الأربعاء، 13 سبتمبر، 2017

خاتمة أصل الأناركية

الخاتمة
سامح سهيد عبود
تعلمت الأناركية من تجربتي الشخصية العملية في الحياة، وصدماتي المتوالية في سلوكيات بشر من لحم ودم سواء ينتمون لليسار أو لا ينتمون، سواء أكانوا دينيون أو لا دينيون، وبعضهم مازال يشاع بين الناس أنهم قديسين، على غير حقيقتهم، ..هؤلاء الثوريين والساسة الذين مارسوا انحرافات، وارتكبوا أخطاء وتورطوا في مفاسد، وهم لم يصلوا للسلطة وإغراءتها بعد...فما بالك لو وصلوا للسلطة وامتيازاتها.....
تعلمت من التجربة العملية والقراءة في التاريخ الحقيقي والواقعي للبشر لا التاريخ الرسمي الموجه لغسيل عقول الناس وترويضهم، أيْ التاريخ الاقتصادي الاجتماعي الثقافي، هذا الدرس الأكبر. إنَّه كيْ تكون حرا مستقلا،وتلك شروط موضوعية كيْ تكون سعيدا آمنا حقا، وهيَ مصلحة ذاتية وأنانية لك رغم تلازمها بالغيرية والإيثارية حيث تحرص على مصالح الآخرين..إنَّه لا يوجد أحد يستحق أو يجب أنْ يحكم أيَّ شخص آخر. وما من شخص يستحق أو يجب أنْ تحكمه، وما من شخص يستحق أو يجب أنْ تتبعه وتطيعه، ما من شخص يستحق أو يجب أنْ يستعبدك، وما من شخص يستحق أو يجب أنْ تستعبده..
تعلمت أنَّ حملك لأفكار معينة، ثقافة أعلى من البشر العاديين، كفاحك لكيْ تصل أفكارك للناس، ما تدفعه من ثمن أحيانا من سجن وتعذيب وخلافه.....ليس معناه أنك أفضل من الآخرين، وإنه يحق لك أنْ تقودهم أو تحكمهم أو تدعي تمثيل مصالحهم. أنت في النهاية مجرد حامل لميمات ثقافية تم نقلها لك بالاستماع والقراءة والمشاهدة....فاقتنعت بها وتحمست أنْ تنقلها لآخرين، بالكلام والكتابة...مثلما تحمل جينات وراثية لم تختارها من أبويك، فتقوم بنقلها بالتكاثر كما نقلت إليك بالتكاثر، فلا فضل لك في ذلك، ولا عيب فيك، وليست ميزة تشعرك أنك فوق الآخرين أو دونهم. فالبشر في النهاية حيوانات لا تحركها سوى دوافع الحيوانات من غرائز وعواطف، إلَّا أنَّهم في النهاية قادرون على اضفاء دوافع أسمى تخفي مصالحهم الحقيقة. وليس معنى هذا كما قد يفهم البعض الأنانية المطلقة، حيث يجاورها ويشاركها التأثير على قدم المساواة الإيثارية أيضا، فحرية الآخرين شرط لحريتك وسعادتهم شرط لسعادتك، ولكل هذا أسبابه المادية الحاكمة لنشوء وتطور الكائنات الحية والمجتمعات البشرية.
فالناس يتصرفون غالبا وفق مصالحهم الأنانية، وما يمارسه البشر من سلوك غير أناني (إيثاري) يتم في الحقيقة لدوافع أنانية أيضا، ولكنها قد تحقق أحيانا مصالح مشتركة بين الأنانيين.
ولذلك فكل ذي سلطة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية أو دينية أو يسعى إليها...يدعي كذبا ودجلا أنَّه يضحي بمصالحه الأنانية من أجل المتسلط عليهم، ومن أجل أهداف سامية لا علاقة لها بمصالحه، ودوافعه الأنانية التي قد تكون مادية أو معنوية...فالسلطة على الناس نفسها شهوة من شهوات البشر...
ويمارس المتسلط هذا الادعاء بالغيرية فقط ليبرر لمن يتسلط عليهم ضرورة خضوعهم وطاعتهم له، وليبرر أشكال القمع التي يمارسها عليهم، والامتيازات المادية والمعنوية التي يحصل عليها مقابل تضحيته المزعومة من أجلهم، باعتباره يعمل لمصلحتهم لا لمصلحته الخاصة..لفائدتهم لا لفائدته الخاصة....لكن بمجرد أنْ يعترض أيُّ خاضع للسلطة على تلك السلطة، فسوف يقمعه المتسلط على الفور كاشفا عن حقيقته الأنانية؛ حقيقة أنَّه يعمل لمصلحته فقط لا مصلحة المتسلط عليه.
وللرد على أسطورة المستبد العادل النزيه المالكة للأسف  لوجدان الغالبية الساحقة من الشعوب....أقول إنَّ الحقيقة هيَ أنَّ كل السوائل تنكمش عند التجمد إلَّا الماء وهو استثناء يثبت صحة القاعدة. وكذلك هو الوهم المسيطر عليهم، والأمل الكاذب في الصدفة التاريخية التي سوف تمنحهم ذلك المستبد الذي سرعان، ما سوف يموت شأنه في ذلك شأن كل البشر. طال الوقت أم قصر..
إذا صحت الروايات التاريخية عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز فهما استثناءان يثبتان القاعدة في كل التاريخ الأسود والدامي لكل الخلفاء.
إذا صحت أخبار الإعلام في كل ما يروى عن موخيكا رئيس باراجوايْ فهو استثناء يثبت القاعدة ولا ينفيها عن فساد السلطة، وطبيعتها الاستبدادية.
النزاهة والعدل والزهد والتقشف والانحياز للفقراء ومساعداتهم ليست كل ما هو مطلوب من الحاكم، فمجرد وجوده على كرسي الحكم فهو يسلبك حقك المقدس في حكم نفسك.
ستالين كانت ابنته تسكن في شقة بالإيجار، وهو كان يقيم في حجرة رئيس البستانيين في الكرملين، وكان لديه ابن يعمل سائق قطار وليس وزيرا للنقل، ولم تكن لديه أيُّ خطط لتوريثه الحكم، وعندما تم أسر ابنه الثاني في الحرب العالمية الثانية، وكان برتبة رائد، ساومه الألمان باستبداله بأدميرال أسير لدى الجيش الأحمر..ورفض ستالين العرض قائلا إنَّ الرائد يتم تبادله برائد وليس بأدميرال، وتم إعدام ابنه نكاية فيه...لكن هل تغفر كل تلك المآثر لستالين جرائمه في حق الملايين....تلك هيَ المشكلة مع كل المصابين بحنين للماضي الذهبي، وتأليه الحكام، والغفران غير المحدود لكل جرائمهم وخطاياهم مقابل القليل من الإنجازات والمآثر الجديرة بالشك فيها أصلا.
ومن مظاهر التركيز على الفروع دون الحديث عن الجذور، هو التركيز على مظاهر الفساد، وضرورة محاربته، وكأنه القضية المركزية، والمطلب الأكثر إلحاحا، متناسين أنَّ جذر الفساد هو السلطة في حد ذاتها وبذاتها ولذاتها، فالسلطة مفسدة، وعندما تكون مطلقة فهيَ فساد مطلق، سواء أكانت سلطة مالك الثروة الرأسمالي، أو موظف الدولة البيروقراطي، ويمتد هذا الفساد لكل من يملكون سلطة متعالية على البشر، من محترفي السياسة والدين والإعلام والتعليم...أما من يحلمون بسلطة أخلاقية وعادلة فهم بلا شك واهمون....فهيَ سلطة لم يعرفها التاريخ البشري إلَّا في ما رواه مؤرخو السلطة الكاذبون، والمزيفون للتاريخ، ويصدقه السذج....الشىء الوحيد الذي يحد من فساد السلطة وفساد من يمارسها، هو أنْ تكون مراقبة ومختارة من الخاضعين لها، وهذه هيَ القيمة الإيجابية الوحيدة للديمقراطية في مجتمع طبقي، وهيَ لا تنهيَ الفساد ولكنها تحد منه، ولا تنهي القمع وإن كانت تجمله أو تخففه....لكن إنْ أردتم القضاء على الفساد قضاءا مبرما، فلابد من اجتزاز السلطة...المتعالية على....والمنفصلة عن...الخاضعين لها، واستبدالها بسلطة قائمة على توافق وتعاقد إرادات الناس الحرة. سلطة غير منفصلة عنهم ولا متعالية عليهم. سلطة مكلفة بأداء مهام محددة، و لهذا شرط ضرورى هو القضاء على سيطرة البعض دون الآخرين على كل مصادر السلطة المادية، وهيَ كل وسائل الثروة والعنف والمعرفة.
