل،  و قرارات العمل  المختلفة بصورة جماعية و ديمقراطية، بالتوافق أو بالأغلبية، بعكس أسلوب الإدارة التقليدي المنظم بشكل هرمي، حيث يتلقى فيه العاملون الأوامر المتعلقة بالإنتاج من قمة الهرم الإدارى، كما في النظام الرأسمالي أو منشئات الدولة.
أما المنشئات المستعادة فهى  منشئات أغلقها ملاكها الرأسماليون، أو تخلت الدولة عن إدارتها بالبيع للمستثمرين، وطردوا عمالها للبطالة، فقام العمال باحتلالها، وأستعادوها للتشغيل مرة أخرى تحت إداراتهم الذاتية والديمقراطية، ولصالحهم، والملاحظ إنه سرعان ما تتحول تلك المنشئات لتعاونيات، وهى تجربة آخذة فى الانتشار عالميا، وتكررت تاريخيا فى روسيا وايطاليا وفرنسا وأسبانيا والولايات المتحدة واليونان، إلا أن أبرز البلاد التى عرفتها مؤخرا هى الأرجنتين عقب أزمتها الاقتصادية فى التسعينات من القرن العشرين، و حالات الإفلاس والاغلاق التى شهدتها العديد من المنشئات هناك.
و سبب تصاعد الظاهرة مؤخرا هو لجوء أصحاب الأعمال الرأسماليين  و الدولة بشكل متزايد في الفترة الماضية إلى تصفية أعمالهم و منشئاتهم الإنتاجية والخدمية، وبيع كل الأصول التي يمكن الحجز عليها لصالح دائنيهم، أو للمشترين الجدد الذين يشترطون تقليص العمالة، و تعديل شروط العمل لصالحهم على حساب مصالح العمال، مما يعنى اختفاء أو تقلص مصدر دخل العمال في الوقت الذى تتزايد فيه نسبة البطالة بشكل كبير، وكذلك استحالة حصول العمال على مستحقاتهم المتأخرة لدى أصحاب الأعمال، أو ايجاد فرص عمل بديلة فى ظل الكساد والركود المتصاعد عالميا. ففي ظل هذه الظروف تنشأ حركة احتلال المصانع وإدارتها ذاتياً كحل طبيعى و عفوى من العمال للمشكلة التي وجد كثير من العمال أنفسهم فى مواجهتها.
و تأتى أهمية هذا الموضوع فى ضوء مئات المنشئات الرأسمالية فى مصر التى تفلس شهريا ، وتغلق أبوابها فى وجه العمال ليتحولوا إلى وضع البطالة والتهميش، والتى وصلت إلى 6 ألاف مصنع، مغلق كليا أو جزئيا، وفق آخر بيان متاح منذ سنوات، وفى ضوء شركات ومنشئات القطاع العام التى يتم بيعها بأرخص الأثمان، ليتحول بعضها لآراضى بناء، و يتم تخريد آلاتها، وطرد عمالها بالمعاش المبكر والفصل، والتى ترفض الحكومة استلامها مجددا بعد أن صدرت أحكام قضائية ببطلان عقود بيع بعضها، وضرورة استرداد الحكومة لها، لكن إنه فى حين أن تجارب الإدارة العمالية للمصانع والمنشئات التى يحاول ملاكها إغلاقها بحجة الإفلاس، وتحولها لتعاونيات فى اليونان والأرجنتين على سبيل المثال تستمر ، إلا أن التجارب المصرية، ما ان تستمر بضعة سنوات حتى تنتهى دون أن تتطور لأسباب متعددة تخص الواقع المصرى، وهو ما سنعرضه فيما يلى:
كانت أولى هذه التجارب المصرية، فى مصنع المصابيح الكهربائية مدينة العاشر من رمضان، فى العام 2004، وسط ظروف بالغة الصعوبة، حيث انتخب العمال لجنة لإعادة تشغيل المصنع وإدارته على مدى عامين ونصف العام، بعد أن قرر مالكه رامى لكح غلقه، لاستيلائه على قروض من البنوك بلغت 133 مليون جنيه بضمان المصنع، وهرب بالأموال خارج البلاد، تاركًا 250 عاملًا يواجهون البطالة، إلَّا أن العمال أثبتوا أنهم على قدر عالٍ من الكفاءة والتنظيم يمكّنهم من تشغيل المصنع، وخلال عامين ونصف العام استطاعوا حل الكثير من مشكلات الإنتاج، حتى تجاوز المصنع أزمته وصولًا لتحقيق الأرباح.
بعد ذلك جاءت محاولة عمال الشركة الدولية للمنتجات الورقية ومواد التعبئة "انكوباب"، في يناير 2011، و على الرغم من حصول العمال على قرار التشغيل الذاتي إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك، حيث فرضت وزارة الداخلية حراسة من قوات الأمن المركزي على المصنع، ومنعت العاملين من التواجد حتى بمحيطه.
تلى ذلك تجربة عمال شركة النوبارية لإنتاج البذور "نوباسيد"، في 2011، فقد قرر العمال إدارة الشركة بأنفسهم وذلك في مواجهة قرار تصفية الشركة من جانب المستثمر، وأداروا الإنتاج بديمقراطية وشفافية واستطاعوا تحقيق أرباح.
وتلتها تجربة مصنع "قوطة" للصلب عام 2012، وهي التجربة التي أصبحت بمثابة نموذج لمحاولات الإدارة الذاتية في مصر، ويُعد أبرز ما فيها، استبسال العمال في الدفاع عن مصدر رزقهم، وانتخابهم لمجلس إداري عمالي منتخب منهم، وما أظهروه من تضحية حيث جمع عمالها ألف جنيه من حوالى 400 عامل، و تبرعوا بنصف مرتباتهم من أجل شراء المواد الخام (البليت) وتسديد الديون البالغة 17 مليون جنيه لشركة الغاز و6 مليون جنيه للكهرباء. وكما تلقوا مساعدات من عمال نقلوا إليهم الخبرة والدعم في معركتهم الطويلة التي استمرت لمدة عام ونصف حتى حصلوا على التفويض اللازم لإدارة مصنعهم، و أرسلوا بدورهم رسالة تضامن مع عمال مصنع “فيو مي” باليونان إزاء ما يتعرضون له من ظروف عمل مشابهة لنفس ظروفهم، وهي هروب صاحب المصنع وبدء العمال اتخاذ إجراءات الإدارة الذاتية.