************************
مراجع ومصادر موجودة على الإنترنتPDF
A Wee Black Booke of Belfast Anarchism(1867-1973) Máirtín Ó Catháin
What Is Communist Anarchism? 1929 Alexander Berkman
ANARCHISM From Theory to Practice by Daniel Guerin I ntroduction by Noam Chomsky Translated by Mary Klopper
Anarchism and Marxism Daniel Guerin
Anarchism and Syndicalism in the Colonial and Postcolonial World، 1870–1940
Anarchism_in_Chinese_Political_Culture__Anarchism_and_Chinese_Political_Culture__Studies_of_the_East_Asian_Institute_
ANARCHISM AND POLITICAL THEORY: Contemporary Problems by Uri Gordon
Anarchy Alive! Anti-authoritarian Politics from Practice to Theory URI GORDON
Anglicanism: A Very Short Introduction
Black Flame The Revolutionary Class Politics of Anarchism and
Syndicalism Lucien van der Walt and Michael Schmidt
What Is Communist Anarchism? Alexander Berkman Now and After: The ABC of Communist Anarchism New York: Vanguard Press، 1929
Contemporary Anarchist Studies An introductory anthology of anarchy in the academy
“For a World Without Oppressors:” U. S. Anarchism from the Palmer Raids to the Sixties by Andrew Cornell
Anarcho-syndicalism in the 20th century / by Vadim V. Dami
Translated from Russian by Malcolm Archibald.
NO GODSJ NO MASTERS COMPLETE UNABRIDGED DANIEL GUERIN• AK PRESS
Three Problems of the Revolution Daniel Guérin1958
The Art of Not Being Governed An Anarchist History of Upland Southeast Asia James C. Scott
Pëtr Kropotkin The Great French Revolution1789–1793
New Mutualism e-Mutualism or the Tragedy of the Dot.Commons?by Bill Thompson
Address to the International Working Men’s
Association Congress Emma Goldman
Anarchism and Other Essays Emma Goldman1910
About my trial: Class Struggle or Class Hatred? Errico Malatesta
1921
Anarchism and Organization Errico Malatesta
1897
About the Platform Errico Malatesta and Nestor Makhno
1927–1929
Anarchism: A History Of Libertarian Ideas And Movements
GEORGE WOODCOCK
Anachy AndAnarchists Michael Schaack
Morality and Anachism GEORGE WOODCOCK
Graham، Robert Anarchism: a documentary history of libertarian ideas / Robert Graham، editor (two volumes)
Israeli anarchism Statist dilemmas and the dynamics of joint struggle URI GORDON
Louise Michel edited by Nic Maclellan
Errico Malatesta THE ANARCHIST REVOLUTION Polemical Articles 1924-1931
PETER MARSHALL Demanding the Impossible A History of Anarchism
Marxism، Freedom and the State Mikhail Bakunin
The Ego and His Own Max Stirner 1845
Michail-bakunin-god-and-the-state
Michail-bakunin-stateless-socialism-anarchism
Michail-bakunin-statism-and-anarchy
Michail-bakunin-what-is-authority
Michail-bakunin-writings
Murray-bookchin-whither-anarchism-a-reply-to-recent-anarchist-critics
Noam-chomsky-what-makes-mainstream-media-mainstream
Noam-chomsky-who-are-the-global-terrorists
Petr-kropotkin-anarchism-from-the-encyclopaedia-britannica
Petr-kropotkin-anarchist-morality
Petr-kropotkin-mutual-aid-a-factor-of-evolution
Petr-kropotkin-the-action-of-the-masses-and-the-individual
Petr-kropotkin-the-conquest-of-bread
Petr-kropotkin-the-state-its-historic-role
Petr-kropotkin-the-wage-system
Pierre-joseph-proudhon-philprog
Pierre-joseph-proudhon-system-of-economical-contradictions-or-the-philosophy-of-poverty
Pierre-joseph-proudhon-toast-to-the-revolution
Pierre-joseph-proudhon-what-is-property-an-inquiry-into-the-principle-of-right-and-of-governmen
In War and Peace (translation of preface) Pierre-Joseph Proudhon
Powers and Prospects Reflections on Human Nature and the Social Order NOAM CHOMSKY
Rrobert-Ggraham-various-authors-the-emergence-of-the-new-anarchism
Accursed Anarchism: Five Post-Anarchist Meditations on Bataille Saint Schmidt 2009
Sam-mbah-i-e-igariwey-african-anarchism-the-history-of-a-movement
الحرب الأهلية الإسبانية  تجربة أناركية إيدي كونلون
الحياة بعد الرأسمالية (اقتصاد المشاركة) مايكل ألبرت ترجمة أحمد محمود
كتابات باكونين_ ترجمة مازن كم الماز وحسن دبوق
اللاسلطوية الأناركية كما نراها ترجمة مازن كم الماز
اقتصاد الربح مقدما على الشعب - ناعوم تشومسكي ترجمة لمي نجيب
فلسفة التاريخ والوعي الطبقي - جورج لوكاش
مصادر ومراجع ورقية
الأناركية والثورة والإنسان – ديفيد جريبر - ترجمة أحمد حسانLُ         (مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر 1999)
سياسة رايات التمرد – ترجمة خالد الفيشاوي(مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر 1999)
كتاب الأناركية مجتمع بلا رؤساء- أحمد زكي
التحررية من النظرية إلى الممارسة دانيال جرين...بيروت
***************************************************
مواقع للنصوص الأناركية باللغتين العربية والإنجليزية
 المكتبة الأناركية (Full list of texts) مواقع لنصوص أناركية باللغتين العربية والإنجليزية)
http://theanarchistlibrary.org/library
الأرشيف الأناركي
http://dwardmac.pitzer.edu/Anarchist_Archives/
An Anarchist FAQ Webpage
http://anarchism.pageabode.com/afaq/index.html
موقع ليبكوم
http://libcom.org
الأرشيف الماركسي
https://www.marxists.org/archive/index.htm
الأناركية بالعربية
http://anarchisminarabic.blogspot.com. eg/
موقع مازن كم الماز بالحوار المتمدن
http://www.ahewar.org/m.asp?i=1385
بوابة الأناركية على ويكيبيديا
https://en.wikipedia.org/wiki/Anarchism
كتب أناركية  PDFباللغة العربية

http://www.4shared.com/folder/3zXokFny/_online.html

الاثنين، 11 سبتمبر، 2017

القسم السادس :قضايا الأناركية 3


القسم السادس : قضايا الأناركية 3
سامح سعيد عبود
الجماعة الدعائية:
تتكون الجماعة الدعائية بشكل مجرد كاتحاد بين أفراد وجماعات متقاربة في عملها ورؤاها، وتقام على قواعد تنظيمية أو ضرورية فحسب، وتعتمد على توافق إرادات ورغبات الأعضاء في التعاون فيما بينهم، وإلحاح الظروف الاجتماعية التي تفرض عليهم النضال سويا، و يقام الاتحاد الأناركي الثوري بواسطة ممثلين عن جماعات دعائية متجانسه، (أو الجماعة المتجانسة نفسها عند نموها لحد يسمح لها بالانقسام لجماعات دعائية فرعية). وفي كل الأحوال يتم  الالتزام بمبدأ ضمان الحقوق والامتيازات والمسئوليات التصويتية الكاملة لكل عضو.
تضع الجماعة الدعائية واتحاداتها  كل من السياسات وخطط الأعمال المستقبلية وتؤدي وظائفها وفق هذا المبدأ، وأنها تربط بين كل من الأناركية والممارسة الاجتماعية، وعقيدتها هيَ الانخراط في الصراعات الطبقية والاجتماعية من أجل نفي النظام الرأسمالي والسلطوي، وتنتظم سواء في  التجمعات البشرية المختلفة أو في أماكن العمل، وهيَ في النهاية جماعة ديمقراطية تخلو من أيِّ رموز للسلطة مثل زعماء الحزب، واللجنة المركزية وخلافه.
ولأن الثورة لابد وأن تحدث على نطاق واسع يتجاوز نطاق عمل الجماعات واتحاداتها المحلية فإنَّ العمليات التنسيقية بين هذه الجماعات واتحاداتها المحلية تصبح ضرورة ملحة، وتشكيلها لا  يمكن أنْ يكون في طريق معاكس لمبادئ الأناركية، فما يعارضه الأناركيون تحديدا هو التراتبية في التنظيم، وسلطة القيادة المعرقلة للعمل، والتي تكبح الدافع الخلاق للكتل المنخرطة في العمل، وتطبق بقرارتها البيروقراطية على رقابهم، حيث يكون الأعضاء في مثل هذه الجماعات التراتبية مجرد خدم وعبيد لقيادة الحزب، لكن برغم أنَّ الأناركيين يرفضون مثل هذه القيادة المركزية المتحكمة في تابعيها، فهم يقرون أنَّ هناك بعض الناس يكونون أكثر خبرة أو أفصح أو أكثر مهارة من آخرين، وهؤلاء الأشخاص لابد وأنهم سوف يلعبون أدوار القيادة في العمل، وهؤلاء الأشخاص ليسوا رموز مقدسة للسلطة، ويمكن ببساطة أنْ ينحوا عن مسئولياتهم حسب إرادة عضوية التنظيم، كما يوجد هناك أيضا وعيٌ بأهمية تداول المسئوليات بين الأعضاء بشكل متواتر لإكساب الآخرين المهارات المختلفة عبر ممارسة المسئوليات، وبشكل خاص النساء والمنتمين للأقليات العرقية والثقافية في المجتمع الذي تنشط فيه الجماعة الدعائية، والذين لا يحصلون عادة على هذه الفرص بحكم انتماءاتهم والعادات والتقاليد والأعراف السائدة المحيطة بهم.
خبرة هؤلاء الأشخاص الذين يكونون عادة نشطاء محنكين أو مؤهلين على نحو أفضل من الغالبية في لحظة ما تجعلهم يستطيعون المساعدة على تشكيل وقيادة وتطور الحركة، والمساعدة على بلورة الإمكانية من أجل التغيير الثوري في الحركة الشعبية. ما لا يستطيعوا أنْ يفعلوه هو  تولي السلطة فوق مبادرة هذه الحركات الشعبية نفسها.
ينكر الأعضاء في هذه المجموعات الدعائية الأوضاع التراتبية (أيْ تمتع أيِّ شخص بسلطة رسمية أكثر من الآخرين)، وهيَ الأوضاع المشابه للأحزاب الماركسية اللينينية الطليعية، كما أنَّ المجموعات الدعائية الأناركية لن تسمح بإدامة قيادتها من خلال الديكتاتورية بعد الثورة. فبدلا من ذلك فإنَّ الجماعات الدعائية واتحاداتها سوف تحل نفسها فور انتصار الثورة، وعضويتها السابقة عندئذ ستكون مهيئة للذوبان في عمليات اتخاذ القرارات في تجمعات المجتمع الجديد. ومن ثم سيكون هؤلاء الأناركيون بعد الثورة بلا قيادات بل مجرد أفراد أكثر وعيا يعملون كمرشدين، وكمنظمين لحركة الجماهير في عملية بناء المجتمع الجديد.
ما لا يريده الأناركيون ولا يحتاجونه بالفعل هو مجموعة من السلطويين تقود الطبقة العاملة، وتقيم من نفسها قيادة مركزية لصنع القرارات، وبدلا من “ذبول” دول الماركسية الللينينية الموعود فإنَّنا رأيناها جميعا وقد أدامت الأوضاع التسلطية (البوليس السري، السيادة على العمال، امتيازات الحزب الشيوعي) للحفاظ على سلطتهم التي انتزعوها.
الفعالية الظاهرة لمثل هذه المنظمات التي تخدع البعض بضرورتها، تحجب الطريقة التي يحتذي بها الثوريون أنفسهم حذو المؤسسات الرأسمالية (الدولة والشركة) التي يكافحونها، فمنظماتهم المحاكية للنمط البورجوازي  القائم على الانقسام بين البشر، بين من يأمرون ومن يطيعون الأوامر، تصبح مشبعة بالقيم البورجوازية والسلطوية برغم خطابها التحرري، ومعزولة تماما عن الاحتياجات الواقعية، ورغبات الناس العادية.
مقاومة الماركسيين اللينينين لقبول التغيير الاجتماعي الثوري الذي يحطم الانقسام بين البشر إلى آمرين ومأمورين، أيما كان يكمن فوق كل ما رأيناه في مفهوم لينين للحزب. وفرضية ضرورة انتزاع السلطة السياسية، ووضعها في يد الحزب الشيوعي كشرط للتحرر الاجتماعي. الحزب الذي يخلقه اللينينون اليوم، مثلما يعتقدون سوف يصبح الحزب الوحيد للبروليتاريا، والذي يمكن للطبقة العاملة من خلاله أنْ تنتظم وتحوز السلطة وأن تحرر نفسها.
في الممارسة أيما كانت، هذا يعني الديكتاتورية الشخصية والحزبية، والتي تعطي الحزب الفائز والقائد  الحق والواجب لمحو كل الأحزاب والأيديولوجيات الأخرى المهزومة والمقودة. كل من لينين وتروتسكي وستالين، قد قتلوا الملايين من العمال والفلاحين، كما نكلوا بمعارضيهم الأيديولوجيين في الجناح اليساري للثورة، وحتى بالألاف من أعضاء حزبهم البلشفي.
دموية هذا التاريخ الخياني تفسر كل هذه العدائية والمنافسة البالغة الحدة بين الأحزاب الماركسية اللينينية والتروتسكية حتى اليوم، وتفسر لماذا نرى في كل دول العمال سواء  في  كوبا أو في الصين أو في  فيتنام أو في  كوريا الشمالية تجسم  بيروقراطية طغيانية فوق شعوبها. ويفسر أيضا لماذا رأينا أنَّه في معظم البلاد الستالينية بشرق أوروبا قد تم إسقاط حكوماتها بواسطة البورجوازية الصغيرة، والناس العاديين في عقد الثمانينات، وربما نشهد خسوف شيوعية الدولة بشكل كامل، فهؤلاء  لم يصبح لديهم شىء جديد ليقولوه، وأنه لن يمكنهم استعادة حكوماتهم مرة ثانية.
الديمقراطية المباشرة:
بينما تصل المجموعات الأناركية لقراراتها عبر  مناقشة أناركية بين أعضاءها، نجد أنَّ الماركسيين اللينينين ينتظمون خلال ما يسمى بالمركزية الديمقراطية. المركزية الديمقراطية تقدم كشكل من ديمقراطية الحزب الداخلية، لكنها في الحقيقة محض تراتبية استبدادية، حيث كل عضو في الحزب وأخيرا في المجتمع بعد نجاح الحزب في الوصول للسلطة يكون خاضعا للعضو في المستوى التنظيمي الأعلى حتى نصل للجنة المركزية للحزب كلية القدرة والجبروت، ثم رئيسها صاحب الحق الوحيد في التفكير، وإصدار الأوامر. وهذا إجراء غير ديموقراطي بشكل كامل، وهو يضع القيادة فوق مستوى النقد حتى لو لم تكن فوق مستوى اللوم. أنها طريقة تفسد، وتفلس العمليات الداخلية للمنظمة السياسية، أنك لا تملك صوتا مؤثرا في الحزب، ويجب أنْ تخاف من قول أيِّ تعليقات ناقدة للقيادة، أو حول القادة حتى لا تتناولك الشكوك والاتهامات.
القرارات  في المجموعات الأناركية تتخذ من قبل كل الأعضاء (والذين لا يملك أحدٌ منهم سلطات فوق ما يملكه عضو آخر) والأقلية المخالفة تحترم، ومساهمة كل فرد تكون طوعية. وكل عضو له الحق في الموافقة أو عدم الموافقة على أيِّ سياسة أو فعل، وأفكار كل عضو تعطي نفس الوزن والاعتبار، ولا قرار يمكن أنْ يتخذ حتى يكون لكل عضو فرد أو مجموعة منضمة يمكن أنْ تتأثر بهذا القرار، الفرصة  ليعبر عن رأيه في الموضوع محل القرار. والأعضاء الأفراد والجماعات المنضمة للاتحاد تحتفظ بحقها في رفض دعم أنشطة جماعية أو اتحادية معينة. هذه هيَ  الديمقراطية الحقيقية، فالقرارات التي تخص الاتحاد ككل يجب أنْ تتخذ بواسطة إما التوافق وهذا هو الأفضل والأنسب مع الأناركية أو أغلبية متميزة من أعضاءه في حالة الضرورة والاستعجال.
في معظم القضايا لا يكون هناك احتياج حقيقي لاجتماعات  رسمية من أجل اتخاذ القرارت، ما  يتم الاحتياج إليه هو تنسيق أعمال المجموعة أو الاتحاد. بالطبع، هناك أوقات يجب أنْ يتخذ فيها قرار عاجل، وأحيانا بسرعة جدا، وهذا يكون أمر نادر لكن أحيانا لا يمكن تفاديه، والقرار في هذه الحالة يمكن أنْ يتخذ بواسطة حلقة  أصغر من العضوية العامة المكونة من مئات أو آلاف.