شرع عمال شركة طنطا للكتان والزيوت،  في تشغيلها ذاتياً في مارس 2013، ، كرد فعل على تجاهل الحكومة عن تنفيذ الحكم القضائي بعودة الشركة لملكية الدولة (وعودة عمال الشركة المحالين للمعاش المبكر لها من جديد)، إلا أن إدارة الشركة الموالية للمالك السابق فصلت التيار الكهربائي عن المصنع، وعرقلت تشغيله، مما دفع العمال للاعتصام داخل مقر اتحاد العمال لمدة 35 يوم، انتهت بفض اعتصامهم بالقوة من قبل أمن الاتحاد. و قد أتى ذلك فى سياق إنه فى عام 2011: قضت محكمة القضاء الإدارى باستعادة الدولة ملكية سبع شركات بيعت فى زمن الخصخصة بثمن بخس وسط شبهات فساد، وهى طنطا للكتان و شركة النوبارية للبذور «نوباسيد»، و غزل شبين الكوم، و النيل لحليج الأقطان، و النصر للمراجل البخارية، و عمر أفندى وشركة سيمو للورق. لكن الدولة ترفض استلام الشركات وإعادة تشغيلها.
و قام عمال «مصبغة العاشر» واسمها الرسمى الشركة الاقتصادية للتنمية الصناعية، بتجربة تطبيق الإدارة الذاتية، بعد هروب المستثمر من مصر فى أزمة ديون للبنوك، وتراجع إنتاج المصبغة و دخلها. فاتفق مديرها العام مع اللجنة النقابية على تطبيق تجربة «الإدارة الذاتية».
و بلاشك إن الإدارة الذاتية كانت البديل الأفضل من تصفية المصبغة وتشريد العمال، لكن تظل المشكلة فى الديون المتراكمة على المالك الذى لم يسدد ديونه لبنك القاهرة ، واستطاع الهروب للخارج. هكذا ظل العمال يتحملون ما تركه من أعباء تبدأ بديونه لبنك القاهرة حتى ديون المصبغة لشركات الكهرباء والمياه والغاز والتأمينات.
و بدأ عمال فرع البدرشين بمصنع "القاهرة للزيوت والصابون" في جمع توقيعاتهم للمطالبة بالتشغيل الذاتي للمصنع، وتوجه عدد من العمال المعتصمين بالمصنع بشكواهم لوزارة القوى العاملة، ضد صاحب المصنع اعتراضًا على توقف العمل بالمصنع و قابل العمال، مسئول المفاوضة الجماعية بالوزارة الذي هاجم موقف العمال، الذين طرحوا عليه مطلبهم الوحيد؛ ألا وهو تشغيل المصنع، وأكدوا أن هناك عملية تخسير واضحة من جانب صاحب المصنع ومجلس الإدارة، حتى يتمكن من تصفيته.

يلاحظ من التجارب السابقة المتفاوتة بين النجاح والفشل هو إنها تلقى مقاومة و رفض من الدولة بأجهزتها الأمنية والبيروقراطية المختلفة، وإن تأثير ذلك يتفاوت حسب مستوى إدارة العمال فى كل تجربة لمعركتهم لاستعادة منشآتهم للتشغيل على حدى، والحقيقة التى يجب أن يعيها العمال إن الدولة منحازة بطبيعتها للرأسماليين لا العمال، ولا يعنيها تهمشيهم و لا بطالتهم، وإنها مضطرة لخصصة منشآتها الخدمية والإنتاجية، لخضوعها لشروط الدائنين الخارجين، ورغبتها فى جذب الاستثمارات التى ثبت وبعد أربعين سنة من تلك السياسات، أنها انتهت لتقلص فرص العمل والتهميش الواسع الناطق على عكس ما يدعون، برغم كل ما تقدمة الدولة من تسهيلات واعفاءات ضريبية وجمركية، و على حساب حقوق العمال.   فالدولة تحارب انتشار تجربة الإدارة الذاتية، لأنها ستجعل من العمال قوة حقيقة فى مواجهة الرأسماليين الذين تمثل مصالحهم. و هى تدرك خطورة  ما يطالب به العمال وتعتبره مناقضاً تماماً لتوجهاتها الاقتصادية واتفاقاتها مع المؤسسات الدولية التي ترفض بوضوح أي تدخل للدولة في عملية الإنتاج.
أن الدولة تخشى بشدة من اتساع تجربة الإدارة الذاتية للمصانع من قبل العمال، لأن إعادة تسليم الشركات لرجال الأعمال ستتعذر في حال تزايد أعداد الشركات التي يديرها العمال ذاتياً، ونمو ثقة العمال في أنفسهم وفي قدرتهم على تسيير العمل وتوزيع العائدات فيما بينهم بعدالة، ومن ثم تسعى لتحجيم التجربة وعدم انتشارها.
و على الجانب الآخر، فضعف الوعى الطبقى للعمال، و المحدود فى تحسين شروط العمل والحياة، لا التحرر من العمل المأجور نفسه، و ضعف ثقتهم فى أنفسهم و قدرتهم على إدارة مصنعهم، بالإضافة إلى العادات التي اكتسبها العامل لمقاومة صاحب العمل من تباطؤ وتأخير متعمد، إلخ، تظل موجودة عند قطاع من العمال لفترة من بدء التجربة حتى يستقر الوضع، ويدرك العمال بأنهم أصحاب العمل، لا تابعون له، فيتخلون عن وسائل المقاومة السابقة الذكر، فتزداد إنتاجيتهم وينجحون رغم الصعوبات المحيطة بهم.
و مما لاشك فيه أيضا هو وجود صعوبات وعراقيل قانونية و بيروقراطية تحول دون تقنين وضع العمال لحمايتهم مما يجعل تجربتهم معرضة للفض فى أى لحظة بحكم القانون كعودة المستثمر للمنشأة التى مازال يملكها و مطالبته بتسلمها من الإدارة العمالية، وهو عين ما حدث فى تجربة المصابيح الكهربائية، بحكم القانون بعد أن تحسنت أحوالها، وسددت ديونها، وحققت أرباح، وفي معظم الأحوال يتم الحصول على حق بتشغيل المصنع مؤقتاً بسماح من أجهزة الدولة يمكن أن تسحبه فى أى لحظة، ، مما يجعل العمال يشعرون أنهم في مرحلة انتقالية لا تتسم بالاستقرار.
إضافة إلى ذلك هناك عقبات عملية أكثر صعوبة. فاضطراب أحوال الاقتصاد تعني أن المصانع بالفعل تعاني من صعوبة فى تسويق منتجاتها أو في تحقيق عائد يغطي تكاليف الإنتاج، وفي كثير من الأحيان يضطر العمال إلى ممارسة العمل لساعات طويلة دون راحة وفي مقابل أجور متدنية.
ختاما أعتقد إنه حتى تنجح حركة الإدارة الذاتية للمنشئات المغلقة لدينا، لابد وأن يستلهم العمال الخبرة الارجنتينية، حتى لا تظل الحركة خاضعة لرغبة عمال منشـأة بالصدفة، وبمعزل عن مجمل التجارب أو المحاولات الأخرى، التى يمكن أن تدعمها، وتتعاون معها فى سبيل النجاح المشترك.