ولكن في الأحوال العادية كل هذا يحتاج لتبادل المعلومات والحقائق بين الأعضاء والجماعات من أجل اتخاذ قرار  يعيد تناول القرار الأصلي الذي تم اتخاذه في ظرف الطوارىء، بالطبع خلال هذا النقاش سوف يبذل جهد لتوضيح أيَّ اختلافات أساسية بين الأعضاء حول القرار المتخذ، واكتشاف الطرق البديلة للفعل الذي تم اتخاذ القرار بشأنه.
وهناك  دائما محاولات للوصول عبر النقاش  لتوافق  متبادل على القرارات بين وجهات النظر المتعارضة، بينما لو كان هناك مأزق أو عدم وجود إمكانية للوصول للتوافق المتبادل مع القرار، فيأخذ القرار طريقه للعرض على التصويت، وحينئذ  يقبل أو يرفض أو يلغى بأغلبية الثلثين. وهذا على العكس كليا من ممارسة الأحزاب الماركسية اللينينية حيث اللجنة المركزية من جانب واحد تعد السياسات والقرارات لكل المنظمة على نحو تحكمي وتسلطي.
يرفض الأناركيون مركزة السلطة، ومفهوم المركزية الديمقراطية. فكل المجموعات الدعائية هيَ اتحادات حرة مشكلة وفق احتياج عام، وليسوا ثوريين مروضين بالخوف من مخالفة السلطة الحزبية، بينما يتسع نطاق مجموعات العمل (والذي ممكن أنْ تتشكل بين العمال أو حركة مكافحة العنصرية، أو حقوق المرأة، أو التمويل  أو التغذية والإسكان....إلخ) وتصبح منظمات ضخمة يصعب معها ممارسة الديمقراطية المباشرة، فإنَّه يمكنها حينئذ أنْ تنقسم لمجموعتين، أو أكثر تتمتع بالاستقلال الذاتي بلا مركزية مع استمرارها متحدة في اتحاد واحد واسع. وهذا يجعلها قادرة على الاتساع بلا حدود بينما تحتفظ بشكلها الأناركي المتميز بكل من الإدارة الذاتية واللامركزية. إنها نوعا ما تشبه النظرية العلمية للخلية الحية في الانقسام وإعادة الانقسام لكن بالمعنى السياسي.
المجموعات الأناركية لا تنتظم بشكل ضروري على نحو محكم، فنظرية التنظيم الأناركية مرنة والبنية التنظيمية يمكن أنْ لا توجد عمليا أو توجد على نحو محكم جدا، وهذا يعتمد على نمط المنظمة المطلوب في ظل الظروف الاجتماعية التي  تواجهها الحركة الأناركية، على سبيل المثال المنظمة يمكن أنْ تكون محكمة خلال العمليات العسكرية أو خلال القمع السياسي المشدد.
المشتركات الجماهيرية (الكوميونات):
يرفض الأناركيون الاجتماعيون المفهوم الماركسي اللينيني عن ديكتاتورية البروليتاريا، وما يسمى بـ”الدولة العمالية” مفضلين المشتركات الجماهيرية (الكوميونات).
بما لا يشبه أعضاء الأحزاب اللينينية والذين يعيشون يوميا على نحو مشابه بوجه عام لنمط الحياة البورجوازي الحاضر، فإنَّ الأناركيين يحاولون العيش وفق أنماط الحياة والبنية التنظيمية التي تحاول أنْ تعكس المجتمع التحرري للمستقبل، وذلك من خلال الترتيبات الحياتية التشاركية، والجماعات المتقاربة.
ولذلك بنى الأناركيون كل أنواع المشتركات الجماهيرية، والتجمعات خلال الحرب الأهلية الإسبانية في عقد الثلاثينات من القرن الماضي، لكن تم تحطيمها من الفاشيين والشيوعيين.
ولأن الماركسيين اللينينين لا يبنوا تنظيمات تعاونية ( أنوية المجتمع الجديد) مفضلين الانغماس والاندماج في عالم البورجوازية، فإنهم لا يستطيعوا رؤية العالم إلَّا في المصطلحات السياسية البورجوازية فقط.
هم يريدون الاستحواز على سلطة الدولة، ولكيْ يحلوا ديكتاتورياتهم فوق الشعب والعمال بدلا من إزالة سلطة الدولة، واستبدالها بالمجتمع التعاوني الحر.
إنَّهم يؤكدون على أنَّ الحزب يمثل البروليتاريا، والتي لا احتياج لها  لتنظيم نفسها خارج الحزب، وحتى في الاتحاد السوفيتي السابق، فإنَّ عضوية الحزب الشيوعي لم تشكل إلَّا خمسة في المئة من السكان. وهذه أسوء أنواع النخبوية، والتي  جعلت الأحزاب الرأسمالية أكثر ديمقراطية بالمقارنة بها.
ما كان يقصده الحزب الشيوعي بتمثيل سلطة العمال لم يكن واضحا، إلَّا أنَّ النتائج كانت 75 عاما من القهر السياسي وعبودية الدولة بدلا من عهد من الحكم الشيوعي المجيد، ولذلك فإنَّهم يجب أنْ يخضعوا للحساب سياسيا من جراء جرائمهم ضد الناس، وأنهم جللوا الاشتراكية والشيوعية بالعار، وأجَّلوا إمكانية تحققهما الفعلي لمدى زمني طويل.
يرفض الأناركيون ديكتاتورية البروليتاريا، كونها قهرا غير مقيد، والماركسيون اللينينيون والستالينيون مصممون على تحقيقه، الملايين قتلهم ستالين باسم مكافحة الصراع الطبقي الداخلي، وملايين أكثر قتلتهم الحركات الشيوعية  في الصين وبولندا وأفغانستان وكمبوديا وبلاد أخرى حيث اتبعت فرضية كل من تروتسكي وستالين بضرورة الإرهاب الثوري. والأناركيون يرفضون شيوعية الدولة كأسوأ انحراف وطغيان حدث باسم التحرر مما أضر بقضية التحرر. ويجزمون بأنهم يستطيعون أنْ يصنعوا ما هو أفضل منها مع المشترك الجماهيري (الكوميون) .
كوميون الجماهير الأناركي (أحيانا يطلق عليه مجلس العمال بالرغم من بعض الاختلافات بين المفهومين) يمكن أنْ يكون قوميا أو قاريا أو اتحادا متعدد القوميات لتعاونيات سياسية واقتصادية وتشكيلات تشاركية محلية.
يتطلع الأناركيون لعالم ومجتمع يكون فيه صنع القرار عمل كل شخص، والذي ينخرط فيه مع باقي أعضاء التشاركية أو الكوميون المنضم إليه، ومن ثم فهو ليس عمل قلة تروض الآخرين وفق نزواتها وتحركهم كالتروس فيما يسمى ديكتاتورية البروليتاريا.
إنَّ أيَّ ديكتاتورية وكل ديكتاتورية هيَ أمر سيئ حتى ولو تمت باسم البروليتاريا، وأنها لا يمكن أنْ تعيد لنا الأشكال الاجتماعية الحرة بعد أنْ سلبتها، بالرغم مما يخبرنا به اللينينيون بأنها تحمينا من الثورة المضادة. فطالما الماركسيون اللينينيون يدَّعون أنَّ هذه الديكتاتورية ضرورية لكيْ تضرب أيَّ ثورات مضادة بورجوازية تقودها الطبقة الرأسمالية، أو رجعيو الجناح اليميني فإنَّهم أبعد ما يكونوا عن المشروع التحرري.
يرى الأناركيون أنَّ هذا الإدعاء نفسه جزء من مدرسة التخريف الماركسي. فجهاز ممركز مثل الدولة يكون هدفا أسهل للمعارضين في معسكر الثورة المضادة من تنظيم اتحادي مكون من التشاركيات اللامركزية. وهذه التشاركيات سوف تبقى مسلحة ومدربة للدفاع عن الثورة ضد أيِّ جيش يهاجمها عسكريا. ومفتاح حركة الناس نحو الدفاع والحراسة والكفاح ووحدات الاستعدادات العسكرية الأخرى يكمن في الحفاظ على ما اكتسبوه بأنفسهم من تشاركيات حرة، وليس قهرهم بأجهزة الأمن وغسيل العقول.
موقف اللينينين من ضرورة الديكتاتورية لحماية الثورة لم يكن مبرهنا عليه في الحرب الأهلية، والتي  تلت الثورة الروسية؛ في الحقيقة بدون الدعم من الأناركيين وقوى الجناح اليساري الأخرى وعبر الشعب الروسي فإنَّ حكومة البلشفيك كانت ستهزم لا محالة.
والحقيقة أنَّ الديكتاتورية انقلبت على داعميها، وطاردت الحركات الأناركية الأوكرانية والروسية، وحتى المعارضين أيديولوجيا في الحزب البلشفي حيث واجهوا السجن والقتل والنفي. وملايين من المواطنيين الروس قد قتلهم لينين وتروتسكي حقا بعد الحرب الأهلية بينما كانوا يشددون من سلطة الدولة وهو ما سبق حكم ستالين الدموي.
الدرس هو عدم الانخداع مجدا حيث تسلم سلطة الشعب المتجذرة لديكتاتورين يقودونا كأصدقائنا وقادتنا.
الحلول الماركسية اللينينية خطيرة ومضللة. هناك طريق آخر، لكن عند كثير من اليساريين والناس العاديين  الاختيار الوحيد يظهر ليكون بين الفوضى الأناركية أو الأحزاب الشيوعية الماركسية مهما كانت دوجمائية وديكتاتورية. هذه هيَ النتيجة الأولية لعدم الفهم والدعاية.
تقدم الأناركية كأيديولوجية بنيات تنظيمية ملائمة، بمقدار ما هيَ بديل صالح للنظرية الثورية، والتي لو استخدمت يمكن أنْ تكون أساس لتنظيم بصلابة التنظيم الماركسى اللينينى (أو حتى أكثر منه)، هذه المنظمات ستكون مساواتية وواقعية لمنفعة الناس فقط أكثر من القادة الشيوعيين.
الأناركية غير مقيدة بأفكار نظري فرد، ومن ثم فهيَ تسمح بالإبداع فرديا ليتطور في شتى التجمعات بدلا من الدوجمائية المميزة للماركسيين اللينينيين، ولكونها ليست عقيدة دينية فهيَ تشجع التعامل الواسع مع الإبداع والتجريب والارتقاء بمؤيديها ليجيبوا واقعيا على متطلبات الظروف المعاصرة.
هيَ مفهوم لصنع أيديولوجيا صالحة لمتطلبات الحياة بدلا من محاولة صنع حياة صالحة لمتطلبات الأيديولوجيا، ومن ثم فالأناركيون يبنون منظمات لتبنى عالما جديدا لا لتديم سلطتها فوق الجماهير.

يحاول الأناركيون بناء حركة أممية تنسيقية منظمة تهدف إلى تحويل الكوكب إلى تشاركية ستكون وثبة كبرى في التطور الإنساني وخطوة ثورية عملاقة. إنها تغير العالم الذي نعرفه وتنهي المشاكل الاجتماعية التي طالما اجتاحت الجنس البشري، إنَّها بدءُ عصرٍ جديد من الحرية والإنجاز. 

السبت، 9 سبتمبر، 2017

القسم السادس: قضايا أناركية 2

القسم السادس : قضايا أناركية 2
سامح سعيد عبود
العلاقة مع اليسار:
في حين أنَّ العديد من الأناركيين (وخاصة المشاركين في الحركة المناهضة للعولمة) يستمرون في رؤية أنفسهم كحركة يسارية، لكن بعض المفكرين والناشطين يعتقدون أنَّه من الضروري إعادة تقييم العلاقة الأناركية مع اليسار التقليدي. مثل العديد من الأيديولوجيات المتطرفة، معظم المدارس الأناركية الفكر هي، إلى حد ما، طائفية. غالبا ما يكون هناك اختلاف في الرأي داخل كل مدرسة حول كيفية الرد على أو التفاعل مع المدارس الأخرى. ومع ذلك، فكثير من الأناركيين يتبنون  مجموعة واسعة من وجهات النظر السياسية، مثل زاباتيستا، والمواقفين، والاستقلاليين الماركسيين.
الغيابية والمشاركة في العملية الانتخابية:
يزعم السلطويون الديمقراطيون أنَّ الديمقراطية التمثيلية النيابية هيَ أقرب شكل ممكن لممارسة السلطة يضمن الحرية للبشر، وما هيَ في الحقيقة سوى مجرد إعطاء الأغلبية الحق في أنْ تذهب بشكل دوري لتختار من بين السياسيين الرأسماليين والبيروقراطيين الذين يمثلون النخبة الحاكمة من سيمارس عليهم السلطة، وباسمهم، في تمثيلية لا تنطلي إلَّا على السذج، فمن يملكون أيَّ من مصادر السلطة، هم وحدهم القادرين واقعيا على الفوز في الترشيح للمجالس التمثيلية الذي يكتفي المحرومون منها واقعيا بمجرد حقهم القانوني والشكلي في الترشيح، فليس لهم سوى اختيار أيٍّ من هؤلاء المرشحين سيمثلهم لعدة سنوات، معتمدين في اختيارهم على مدى تأثرهم بالدعاية الانتخابية التي تملك وسائلها النخب الحاكمة والمالكة التي يمثلها هؤلاء المرشحين.
في حين يؤكد الأناركيون على شكلية ديمقراطية الصندوق الانتخابي، ومن ثم رفضها، فالممارسة السياسية عبر الصناديق الانتخابية مهزلة سخيفة، وخدعة كبرى تمارس باسم الحرية، ولا يمكن أنْ تأتي بمن يعبرون عن المصالح النهائية للبروليتاريا، لأن النخب السياسية البرجوازية سواء في الحكم أو في المعارضة تحتكر وحدها دون البروليتاريا الناخبة كل وسائل التأثير على عقول تلك البروليتاريا، والمحجوب عنها المعرفة، والمعلومات الضرورية، مما يجعلها عاجزة عن اتخاذ القرار الصحيح، فضلا عن أنها خاضعة أساسا لعملية تشكيل العقل وتوجيهه إلى ما تريده هذه النخب من أراء، والتي تتنافس فيما بينها في لعبة كراسيَ موسيقية، لتبادل مقاعد الحكم والمعارضة، فبطاقة الاقتراع بين أيدى شعب أهمل تثقيفه عمدا، وتنتشر بين أفرادة كافة أنواع الأميات الأبجدية والثقافية والمعلوماتية، وتتسلط عليه أدوات غسل العقل وتعليبه، وصناعة الوعي وتشكيله، ليست سوى حيلة ماكرة لإنتاج وتجديد إنتاج نخب حاكمة ترتدي أقنعة التمثيل الشعبي الكاذب، ومهمتها الجوهرية هيَ أنْ تحافظ على مصالح ملاك الثروة ووسائل العنف والمعرفة.
يؤكد ما يذهب إليه الأناركيون ضعف الحركات السياسية والنقابية العمالية، وأن المشاركة الجماهيرية في النقابات والأحزاب السياسية خصوصا، والعملية البرلمانية عموما قد تدهورت  بمعدلات مذهلة، لتتحكم في العملية السياسية كلها جماعات الضغط للقضية الواحدة كالبيئةـ والأقليات من جانب الناخبين، والمال والعصبيات القبلية والطائفية، وأن العملية الانتخابية والممارسة البرلمانية من أولها لآخرها هيَ مجرد سيرك للثرثرة والتضليل، فنجاح الحملات الانتخابية للمرشحين تعتمد على وسائل الترويج الإعلاني بأكثر مما تعتمد على البرامج الانتخابية، وذلك لجذب أصوات جماعات الضغط، والناخبون عادة لا يجدون فروقا واضحة بين البرامج تستدعي الاهتمام بالاختيار بين المرشحين، ومن ثم يعتمد النجاح في الانتخابات على الجوانب الشخصية للمرشح، وإمكانيه جذبه لأصوات الناخبين، الذين قد ينجذبون لما له من جاذبية شخصية لا اقتناعا بالبرنامج الانتخابي الذي يقدمه.
في حين أنَّ معظم الأناركيين يعارضون بشدة التصويت أو الترشيح في الانتخابات، أو المشاركة بأيِّ شكل من الأشكال في مؤسسة الدولة، فهناك عدد قليل منهم يختلفون معهم. فالأناركي البارز، بيير جوزيف برودون، ترشح لانتخابات الجمعية التأسيسية الفرنسية مرتين في عام 1848. وطور بول بروس مفهوم استقلال البلديات الذاتي التحرري في سويسرا في تسعينات القرن 19 التي شملت المشاركة في الانتخابات المحلية. ولكن يظل الكثير من الأناركيين يعارضون التصويت في الانتخابات لثلاثة أسباب.
أولا، أنهم يعتقدون أنها غير فعالة، في أحسن الأحوال برغم أنها قد تؤدي إلى إصلاحات طفيفة.
ثانيا، المشاركة في الانتخابات والعملية السياسية البرلمانية أدت تاريخيا إلى أنْ يصبح المعارضون الجذريون جزءا من النظام بدلا من وضع حد له.
ثالثا، لأن حجم التصويت يعني الاعتراف بشرعية الدولة.