فمع تطورات تلك الحركة العمالية العفوية فى الأرجنتين التى شهدت محاولات عمالية دؤوبة و متكررة لاحتلال المنشئات المغلقة واستعاداتها للتشغيل، رغم مقاومة الدولة الأرجنتينية، شهدت حركة إدارة العمال الذاتية للمصانع تأسيس عدد من المنظمات العمالية ركزت جهودها فى هذا الطريق، منذ سنة 2000 ، كان أهمها منظمتان أساسيتان تعملان على تنسيق جهود العمال المتعلقة باستعادة المصانع:
الأولى هي "الحركة القومية للمصانع المستعادة" والثانية هي "الحركة القومية للمصانع المستعادة من قبل العمال". ولا يفصل بين المنظمتين سوى طريقة تعاملهما مع الأحزاب السياسية. فبينما تذهب المنظمة الأولى إلى تعر يف نفسها ككيان سياسي، ومن ثم فهي تنافس في الانتخابات، ونجحت بالفعل في الحصول على مقعد برلماني واحد، فإن الثانية تعتبر نفسها حركة عمالية صرفة تقدم الدعم والتأييد لعمال المصانع دون توجه سياسي معين. بيد أنه من الناحية العملية ليس ثمة فارق كبير بين عمل المنظمتين من حيث مساعدتهما لاستعادة العمال للمصانع للحيلولة دون إغلاقها وتشريدهم، ومطالبتهما بتعديل قانون الإفلاس حتى يسمح بإنشاء تعاونيات عمالية تحل محل الملاك المفلسين،  عند إعلان حالة الإفلاس بدلا من بيع أصول المصانع لسداد المديونيات والمستحقات. و سعت المنظمتان إلى تكثيف المطالبات بتعديل قانون الإفلاس بما يسمح بمنح الأولو ية لاستمرار العمل في المصانع المفلسة على الوفاء بمستحقات الدائنين، وهو ما نجحوا فيه فى النهاية فيستطيع العمال التقدم للمحكمة بطلب تشغيل منشأتهم، على أن يلتزموا بتسديد ديونها، و تحويلها لتعاونية عمالية بعد السداد، بشرط اثباتهم إن الاغلاق تم بسبب سوء إدارة الملاك السابقين للمنشأة و محاولة افلاسها المتعمد.


الثلاثاء، 12 أبريل، 2016

إقليم الباسك الأسبانى ما بين إيتا الانفصالية وموندراجون التعاونية

إقليم الباسك الأسبانى ما بين إيتا الانفصالية وموندراجون التعاونية
سامح سعيد عبود
يقع إقليم الباسك في شمال إسبانيا،  و يتمتع بمجلس نيابي خاص به، وتتكفل مؤسساته المحلية بجباية الضرائب الأساسية ويحظى بدرجة عالية من الاستقلالية الذاتيةِ تسمح له بالحكم والإدارة المباشرين.  كما يتزايد ظهور عدد الشركات التي يسود فيها العنصر البشري على عنصر رأس المال والتي تعطي الأولوية للإدارة العمالية الذاتية لكثير من الشركاء من العاملين.
و قد مارست منظمة ايتا الاسبانية المسلحة، التي تسعى منذ نهاية الخمسينات الى الانفصال بأقليم الباسك عن اسبانيا وتأسيس دولة مستقلة ، كل النشاطات المسلحة من قتل وتفجير، واختطاف من اجل تحقيق هدفها  الانفصالى عن أسبانيا...بلا جدوى... وأدت انشطتها منذ تأسست وحتى الان الى قتل المئات، وجرح الالاف، كما أضرت بالاستقرار السياسي في اسبانيا على مدار سنوات. و ارتكزت عقيدة المنظمة على أعمدة أربعة هى: - الدفاع عن اللغة المحلية - و العرق الباسكى - و معاداة ومقاومة الإسبانية، - و أخيرا استقلال بلاد الباسك.وهذا كله لا علاقة له بواقع الناس الفعلى، واحتياجاتهم فى الحياة.
و من ناحية أخرى تأسست مؤسسة  موندراجون في مدينة موندراجون في عام 1956 و هى اتحاد تعاونيات للعمال مقره في اقليم الباسك. من قبل خريجي كلية التكنولوجيا المحلية. و منتجها الأول كان سخانات البارافين. وهي الآن سابع أكبر مؤسسة اقتصادية أسبانية من حيث قيمة التداول و الأصول ومجموعة الأعمال الأولى في الباسك. و في نهاية عام 2012، كانت توظف 80321 شخص في 289 تعاونية في أربعة مجالات أساسية من الأنشطة: المالية والصناعة وتجارة التجزئة والمعرفة، و تعاونيات موندراجون تعمل وفقا لبيان "الهوية التعاونية" الذي أقر به التحالف التعاوني الدولي.
كان العامل الحاسم في إنشاء موندراجون هو وصول شاب اسمه خوسيه ماريا أريزمندريتا إلى موندراجون، عام 1941وهي بلدة يبلغ عدد سكانها 7000 شخص كان لم يشف بعد من آثار الحرب الأهلية الإسبانية: حيث الفقر والجوع والنفي و التوتر 
في عام 1943، أنشأ كلية التكنولوجيا لتدريب أجيال من المديرين والمهندسين والعمالة الماهرة للشركات المحلية، وأساسا للتعاونيات .
و قبل إنشاء أول تعاونية، قضى عدد من السنوات فى تثقيف الشباب حول التعاونية على أساس التضامن والمشاركة، وأهمية اكتساب المعرفة التقنية اللازمة. في عام 1955، اختار خمسة من هؤلاء الشباب لإنشاء أول شركة تعاونية صناعية كبداية لمؤسسة موندراجون .
في السنوات ال 15 الأولى تم إنشاء العديد من التعاونيات، وذلك بفضل الاكتفاء الذاتي للسوق وصحوة الاقتصاد الاسباني. .
خلال السنوات ال 20 التالية، 1970-1990، استمرت موندراجون فى التطور، مع زيادة كبيرة في مبيعاتها، وتأسيس العديد من التعاونيات ، وإقامة مركز الأبحاث العلمية و التطوير التكنولوجى "إيكيرلان " عام 1974  .
مع تغييرات كبيرة حدثت في الأفق مثل انضمام أسبانيا إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية، في عام 1986، فقد تقرر اتخاذ خطوة مهمة ، هى إنشاء مجموعة موندراجون التعاونية في عام 1984، تمهيدا للشركة الحالية. و كان لدى المجموعة 23130 عامل في نهاية  1990 0.
غالبية تعاونيات موندراجون صناعية و الباقي تعاونيات زراعية، و مركز دراسات علمية و تطوير صناعات وتكنولوجيا ، و استشارات خدمية و هندسية، وبنك, و سلسلة مدارس, وجامعة، وتأمين صحي .و لا يوجد فى هيكلها التنظيمى سوى ثلاثة مستويات للترقية، و من الممكن ان يوافق العمال على زيادتها برضاهم. و للانضمام للتعاونية يشارك كل عامل بحوالي 15 ألف يورو، و يمكن ان يقترضهم إن لزم الامر، و يكون بذلك عامل شريك، و قد تم التوافق على ذلك، لكي يتم تحجيم سيطرة المال على العمل، و ابعاد من يملكون ولا يعملون عن العضوية .