وأكثرها أهمية هو فكرة أنَّ الديمقراطية التمثيلية نفسها معيبة بشكل أساسي. في جوهرها، حيث تستخدم النخب السياسية المتصارعة للطبقة الحاكمة، الأوهام الديمقراطية للوصول إلى السلطة على الشعب، ومن ثم تستخدم القوة لقمع أيِّ معارضة حقيقة لها. فالنخب السياسية في الواقع غالبا لا تخدم مصالح الشعب بشكل عام، ولكن تنتج ببساطة الوهم لدى الشعب بأنها تفعل هذا فقط للوصول إلى السلطة، حيث تعمل الحكومات على حساب الصالح العام، ولا يمكن أنْ تخدم أيَّ غرض آخر بغض النظر عن أيا كان الشكل الذي تتخذه، سوى مصالح الطبقة الحاكمة.
وخلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2004، أطلقت جماعة الأناركية الجمعية  CrimethInc. “لا مجرد أصوات، واصنع نشاطا”، حملة للترويج لأهمية العمل المباشر، بدلا من التغيير الانتخابي. والأناركيون في بلدان أخرى غالبا ما يشاركون في حملات مكافحة للتصويت مماثلة. والبعض الآخر يدافع عن نهج أكثر واقعية، بما في ذلك التصويت في الاستفتاءات، في حين أنَّ أناركيين بارزين آخرين مثل هوارد زين ونعوم تشومسكي تعهدوا دائما بدعمهم للمرشحين التقدميين مثل رالف نادر.
جادل الأناركي الفردي ليساندر سبونر بأن التصويت كان وسيلة مشروعة للدفاع عن النفس ضد الدولة، وأشار إلى أنَّ العديد من أنصار الدولة يعتبرون كلا من التصويت والامتناع يمكن أنْ يكونا اعترافا بشرعية الدولة. ويقدم مقال سبونر “لا خيانة” الطعن الأناركي الفردي على الحجة التي بررت بها الحكومات الديمقراطية شرعيتها بكونها قائمة على موافقة الأغلبية، باعتباره منطقا يستجيب للقوة العددية حتى ولو كانت ضارة بالمصلحة العامة، وضد الأقلية العددية لمجرد انها أقلية، حتى ولو كانت على صواب، وتعبر عن المصلحة العامة.
فوفقا للأناركيين الفرديين، “نظام الديمقراطية، القائم على التمسك بقرار الأغلبية، لاغي وباطل. وهو شكل من أشكال الاعتداءات على الحقوق الطبيعية للإنسان للفرد ومن ثم ظالم ورمزا لاستبداد الأغلبية بالأقلية”. وانتقد التحرري الكوميوني موراي بوكتشن الأناركيين الفرديين لمعارضتهم الديمقراطية، وقال إنَّ“حكم الأغلبية” يتفق مع الأناركية، لكنه فضل أيضا مصطلح الجمعية بدلا من الديمقراطية. وبدورهم اتهموا بوكتشن بـ”الدولانية الكوميونية”،أيْ، غير الأناركية. وفي وقت لاحق، تخلى بوكتشن عن الأناركية لتعريف نفسه كمدافع عن الكوميونالية.
العولمة والإمبريالية:
يشارك العديد من الأناركيين بنشاط في الحركة المناهضة للعولمة، ورؤية عولمة الشركات على أنها محاولة من الاستعمار الجديد لاستخدام الإكراه الاقتصادي على نطاق عالمي، ينفذ من خلال مؤسسات دولية مثل البنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية ومجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى، والمنتدى الاقتصادي العالمي. والعولمة مصطلح غامض لديه معان مختلفة بالنسبة للفصائل الأناركية المختلفة. ولذلك استخدم العديد من الأناركيين المصطلح ليعنوا الاستعمار الجديد أو الإمبريالية الثقافية، وآخرون لا سيما الأناركيون الرأسماليون، يستخدمون “العولمة” للدلالة على التوسع في جميع أنحاء العالم في تقسيم العمل والتجارة، والتي يرون أنها مفيدة طالما الحكومات لا تتدخل فيها. ويرى أناركيو السوق والأناركيون الرأسماليون التوسع في جميع أنحاء العالم لتقسيم العمل من خلال التجارة ( “العولمة”)، كنعمة، ولكن يعارضون تنظيم وتشكيل الكارتلات التي فرضها البنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية (WTO)، وغيرها، واتفاقيات التجارة مثل النافتا والجات  واتفاق أمريكا الوسطى للتجارة الحرة (منطقة التجارة الحرة). ويعترض كثيرون على النقود الورقية التي تصدرها البنوك المركزية وما ينتج عنها من الانحطاط في قيمة المال، ومصادرة الثروات.
جماعات مثل مطالب الشوارع، من بين المحرضين في ما  يسمى الحركة المناهضة للعولمة. واعتبر كرنفالا ضد الرأسمالية في 18 يونيو 1999 العام الأول من الاحتجاجات الرئيسية المناهضة للعولمة. حيث لعب أناركيون، مثل WOMBLES، في بعض الأحيان دورا هاما في التخطيط والتنظيم، والمشاركة في احتجاجات لاحقة. وتميل الاحتجاجات إلى التنظيم على مبادئ العمل المباشر الأناركية مع التسامح العام لمجموعة من مختلف الأنشطة التي تتراوح بين هؤلاء الذين ينخرطون في الرعونة التكتيكية للبلاك بلوك، وأشكال سلمية في الاحتجاج.
القومية:
الأناركية لديها تاريخ طويل في معارضة الإمبريالية، لا احتراما للفكرة القومية الهشة، ولا انطلاقا من الوطنية البائسة، السلطويتان في حقيقتيهما، ولكن باعتبارها أحد أشكال الهيمنة والتسلط، سواء في دول المركز الأساسية (المستعمرين) أو دول المحيط (المستعمر). ويفضل الأناركيون بشكل عام، التركيز على بناء الثورات في الوطن، والقيام بأعمال التضامن من أجل الرفاق في بلدان أخرى، حيث أنَّ الأممية أحد الأسس الأناركية.
وهناك مثال آخر لهذا هو رودولف روكر، الأناركي الألماني البارز، والمكافح للفاشية، الذي كان ناشطا خاصة بين العمال اليهود. دعى في كتابه القومية والثقافة لـ“اتحاد الشعوب الأوروبية” التي من شأنها أنْ تشمل اليهود. ورفض النظريات البيولوجية للعرق، ورفض مفهوم الأمة، وقال إنَّه منذ أنْ احتلت واستعمرت دول أوروبا بقية دول العالم، كان التنظيم التحرري الناجح بين الأوروبيين “الشرط الأول لإنشاء اتحاد العالم، الذي سيضمن أيضا للشعوب المستعمرة نفس الحقوق في السعي لتحقيق السعادة”. وكثير من الأناركيين المعاصرين، وغيرهم من مناهضي الإمبريالية يشاطرون روكر هذا النهج.
كان الأناركيون الصينيون نشطاء للغاية في بداية الحركة القومية الصينية، وفي مقاومة الاستعمار الياباني البريطاني، وكان الأناركيون أيضا ضالعين بشكل عميق في الحركات القومية المناهضة للإمبريالية في فيتنام وكوريا وكوبا، وأوكرانيا، وأيرلندا، والمكسيك، وجميع أنحاء أفريقيا. الأناركية أيضا لها تأثير في حركة السكان الأصليين الحديثة.
وجدير بالذكر أنَّ الأناركيين كونهم أساسا ضد الدولة كمؤسسة، فهم الأكثر عداءا لأيِّ دولة بما فيها إسرائيل، ومعادون على وجه الخصوص لكل دولة مقامة على أساس ديني أو قومي أو عرقي، وعدائهم للصهيونية كمشروع قومي وإسرائيل كدولة أولا، ودولة عنصرية ثانيا...لا مجال فيه للمناقشة، ولا يرون سوى حلا واحدا للقضية هو مجتمع أناركي، مكون من تعاهدية كوميونات مستقلة ذاتيا، منفصلة تماما عن الدين والقومية والعرق واللغة..إلخ، على الأرض شرق البحر المتوسط.