لم يحدث غير اضراب واحد في تاريخ موندراجون، و تم التوصل بعده إلى أن لا يزيد أعضاء أى تعاونية عن 500 عضو لتكون إرادتهم هي المنفذة، كما أن أرباح موظفي البنك عبارة عن متوسط أرباح التعاونيات، و مجلس إدارة البنك مكون من 12 عضو أربعة فقط منتخبين من موظفي البنك، و الثمانية الآخرين منتخبين من التعاونيات لضمان ارتباط مصلحة البنك بالتعاونيات، و يعمل البنك على دراسة طلبات إنشاء التعاونيات الجديدة، و بسبب هذا الأسلوب المتبع لم تغلق أية تعاونية منذ انشاء الاتحاد، و داخل الجامعة التعاونية يتم تعريف الطلبة بالمبادئ التعاونية، و الإدارة التعاونية، و الرقابة الجماعية، و يعمل الطلبة بعد يومهم الدراسي داخل التعاونية الصناعية التى تتبع الجامعة .
على الساحة الدولية، كان الهدف من التوسعات الجديدة خارج الحدود هو الرد على عملية العولمة المتزايدة، وتعزيز التوسع بقوة في الخارج من خلال إنشاء مصانع إنتاج في عدد من البلدان. حتى وصلت 105 في نهاية 2012. و كان هذا جزءا من استراتيجية تهدف إلى: زيادة القدرة التنافسية وحصتها في السوق، خاصة في قطاعي السيارات والأجهزة المنزلية؛ وتعزيز فرص العمل في بلاد الباسك، من خلال تشجيع تصدير المنتجات المصنعة من قبل الجمعيات التعاونية عن طريق أسواق جديدة .
و في أكتوبر 2009، أعلنت نقابة عمال الصلب المتحدون في الولايات المتحدة عن اتفاق مع موندراغون لتأسيس تعاونيات عمال.
في 26 مارس 2012، أعلن كل من  عمال الصلب المتحدون ، و موندراغون، ومركز العامل المالك بأوهايو نموذج مفصل لاتحادهم التعاوني .
تأسس اتحاد موندراجون للتعاونيات على أساس مفهوم إنساني للأعمال، و فلسفة المشاركة والتضامن، وثقافة العمل المشترك، وعدد من المبادئ والقيم المؤسسية والسياسات التجارية .
و على مر السنين، تجسدت هذه الروابط في سلسلة من قواعد التشغيل تمت الموافقة عليها من الأغلبية فى المؤتمرات التعاونية، التي تنظم نشاط الهيئات الرئاسية للمؤسسة (اللجنة الدائمة للمجلس العام).
وقد تمت هيكلة هذا الإطار من ثقافة الأعمال بناء على الثقافة المشتركة المستمدة من المبادئ الأساسية العشرة التعاونية، والمتجذرة فى موندراجون.
ويكمل هذه الفلسفة أربعة من القيم المؤسسية: التعاون، بوصفهم أصحاب وأنصار؛ المشاركة، والتي تأخذ شكل التزام بالإدارة؛ و المسؤولية الاجتماعية، من خلال توزيع الثروة على أساس التضامن. والابتكار، مع التركيز على التجديد المستمر في جميع المجالات .
ثقافة الأعمال تلك تترجم إلى الامتثال لعدد من الأهداف الأساسية (التركيز على العملاء والتطوير والابتكار، والربحية، و التعاون بين الناس، والمشاركة في الجماعة) والسياسات العامة التي يوافق عليها المؤتمر التعاوني ، التي تؤخذ على محمل الجد في جميع المستويات التنظيمية للشركة، ودمجها في خطط الأربع سنوات الاستراتيجية، وخطط العمل السنوية للتعاونيات الفردية، والأقسام، والشركة ككل.
في موندراجون، تم الاتفاق علي أن هناك نسب للأجور. وتتراوح هذه النسب من واحد لثلاثة إلى واحد لتسعة في تعاونيات مختلفة، وبمتوسط واحد لخمسة ، فالمدير العام للتعاونية فى موندراغون يكسب فى المتوسط ما لا يزيد عن 5 أضعاف الحد الأدنى للأجور التى تدفعها التعاونية. في الواقع، هذه النسبة هي أصغر من ذلك لأن هناك عدد قليل من العمال وأصحاب موندراجون يكسب الحد الأدنى للأجور، وذلك لأن معظم الوظائف متخصصة إلى حد ما، وتصنف على مستويات أعلى للأجور. و يتم تحديد نسبة الأجور فى كل  تعاونية دوريا من قبل العمال من خلال التصويت الديمقراطي 
بالمقارنة مع وظائف مماثلة في الصناعات المحلية، فأجور مديري موندراجون "هي أقل بكثير  من أمثالهم فى الشركات والمشاريع الأخرى التى تدفع أضعاف تلك الأجور لمديريها .
وتعادل مستويات الأجور للإدارة المتوسطة والتقنية والمستويات المهنية. ما هو أعلى فى المتوسط بنسبة 13٪ من وظائف مماثلة في الشركات المحلية. و يقلل معدل الضريبة التصاعدية فى أسبانيا المزيد من أي تفاوت في الأجور 
و أشاد ريتشارد دى. وولف، أستاذ الاقتصاد الأمريكي، بموندراجون كمجموعة من الشركات، بما في ذلك الأجور الجيدة التي تقدمها للموظفين، وتمكين العمال العاديين من صنع القرار، والالتزام بمقاييس المساواة للعاملات، وذلك نجاح كبير، وقد استشهد على أنها نموذج عمل بديل لنمط الإنتاج الرأسمالي .
فى حين قال نعوم تشومسكي أنه في حين تقدم موندراجون بديل للرأسمالية، فإنها لا تزال جزءا لا يتجزأ من النظام الرأسمالي الذي يحد من حرية اتخاذ القرارات فى موندراجون .
موندراجون مملوكة للعمال، وعلى الرغم من أن الإدارة تأتي منهم في كثير من الأحيان، ولكنها لا تزال تستغل العمال في أمريكا الجنوبية، وأنها تفعل الأشياء التي تضر المجتمع ككل، كتلويث البيئة، واهدار الموارد، شأنها شأن أى شركة رأسمالية، و ليس لديهم أي خيار فى ذلك، لأنهم محكومين في النهاية بنظام السوق، إذا كنت في قلب نظام حيث يجب تحقيق الربح من أجل البقاء على قيد الحياة، فأنت مضطر لتجاهل العوامل الخارجية السلبية، وآثار نشاطك على الآخرين. فلا شك فى  المساومات و الموائمات التى يمارسها العمال الملاك (أو كما يرى معظمهم أنهم مجبرين عليها) من أجل البقاء واقفين على أقدامهم في البحر الرأسمالي المعادي لهم و المضطرين للتعامل معه.
و كتب فنسنت نافارو انه من منظور الأعمال التجارية، فموندراجون ناجحة في مطابقة الكفاءة مع التضامن والديمقراطية. ومع ذلك، فأن عدد الموظفين الذين ليسوا ملاك لها قد زاد بسرعة أكبر من العمال الملاك، في بعض الشركات. وهذا يضع نظام من مستويين قد يؤثر على علاقات العمل، فقد كان واحدا من النجاحات التي حققتها موندراجون هو خلق الإحساس بالهوية المشتركة بين العمال داخل الشركة، وتشجيع بيئة من التضامن والزمالة بينهم، والمشاعر التضامنية التي امتدت أيضا (وإن كان ذلك بدرجة أقل من ذلك بكثير) إلى العمال غير المالكين. و  إن ما كان تشعر به المجموعة الأخيرة أضعف إلى حد ما، وكشف النقطة الضعيفة للتعاونية.
و لتدارك هذا الضعف، عقدت الجمعية العمومية لتعاونيات موندراجون عام 2008، ووافق العمال الأعضاء بأغلبية الأصوات على تحويل الشركات التابعة للمجموعة ككل إلى نظام التعاونيات، وعلى جعل العاملين برواتب عمال وأعضاء فى نفس الوقت، على أن يتم تنفيذ العملية على مدى السنوات القليلة التالية للقرار.
وقد أظهرت الدراسات أن التعاونيات، قد تفوقت باستمرار على الصناعة الرأسمالية المحيطة بكل المقاييس المعتادة، ففي حين أن البطالة في إسبانيا قد حامت حول 20٪ لسنوات عديدة، فقد تم الحفاظ على العمالة الكاملة داخل الاتحاد. و كل هذا تم تحقيقه مع مستوى من الديمقراطية الداخلية والحرص على العدالة الاجتماعية يفوق توقعات و أحلام معظم العمال الذين يكافحون في ظل أنظمة الدولة الاستغلالية، سواء الرأسمالية أو الاشتراكية السلطوية.
و قد نمى الاهتمام  بموندراجون، وخصوصا ان معظم الحكومات أصبحت غير قادرة على توفير الحاجات الأساسية للمواطنين و تعترف بشكل متزايد  بأنها غير مهتمة للقيام بذلك و إن دورها التدخلى لتحقيقه انتهى زمنه الآن مع العولمة، حتى وعود التغيير والإصلاح تتبخر بمجرد الفوز فى الانتخابات كما حدث فى تجربة سيريزا فى اليونان.
طلاب هارفارد لإدارة الأعمال يدرسون الإدارة داخل تعاونيات موندراغون. و طلاب القانون بستانفورد يتعرفون على العقبات القانونية لإنشاء كيانات شبيهة بموندراجون فى الولايات المتحدة، و بعض النقابيون الاستراليون يدرسون في ما إذا كان استخدام أموال النقابات لبدء "موندراجونات مصغرة" للعاطلين عن العمل قد يكون أكثر فعالية من الاعتماد على الدولة. "فى ضوء تباطؤ نمو توظيف الشركات للعمال ، و الاعتماد على العمالة منخفضة الأجور غير المنظمة نقابيا، من دول العالم الثالث.
النجاح الاقتصادي ل لموندراجون يرجع للعوامل التالية: القيم التعاونية، البصيرة والقيادة من الأب أريزمندياريتا. توافق موندراجون مع تقاليد الباسك، مثل الممارسات الزراعية التعاونية والتوزيع العادل نسبيا للأرض بين عائلات الباسك. التوسع السريع للاقتصاد الإسباني بعد الحرب الأهلية، مع كثرة الطلب على السلع والمنتجات المنزلية الأخرى ل  موندراجون. التاريخ السياسي والاقتصادي لاسبانيا، التقاليد الأناركية القوية، وخبرة سابقة مطولة مع الزراعة، وصيد الأسماك، والإنتاج الصناعي عبر التعاونيات. موقع موندراغون الاستراتيجي، مع سهولة الوصول إلى منافذ واسعة ، ومسافات قصيرة إلى أسواق التصدير الرئيسية؛ نطاق وتنوع منتجات التكنولوجيا العالية ل موندراجون . التكلفة المنخفضة نسبيا للأرض للقطاع الزراعي؛ توافر القوى العاملة من المتعلمين تعليما عاليا من ذوي المهارات؛ والشعور بالحاجة الى نموذج الاعتماد على الذات، نظرا لتاريخ شعب الباسك الطويل مع قمع الدولة. و أهمية الهيكل الاقتصادي التعاونى الداخلي للأعضاء العمال فى موندراجون.
فمن وجهة نظري أن كل من العوامل أعلاه كان لها أهمية بشكل مختلف في أوقات مختلفة في تاريخ  موندراجون ، لكن الأهم هو بنيتها الداخلية ووظائفها.مثل (أ) أن الدافع والالتزام بالعمل أو الشراء هو الطريق الوحيد للانضمام الى التعاونية. (ب) القيمة الأولية الإضافية التى يوفرها الإبقاء على جزء من دخل الأعضاء في حسابات رأس المال الاحتياطى (ج) المساواة والاحترام المتبادل الذي ينتجه مبدأ عضو واحد، صوت واحد. و (د) الاستقرار والتحرر من السيطرة الخارجية التي يكفلها استحالة بيع الأعضاء للأسهم المملوكة لهم لأى عضو أو لآخرون من غير الأعضاء، مما رسخ نظام الملكية التعاونية، ومبدأ  سيطرة العمال (مع بعض فوائد التخفيف من حجم التشغيل والكفاءة). الشعور بالفخر والاحساس بالأمن والشعور بالسيطرة على حياتهم ، والنجاح الاقتصادي المرئي لجهودهم، و مستوى المعيشة اللائق الذى حققوه لأنفسهم ولأسرهم، والأثر الإيجابي لكل هذا على المجتمعات المحلية عند عودتهم بعد العمل كل يوم، أى كل ما تجلبه عضوية موندراجون لأعضاءها.
وبصرف النظر عن البؤس البشري والدمار البيئي الذي تسببه، فالرأسمالية ببساطة لا تعمل، حتى لو تم الحكم عليها بمعاييرها الخاصة المقيتة.... الظروف البائسة للملايين المتنامية من العمال سواء العاملين أو العاطلين أو العاملين الذين لم يعملوا أبدا...كذلك الحال بالنسبة للفقر والمرض والمجاعة و الملايين من ضحايا رأسمالية العالم الثالث.

السياسيون و الحكومات و النظام الرأسمالي ليس لديهم ما يقدمونه لكل هؤلاء. الثوريون الجذريون أو الإصلاحيون لا يملكون شيئا في نهاية المطاف سوى الكلام و الوعود والأمنيات والانتظار، أما مستقبل ضحايا الرأسمالية فيكمن في أيديهم،لا فى أيدى من يضطهدونهم، كما فعل المواطنون المضطهدون فى بلدة صغيرة من الباسك منذ حوالي ستين عاما.