الانتقادات الأناركية للرأسمالية:
كتب مؤلفو كتاب الأناركية أسئلة وأجوبة متكررة " أنَّ الأناركيين قد أقروا منذ فترة طويلة بأن الرأسمالية هي، بطبيعتها، هرمية. يخضع  العامل فيها لسلطة رب العمل أثناء ساعات العمل (في بعض الأحيان خارج ساعات العمل أيضا). هذة الحالة من “السيطرة الهرمية على العمل المأجور لها تأثير في نشوء اغتراب العمال عن عملهم، وكذلك عن أنفسهم. فالعمال لم يعودوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم خلال ساعات العمل، وحتى لم يعودوا أحرارا في ما ينتجون وكيف ينتجون”. و هذا هو السبب في أنَّ“الرأسمالية، تتعامل مع العامل بشكل مماثل لجميع السلع الأخرى، وتنفي الفرق الرئيسي بين العامل وغيره من “الموارد” –بين العامل والآلة وأرض المصنع والمادة الخام فكلها سلع لها ثمن ويحقق من منتجها النهائي ربح، حيث يمكن القول بتلازم الطابع السلعي مع  العامل، والذي على عكس “السلع “ الأخرى، موهوب وذو إرادة ورغبة ومشاعر وليس مجرد ذراع في آله تدر الربح على الرأسمالي، والبؤس للعامل. وهكذا فعندما يتحدث شخص عن بيع العمل فهناك القهر الضروري للإرادة بسبب (التسلسل الهرمي)...والقهر الضروري للإبداع باسم احتياجات السوق، ورغبة صاحب العمل، وهو ما يكون مصدر للإحساس بالدونية والحزن أما العمل المدار ذاتيا فهو مصدر الفخر والفرح، وجزء من ما يعنيه أنْ تكون إنسانا كاملا. فالرقابة الموجعة على أعمال العمال تضر بشكل كبير صحتهم النفسية والجسدية”. وهي أيضا إثبات أنَّه:
...تم إنشاء الرأسمالية نفسها من خلال عنف الدولة وتدمير الطرق التقليدية في الحياة والتفاعل الاجتماعي كان جزءا من هذه المهمة. فمنذ البداية، أمضى الرؤساء قدرا كبيرا من الوقت في محاولات لمكافحة طاقة العمال الذين يعملون للانضمام معا لمقاومة التسلسل الهرمي، وحاولوا التأكيد على القيم الإنسانية التي يحاول الرأسماليون استئصالها منهم. ولذلك يناهض الرأسماليون هذه الأشكال من حريات تكوين الجمعيات بين الأنداد (مثل النقابات)، ومثل محاولات تنظيم تجاوزات لمساوىء النظام عن طريق الحكومات الديمقراطية. وفي الواقع، يفضل الرأسماليون الأنظمة المركزية، النخبوية  أو الأنظمة الاستبدادية على وجه التحديد لأنهم على يقين من أنها سوف  تكون خارج الرقابة الشعبية (أنظر القسم B. 2. 5) من الكتاب المذكور.
والرأسمالية هي الطريقة الوحيدة التي تقوم فيها العلاقات التعاقدية على قوة السوق بحيث يمكن أنْ تطبق على السكان منزوعي الإرادة الفعلية بالاضطرار والجبر، المتمتعين بالإرادة الشكلية وفقا للقانون. وقد ازدهرت الرأسمالية في ظل  الدول الشمولية ولذلك دعمت الحركات الفاشية، وقد حقق الرأسماليون أرباحا عالية في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية. وتمارس اليوم العديد من الشركات “القيام بعلاقات تجارية بانتظام مع الأنظمة الشمولية والاستبدادية من جديد، لأنها تربح كثيرا عندما تقوم  بذلك”في الواقع، وهناك “اتجاه من قبل الشركات المتعدية الجنسية للاستثمار في هذه البلدان...وربما هذا لا يثير الدهشة، حيث أنَّ هذه الأنظمة هي الأقدر على فرض الشروط الضرورية على سلعة العمل بشكل كامل”. B. 1. 2 هل الرأسمالية هرمية؟ الأناركية أسئلة وأجوبة متكررة.
أدان الأناركي  الفرنسي بيير جوزيف برودون امتيازات الحكومة التي تحمي مصالح الرأسمالية والبنوك وملاك الأرض، وتراكم أو اكتساب الممتلكات (وأيَّ شكل من أشكال القهر الذي أدى إلى ذلك) ولذلك اعتقد أنَّ كلا من الرأسمالية والدولة تعيقان المنافسة وتبقيان الثروة في أيدي قلة من الناس. ورأى الأناركي الفردي الإسباني ميغيل خيمينيز إيغوالادا “الرأسمالية هي أثر من آثار الحكومة، واختفاء الحكومة يعني أنَّ الرأسمالية سوف تسقط من قاعدتها على نحو منقلب...وهذا الذي نسميه الرأسمالية ليس شيئا آخر غير منتج للدولة، ضمنه فقط الشيء الذي يتم دفعه إلى الأمام هو كسب الربح، سواء بطرق جيدة أو سيئة. وهكذا فإنَّ محاربة الرأسمالية هي مهمة لا طائل لها، سواء كان رأسمالية الدولة أو رأسمالية الشركات، ما دامت الحكومة قائمة، فاستغلال رأس المال سيكون موجودا. ولذلك فالمعركة الواعية هيَ ضد الدولة أولا فيسقط رأس المال”.
ضمن الفكر الأناركي ظهر هناك نقد لعبودية العمل المأجور  الذي يشير إلى حالة ينظر إليها على أنها العبودية شبه الطوعية، حيث تعتمد معيشة الفرد على الأجور، وخصوصا عندما يكون الاعتماد عليها كامل وفوري. وهو يبينها سلبا كمصطلح يستخدم لتوضيح التشابه بين العبودية والعمل المأجور من خلال التركيز على أوجه التشابه بين امتلاك واستئجار شخص.
 تم استخدام مفهوم عبودية العمل المأجور لانتقاد الاستغلال الاقتصادي وظهور الطبقات الاجتماعية، مع النظر للقدرة المزعومة على المساومة في المقام الأول باعتبارها غير متكافئة بين العمل ورأس المال (وخاصة عندما يتم دفع أجور العمال منخفضة نسبيا، على سبيل المثال في المصانع كثيفة الاستغلال للعمال)، وهذه الأخيرة تظهر في عدم وجود الإدارة الذاتية للعمال، والوفاء بخيارات العمل والترفيه في الاقتصاد.
آمن الأناركيون بأنه إذا كانت الحرية ذات  قيمة، فإنَّ المجتمع يجب أنْ يعمل من أجل التوصل إلى نظام يكون فيه الأفراد لديهم القدرة على اتخاذ القرار في القضايا الاقتصادية جنبا إلى جنب مع القضايا السياسية. ولذلك يسعى الأناركيون إلى استبدال سلطة غير مبررة بالديمقراطية المباشرة، والاتحاد الطوعي، والاستقلالية الشعبية في جميع جوانب الحياة، بما في ذلك المجتمعات الطبيعية والمؤسسات الاقتصادية.
مع ظهور الثورة الصناعية، فالمفكرون مثل برودون وماركس صاغوا المقارنة بين العمل المأجور والعبودية في سياق نقد الملكية للنشاط غير المعد للاستخدام الشخصي، وأكد  محطموا الآلات على التجريد من الإنسانية الذي يتم بواسطة الآلات ونظام خط الإنتاج المصنعي، بينما نددت في وقت لاحق إيما غولدمان الشهيرة بعبودية العمل المأجور بالقول: “إنَّ الفرق الوحيد هو أنك استأجرت العبيد بدلا من كونك اشتريت العبيد”.
اعتقدت الأناركية إيما غولدمان أنَّ النظام الاقتصادي الرأسمالي يتنافى مع حرية الانسان. وكتبت في “الأناركية ومقالات أخرى”:“إنَّ الطلب الوحيد للممتلكات يقر بأنها هي الشهية الشرهة الخاصة لمزيد من الثروة، لأن الثروة تعني القوة، والقوة مطلوبة لإخضاع، ولسحق، ولاستغلال البشر، والقدرة على استعبادهم، وللحط من شأنهم”. وقالت أيضا إنَّ الرأسمالية تفقد العمال إنسانيتهم، “حيث يتحول المنتج العامل إلى مجرد جسيمات من الجهاز المدر للربح، مع أقل تمتعه بأقل إرادة ممكنة، وحيث يصاغ القرار من سيده من الصلب والحديد  الذي لا يعرف المشاعر”.
 ويدعي نعوم تشومسكي أنَّ هناك فرقا معنويا كبيرا بين العبودية وتأجير الذات إلى المالك أو “عبودية العمل المأجور”. وقال إنَّه يشعر أنَّه اعتداءٌ على سلامة الشخصية التي تقوض الحرية الفردية. وأن العمال يجب أنْ يمتلكوا ويسيطروا على أماكن عملهم.
رأى بنيامين تاكر أنَّ الاحتكارات “الأربعة الكبار” (الأرض، والمال، والرسوم الجمركية، وبراءات الاختراع) ظهرت في ظل الرأسمالية، ويقول الخبير الاقتصادي المتنافع الجديد كيفن كارسون أنَّ الدولة تنقل أيضا الثروة للأثرياء من خلال دعم المركزية التنظيمية، في شكل إعانات النقل والاتصالات. وهو يعتقد أنَّ تاكر تغاضي عن هذه المسألة بسبب تركيز تاكر على معاملات السوق الفردية، في حين يركز كارسون أيضا على القضايا التنظيمية. ويتم عرض المقاطع النظرية للدراسات في الاقتصاد السياسي المتنافع على أنها محاولة لدمج انتقادات النظرية الحدية للقيمة في نظرية العمل القيمة. ويرى كارسون أنَّ“الرأسمالية، ناجمة عن مجتمع طبقي جديد تولد مباشرة من المجتمع الطبقي القديم من العصور الوسطى، وتأسست على فعل السرقة الضخمة مثل الفتح الاقطاعي السابق للأرض. وما زال مستمرا وحتى الوقت الحاضر من تدخل الدولة المستمر لحماية نظامها للامتيازات الرأسمالية التي دون بقائها لا يمكن تصوره “.