الثلاثاء، 5 أبريل، 2016

الربيع العربى من سيدى أبو زيد أم من واحة جمنة؟

الربيع العربى من سيدى أبو زيد أم من واحة جمنة؟
سامح سعيد عبود
يقال أن الربيع العربى انطلق من مدينة سيدى أبو زيد بجنوب تونس حينما انتحر شاب متعلم يعمل بائع متجول حرقا، بعد أن لطمته شرطية فى الطريق، فكانت الشرارة التى أدت لانتفاضة 17 ديسمبر 2010 ليسقط بن على،  و يمتد الربيع من تونس لمصر ثم سوريا وليبيا، مبشرا بفجر عصر جديد أكثر حرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية فى المنطقة، لكنه وكما اتضح فيما بعد كان فجرا كاذبا، إذ اعيد فى أفضل الأحوال فى مصر وتونس، إنتاج نفس النظم القديمة بنخب جديدة أكثر سوءا من القديمة، وفى أسوءها سوريا وليبيا، بدول فاشلة وشعوب مستباحة قتلا وتشريدا، تتصارع عليها عصابات إجرامية من أمراء الحرب، يعملون لصالح رأسماليين وبيروقراطين دوليين ومحليين، ....لكن لا يبدوا الأمر على هذا النحو من السوء إذ إن بشائر ربيع قد يكون حقيقيا مبشرا بفجر صادق تلك المرة انطلق من جمنة، و هى بلدة بالجنوب التونسي تابعة إداريا إلى ولاية قبلي. وتقع على الطريق التي تربط مدينة قبلي بمدينة دوز، على بعد 16 كلم من المدينة الأولى. ، ويبلغ عدد سكانها 6128 نسمة طبقا لإحصاء سنة 2004.
و قد استقيت المعلومات الواردة عن تجربتها الثورية من تحقيق منشور على  موقع نواة التونسى بقلم غسان بن خليفة و حوار حول تجربة جمنة مع الأستاذ طاهر الطاهري عضو جمعية حماية واحات جمنة أجراه معه الصديق محمد مثلوثى من تونس عبر الفيس بوك.
يوم 12 يناير 2011، في ظل الانتفاضة الشعبيّة ضدّ نظام بن علي ، توجّه العشرات من سكّان مدينة جمنة إلى ما يطلقون عليه ’ضيعة ستيل’ (نسبة إلى الشركة التونسيّة لصناعة الحليب المعروفة اختصارًا بـ’ستيل’) وسيطروا عليه. فإلى حدّ ذلك التاريخ، كانت الدولة تؤجر الضيعة الواقعة على أطراف مدينتهم، إلى اثنيْن من المستأجرين. و نجح أبناء المدينة بسرعة في استعادة “أرض الأجداد” التي طالما حلموا باسترجاعها بعد أن سرقها منهم المستعمرون الفرنسيون حتى رحلوا لبلادهم، ثم حلت محلهم الدولة الوطنية التونسية بساستها وبيروقراطيها. و استقدم المستأجران، اللذان يتّهمهما أبناء المدينة بالفساد وبالاستفادة من محاباة السلطة السابقة لهما، الجيش من ثكنة ڨبلّي ليعيد لهما “أرضهما”. إلاّ أنّ القيادات العسكريّة فضلت عدم مواجهة المئات من أبناء المدينة الذين اعتصموا أمام الضيعة طوال ستٍ وتسعين يومًا دعمًا لقرار استرجاع الأرض.
وبانسحاب الجيش، وفي ظلّ غياب قوّات الأمن، استقرّ الأمر للجُمنيّين، بقيادة الرابطة المحلّية لحماية الثورة، وشرعوا في استغلال الأرض. ومنذ أربع سنوات تُشرف جمعيّة حماية واحات جمنة – المشكّلة أساسًا من الأعضاء السابقين لرابطة حماية الثورة التي حلّت نفسها إثر انتخابات 2011 – على استغلال الضيعة بشكل تطوّعي، نيابة عن كلّ مواطني المدينة. والأهمّ أنّه خلافًا للماضي، صارت الأرباح توزّع بين أجور العمّال، الذين ارتفع عددهم، وبين تعزيز إنتاجية الأرض ودعم مشاريع تنمويّة لصالح أبناء جمنة. وهو ما يضعنا أمام أوّل تجربة “تأميم شعبي” في تونس: انتقلت فيها سلطة استغلال أرض زراعية من يد رأس المال الخاصّ و الدولة إلى يد الشعب، وتحوّلت بفضلها الأرباحِ من جيوب حفنة من الأثرياء الملاك والبيروقراطيين إلى مشاريع تحسّن حياة عامّة الناس.
وتُعدّ الايجارات المنخفضة من الحجج التي يقدّمها أبناء المدينة للتدليل على الفساد الذي شاب صفقة التأجير.  وفي كلّ الأحوال، لا يتوقّف مواطنو جمنة كثيرًا أمام “قانونيّة” قيمة التأجير. ويدفعون بعدم مشروعيّة أن يستأجر أحدهم أرضًا يمكن لكلّ هكتار فيها أن يتسّع لما يقارب الـ 150 نخلة، وأن تنتج كلّ منها، حسب أعضاء الجمعيّة، ما قد يبلغ قيمته 200 دينار، وبالتالي إنتاجًا اجماليًا يمكن أن يدرّ سنويًا حوالي 3 ملايين دينار ببضعة مئات من الدينارات شهريا.
نجح سكان جمنة منذ استرجاعهم الضيعة في رفع انتاجيّتها. بل وضاعفوا الأرباح السنويّة، التي كانت بمعدّل 450 ألف دينار سنويًا، لتصل إلى 1800 ألف دينار بالنسبة لموسم سنة 2014. وذلك حسب ما ورد في تقرير مدقّق الحسابات الخارجي الذي تكلّفه جمعيّة الدفاع عن واحات جمنة سنويًا بمراقبة تصرّفها المالي في الضيعة.
إلّا أنّه، وعلى غير المعتاد، لا يستفيد مستغلّو الضيعة الجُدُد من أرباحها. بل يقول أعضاء الهيئة المديرة للجمعيّة، المشرفة على استغلال الضيعة كما لو كانت مجلس إدارة شركة، أنّهم متطوّعون ولا يتقاضون مقابلاً عن عملهم. أمّا عن أوجه صرف المال، فإلى جانب ما يتطلبّه العمل من تجهيزات وفواتير مياه الريّ وأجور عمّال وغيرها، فإنّ الجمعيّة تصرف جزءًا هامًا منه في تمويل مشاريع تنمويّة لصالح أبناء المدينة. ومن أهمّها،: بناء سوق مُسقّف وسط المدينة؛ بناء وحدات صحّية وتهيئة جزء من الساحة في المدرسة الابتدائيّة الكبرى بجمنة؛ بناء قاعة مطالعة وقاعة للأساتذة في مدرسة النجاح الابتدائيّة؛ إنجاز ملعب حيّ؛ دعم للمساجد وللمدرسة القرآنية، دعم مالي لمركز المعاقين المعاقين ذهنيًا؛ دعم المهرجان الثقافي والاعتناء بمقبرة المدينة.. يُضاف إلى ذلك، دعم عدد من المشاريع الأخرى بالجهة، خارج جمنة، منها: جمعيّة الطفل المتوحّد بقبلّي، جمعيّة مرضى السرطان بقبلّي والمدرسة الابتدائيّة بقفصة.
أمر ثانٍ يُحسب لأعضاء الجمعيّة: هو نجاحهم في رفع عدد العاملين بالضيعة. من 20 عاملاً دائم و60 موسميًا حتى صارت، تشغّل حوال 130 عاملاً أغلبهم دائمين (يتوزّعون بين إداريين وعمّال زراعين إلى جانب 3 نُظّار). كذلك، رفّع أعضاء الجمعيّة من أجور العمّال. فمن 10 دنانير سنة 2011، ارتفع الأجر اليومي للعامل إلى 13.5 دينار.
كذلك يشدّد أعضاء الجمعيّة على أنّهم يعملون على إحياء الأرض واستصلاحها، على عكس المستأجر السابق. فالأخير ” لم يكن يهتمّ سوى بالنخلة والماء، أمّا بقيّة الأعمال الضرورية من مداواة واقتلاع للأعشاب الطفيليّة فلا يعطيها حقّها”.
بيْدَ أنّ الجمعيّة تواجه وضعيّة قانونيّة معقّدة تحول دون حسم المعركة لصالحها بعد. فالعقد المُبرم بين المستأجرين السابقيْن والدولة مازال نافذًا حتى مارس 2017. واذا استثنينا محاولات الوالي السابق إقناع المسيطرين على الأرض بتقاسم استغلالها مع المستأجرين السابقيْن – وهو ما رفضته الجمعية – فإنّه يمكن استنتاج غياب الإرادة السياسية لحلّ هذا الملفّ. إذ يتحدّث الطاهر الطاهري بمرارة عن لقاءاته بوزراء أملاك الدولة المتعاقبين منذ 14 يناير، وبزعماء سياسيين وعدوه بـ”إرجاع الأرض بقرار سياسي مثلما نهبت بقرار سياسي”، منهم المنصف المرزوقي وحمّه الهمّامي. إذ أنّ جميعهم أكّدوا له مشروعية مطالب أبناء المدينة ووعدوا بالمساعدة لكنّهم لم يفعلوا شيئًا.
هذه الوضعيّة منعت الجمعيّة من استغلال الضيعة على أحسن وجه. وأبرز مثال على ذلك عدم تمكّنها من دفع التأمينات الاجتماعيّة لعمّالها، بحكم عدم تمتّعها بالصفة القانونيّة التي يحصرها القانون في الشركات. لكن أعضاء الجمعيّة تجاوزا نسبيًا هذا الإشكال عبر إضافة مبلغ 1.9 دينار إلى الأجرة اليوميّة للعمّال، على أن يقوم هؤلاء بدفعها مباشرة في حسابهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. كما فشلت محاولة الجمعيّة تكوين شركة للتصرّف في الضيعة، لاصطدامها برفض سكّان المدينة. وذلك رغم التعهّد الكتابي للمسيّرين بعدم تمتّعهم، وأبناؤهم، بأرباح الضيعة.
لا بدّ كذلك من الإشارة إلى إنه رغم عدم الاعتراف القانوني للدولة وسلطاتها المحلّية باستغلال الجمعيّة للضيعة، الاّ أنّها لا تمانع من أن تموِّل الأخيرة مشاريع ترميم أو بناء تقام تحت اشرافها. بل ربّما لا توجد مبالغة فى القول أنّ الجمعيّة صارت تتمتّع، بفضل قدراتها الماليّة الكبيرة، بثقل سياسي معتبر في المدينة. وهو ما يضاف إلى ما تم لمسه من احترام ودعم واسعيْن من قبل العديد من الجُمنيّين، وقد تجلّيا بوضوح مرّات عدّة، كان آخرها السنة الماضية عند مثول رئيس الجمعيّة وعضوين من هيئتها أمام محكمة قبلّي، بعد أن رفع ضدّهم أحد المستأجرين السابقين قضيّة اتّهمهم فيها بـ “الاستيلاء على ملك الغير”. ولا شكّ في أنّ السببيْن المذكورين سلفًا يفسّران إحجام السلطة حتّى اليوم عن تنفيذ ما تراه “شرعيًا” بالقوّة، أي إرجاع الضيعة الى المستأجرين السابقين.
بدأ الواقع الجديد الذي فرضته الجمعيّة، بنجاحها في الاحتفاظ بالضيعة طيلة الأربع السنوات الماضية، يدفع حتّى بعض المسؤولين المحلّيين إلى تبنّي وجهات نظر غير تقليدية تقبّل ضمنيًا لفكرة إمكانيّة فسخ عقد الايجار مع المستأجرين السابقين. إذ ينصّ العقد المبرم معهما على إمكانية أن تسترجع الدولة الأرض قبل حلول الأجل “لإنجاز مشروع مصرّح به ذو مصلحة عموميّة” وتحويلها لتعاونية مملوكة للسكان.
 و علينا أن نعرف إن جمنة لم تكن الحالة الوحيدة  فى تونس، ففي خضم الموجة الثورية التي شهدتها تونس قامت حركة واسعة لاسترجاع الفلاحين للأراضي والضيعات سواء المسماة منها حكومية أو تلك المملوكة لرموز النظام السابق وحاشيته وزبانيته وحتى على ممتلكات بعض المستثمرين الكبار. كما نظم أهالي العديد من المناطق اعتصامات وخاضوا نضالات وصلت حد المصادمات مع قوات البوليس والجيش مطالبين بتمليكهم الرسمي لتلك الأراضي باعتبارها ملكية أصلية لجدودهم انتزعها منهم النظام الاستعماري عنوة ثم أسندتها "الدولة الوطنية" سواء لشركاتها أو لمستثمرين في شكل ايجار.
وإذا كانت أغلب تجارب استرجاع الأراضي المنهوبة التي شهدتها سنتي 2011 و2012 قد عرفت تعثرا بالنظر لعديد من الأسباب أهمها قوة آلة القمع البوليسي وغياب التنظيم الجماعي لعمليات الاستيلاء وخاصة العجز عن التقدم في إدارة الإنتاج داخل تلك الضيعات بشكل تعاوني متضامن بدل تقسيم الأراضي وتفتيت ملكيتها بما حال دون القدرة على استثمارها بطريقة منتجة، فإن تجربة جمنة تبدو متميزة في هذا المجال، حيث أن الأهالي هناك قد واجهوا بشراسة محاولات اعادة الاستيلاء التي قام بها المستثمر تحت حماية قوات البوليس والجيش، وحافظوا على وحدة الأرض ومنع تفتيتها ثم بادروا بتأسيس لجنة لحمايتها واستغلالها، وهم الى حد اللحظة، رغم التهديد، يقومون بإدارتها من خلال جمعية حماية واحات جمنة.
و يقول طاهر الطاهرى العملية بدأت في 12 يناير 2011 حين بادر شباب بلدة جمنة بالهجوم على الضيعة، ولقد كانوا من مختلف الشرائح الاجتماعية والعمرية، من العامل الزراعى الى الطالب فالعاطل فالموظف...الخ، وطلبوا من الحارس (وهو قريب المستأجر) المغادرة وتم منذ ذلك التاريخ منع دخوله والمستأجر الى الضيعة. و العملية برمتها سارت بطريقة سلمية، وباستثناء بعض التجاوزات الفردية، فلقد تمت المحافظة على تجهيزات الضيعة وحمايتها من السلب والنهب. هذا طبعا لم يمنع المستثمر من توجيه العديد من التهم (الحرق، السرقة، تكوين عصابة...) ضد شباب المنطقة لتهديدهم وتخويفهم وتلهيتهم واستنزاف طاقاتهم بالملاحقات القضائية..
بعد عملية الاسترجاع الجماعية للضيعة طرحت فكرتان: الأولى تقضي بتقسيم الأرض بين المواطنين الذين بادروا بالاستيلاء على الضيعة. أما الثانية فكانت تقضي بالمحافظة على وحدة الأرض وتمليكها جماعيا لكل أهالي منطقة جمنة. وبعد جدل كبير استقر الرأي العام على الفكرة الثانية. ومن هنا نشأت ضرورة بعث هيئة جماعية للتسيير، فكانت لجنة حماية واحات جمنة التي تمثل امتدادا للجنة حماية الثورة التي تشكلت تلقائيا أثناء الحراك الثوري مثل بقية البلدات والأحياء. وفي اجتماع شعبي تم اختيار 6 أعضاء كلجنة مسيرة للضيعة..أما الاشراف المباشر على جميع الاشغال التي تهم الضيعة فيشرف عليها ناظر أشغال عام و يساعده في ذلك ثلاث نظار و هم عملة يشتغلون بالأجر و مياومون على أنهم مسؤولون على جميع العمال: الحراسة، الري، الفلح، التلقيح، التدلية، التغليف...
جميع العمال من سكان جمنة لكن هذا لا يعني تشغيل الجمنيين فقط فهنالك عدد و إن كان قليلا من الوافدين الجدد على جمنة. هناك أيضا موظفين بالإدارة. و العمال يعملون من الساعة 7 صباحا الى منتصف النهار أي 5 ساعات يوميا.
و فيما يتعلق بصرف العائدات المالية: يتم عقد اجتماعات عامة بالأهالي و استشارتهم في مشاريع الجمعية و لكن أحيانا يتم انجاز ما تراه اللجنة هاما حتى دون العودة لهم ، أن بناء قاعة بمدرسة أو سوقا للتمور أو اصلاح طريق أو انجاز ملعب حي يعود بالنفع على الجميع. حتى لو قرر فوقيا فللضرورة. و كلجنة تسيير تعمل مجانا. طيلة 4 مواسم لا و لم و لن تتحصل على مليم واحد . و انها اشترت تجهيزات و آلات ضرورية للعمل بالضيعة لم يستشار فيها الأهالي من ذلك جرار و صهريج و محراث تكلف بحوالي 75 مليون.
الأهالي الآن متمسكون بالضيعة أكثر من أي وقت مضى لأنهم يرون مردوديتها عليهم. و مصممون على إنه لا مجال لعودة مستثمر لها أو رجوعها للدولة. حوالي 120 أسرة من المنتفعين بها يقولون انه من غير الممكن التخلي عنها. و الأغلبية المطلقة راضون عن عمل اللجنة.  و وجد في بدايات الثورة من لم يقبل باللجنة لأسباب مختلفة فمنهم من يريد جزءا خاصا به و تفتيت الملكية، كما وجد من يعمل لفائدة المستأجر، وهناك، لأسباب سياسية، من يهاجم الجمعية و هم الراكبين الجدد على الثورة.
تمثل تجربة جمنة نموذج للثورة الاجتماعية من أسفل لا علاقة لها بصراعات النخب السياسية على سلطة الدولة من أعلى، و تضمن تحريرا للمحكومين، وإن كان جزئيا ونسبيا عن تلك السلطة، وهى تقدم نموذجا وإن كان مبتسرا لمجتمع المستقبل المتجاوز للرأسمالية والاستبدادية معا، مجتمع يعمل لسعادة كل أعضائه لا لتعظيم الربح لقلة من الملاك و الإداريين على حسابهم، من قلب نفس المجتمع الحالى، نظام يقوم على التعاون لا المنافسة على الموارد، ويمثل اختراقا يفضح فشل النظام القائم، و يكشف خياباته، و يعرى عوارته، ويحرر مساحة ولو محدودة، و بشر ولو قليلين، من تحت سيطرته المطلقة، و يقول الصديق محمد الملثوثى نحن في الواقع نساند هذه التجربة لأنها تمثل نموذجا صغيرا للبديل الثوري للنظام الرأسمالي القائم على الربح والمنافسة...و طبعا من غير الممكن تحميل هذه التجربة ما لا تحتمل لكنها في كل الأحوال اختراق مهم للمنظومة الاقتصادية السائدة....لا شك وأن هذه التجربة وغيرها ستتدعم في ظروف تطور الحركة الثورية عموما وستتحول الى ظاهرة اجتماعية كاسحة.....
ملاحظتى الختامية حرصا على نجاح التجربة، و عدم افشالها.
هناك ضروة ملحة لترسيخ مبدأ مناقشة كل كبيرة وصغيرة من شؤون الضيعة من قبل سكان الضيعة، واتخاذ كافة القرارات ملحة وغير ملحة عبر التوافق بينهم أو اعتماد رأى الأغلبية منهم. و هذا لا يعد ترفا على الإطلاق من زاوية إنه يدعم تجربتهم، و يشكل سند جماهيرى لهم فى مواجهة الدولة والراغبين فى إفشال التجربة.
لابد من تدوير السلطة فلا يصح أن تظل اللجنة حتى ولو كانت تعمل مجانا وتطوعا مستمرة لأربع سنوات كاملة خصوصا انها غير مختارة من بين السكان، و من الضرورى ترسيخ مبدأ التفويض القابل للفض فى أى وقت من قبل غالبية السكان لأعضاء اللجنة.
الاستقرار على مبدأ التسيير المجانى، وعدم ضمان تغييره فى المستقبل، ،فيتقدم  للترشيح لها من يريد حقا خدمة السكان لا التربح على حسابهم، وضروة اطلاع السكان على الميزانية ومناقشتها، وعموما لابد من ترسيخ الشفافية الكاملة لكل المعلومات حتى لا تتورط اللجنة فى الفساد أو حتى لا تتهم بالفساد.