صاغ كارسون المصطلح التحقيري“التحررية المبتذلة”، وهي العبارة التي تصف استخدام خطاب السوق الحرة في الدفاع عن رأسمالية الشركات و تبرر عدم المساواة الاقتصادية. فوفقا لكارسون، يشتق المصطلح من عبارة “الاقتصاد السياسي المبتذل”، الذي وصفه كارل ماركس بأنه النظام الاقتصادي الذي“يصبح عمدا اعتذاريا على نحو متزايد، ويصنع محاولات مضنية لاجراء محادثات من الواقع، بالأفكار التي تحتوي على التناقضات القائمة في مجالات الحياة الاقتصادية”.
يتفق الاشتراكيون التحرريون على الطبيعة الاستغلالية لعلاقات الإنتاج الرأسمالية، والتي جوهرها  هو استخدام العمل المأجور لإنتاج سلع قيمتها أعلى مما يحصل عليه العمال من أجور، فالعمل البشري هو منتج كل الثروات والسلع والقيم والتي تنقسم إلى أجور يحصل عليها العمال، وفائض منهوب منهم يتوزع على باقي شرائح وطبقات المجتمع البرجوازية، سواء في شكل مباشر للرأسمالي الصناعي والزراعي في صورة أرباح أو شكل غير مباشر  للرأسمالي التجاري والمالي، ثم عن طريقهم لباقي شرائح وطبقات المجتمع الأخرى، في صور أرباح وفوائد وريوع وأجور وامتيازات نقدية وعينية.
نظرا لأن ماركس استغرق معظم عمره ليثبت تلك الحقيقة، فقد غاب عن عبقريته أنَّ غياب الملكية الخاصة البرجوازية ليس كافيا لاختفاء الاستغلال الرأسمالي، فالجهاز البيروقراطي للدولة الذي يدير الملكية العامة، قادر على استغلال قوة العمل، وأن ينتزع منها فائض الثروة التي تنتجها، لصالح الأفراد القائمين على إدارة أجهزة الدولة ومباشرة أعمالها، والذين يوجهون الإنتاج والتوزيع والتبادل بما يحقق مصالحهم كأفراد وكطبقة صاحبة امتيازات.
لا يتوقف الأناركيون إذن عند الطبيعة الاستغلالية للرأسمالية، إذ أنهم يعادونها أيضا لأنها علاقة إنتاج سلطوية مثلها مثل العبودية والقنانة، سواء بسواء.
فصاحب العمل سواء أكان الدولة أو الرأسمالي لا يشتري حرية وجهد ووقت العامل خلال ساعات العمل فقط؛ إنَّه يشتريهم في ذهاب العامل لموقع العمل والعودة منه، وما يستغرقه في النوم والراحة ليستعيد نشاطه، وما يقضيه من وقت في الطعام والعلاج ليقوى على الاستمرار في بيع حريته وجهده ووقته لصاحب العمل، وما ينفقه من مال ووقت وجهد من أجل انجاب وتربية عبيد آخرين، ليكرروا نفس المأساة.
العامل الأجير في النهاية لا يختلف كثيرا عن أيِّ عبد، ولا يجب أنْ يتوهم أنَّه حرٌ في اختيار ما يستهلكه من سلع، فهيَ محدودة بما يحصل عليه من أجر، وبما يفرضه الرأسمالي لها من سعر، ليس ذلك فحسب فصاحب العمل يفرض ما هيَ السلع التي تنتج وتطرح في السوق، وما هيَ السلع التي يتوقف عن إنتاجها، وما هيَ السلع التي يطورها، وهو من يحدد كمية ما ينتجه منها، فيحدث كساد لو زادت عن احتياجات المستهلكين، فتنخفض أسعارها، ويطرد العمال للبطالة، أو ندرة لو قلت عن هذه الاحتياجات، فترتفع أسعارها فلا يستطيع المستهلكون شراءها، وهو في سبيل استمرار الإنتاج واستمراره في انتزاع الربح، يخلق احتياجات غير طبيعية للمستهلكين، ويغير من أذواق الناس، لتستمر عجلة الإنتاج الرأسمالي في الدوران.
الرأسماليون كأفراد ومؤسسات وطبقة يستبدون بأحوال البشر ويتحكمون في الموارد البشرية والطبيعية بحكم امتلاكهم وسيطرتهم على الثروة دون باقي البشر المحرومين منها، بعيدا عن الرقابة الشعبية والرأي العام، فيستثمرون في منطقة، ليحدث فيها تشغيل للسكان، ويسحبون استثماراتهم من منطقة فيحدثون بطالة بين السكان، قادرين على أنْ يزرعوا ما يملكونه من الأراضي، يستصلحوا أراضٍ أو يبوروها، ويضاربوا عليها فترتفع أسعارها وتنخفض، أنْ يستثمروا أموالهم في الصناعة، أو يضاربوا بها في البورصة، ويؤثرون على البيئة تلويثا واهلاك لمواردها، وهم في كل هذه القرارات يؤثرون على حياة الناس، الذين لا حول لهم ولا قوة أمام هذه القرارات المستبدة بهم، ولا شك أنَّ من في إمكانهم أنْ يقرروا تلك القرارت هم مجرد رجال أعمال لا علاقة لهم بالسياسة المباشرة، أو أجهزة الدولة القومية أو المنظمات العالمية، ولم يختارهم أحد بحرية ليتخذوا قرارت تؤثر على حياتهم كالساسة المنتخبين، ولا يمكن أنْ يحاسبهم أحد على قرارتهم مثل الساسة المنتخبين، فهم في كل الأحوال بعيدون عن تأثير إرادة المستهلكين والمنتجين.
في مثل هذا النظام لا يمكن الحديث عن الديمقراطية أو الحرية طالما أنَّ غالبية سكان الأرض تتخذ بشأنهم قرارات تؤثر في حياتهم دون أنْ يحق لهم الاعتراض أو التأثير في متخذي القرار ومنفذيه. وحيث تستطيع الشركات المتعدية الجنسية نقل استثماراتها والرأسماليون الماليون في نقل الأموال عبر العالم بلا قيود، مما يؤثر على الاقتصاديات في الدول القومية المختلفة انكماشا وتوسعا، وبطالة وتوظفا، بعيدا عن إرادة المواطنين. مما يرغم الحكومات على التسابق على إرضائها بالإعفاءات الضريبية والجمركية، وتخفيض الإنفاق الاجتماعي، بعكس رغبة الناخبين. والحقيقة أنَّ أيَّ معارضة في العالم لن تفعل خيرا مما تفعله أيُّ حكومة قومية في العالم الآن مهما تحسنت نواياها تجاه شعوبها وأيما كانت برامجها، فستفاجأ حين تصل إلى دست الحكم أنها مقيدة بأوامر ديكتاتورية أسواق المال العالمية والتي يجسدها الرأسماليون العالميون التي تنتقل أموالهم وسلعهم عبر العالم بلا قيود، ومن ثم فالتأميم وفرض الضرائب على الأرباح ورأس المال، والإنفاق الاجتماعي وضمان حقوق الإنسان الاجتماعية والثقافية بما فيها حقوق الإضراب، وتكوين النقابات هيَ أمور غير مسموح بها في ظل هذه السلطة الأممية التي تجاوزت منذ زمن الحدود الدولية والولاءات العاطفية، وهيَ تمارس ديكتاتوريتها الشمولية عبر وسائل غير دموية، فقهرها ينبع من احتياج دول العالم لما في يدها، ومن ثم يجب استرضاؤها حتى تأتي، ومن هنا لا إمكانية لمقاومتها إلَّا عبر العالم.
 وأخيرا الرأسماليون يملكون الثروة، وهم وحدهم القادرون واقعيا على الفوز في الترشيح للمجالس التمثيلية والسياسية الذي يكتفي المحرومون منها واقعيا بمجرد حقهم القانوني والشكلي في الترشيح، فليس لهم سوى اختيار أيٍّ من هؤلاء المرشحين سيمثلهم لعدة سنوات، معتمدين في اختيارهم على مدى تأثرهم بالدعاية الانتخابية التي يحتكر وسائلها الرأسماليون الذين يمثلهم هؤلاء المرشحين، الذين يجب أنْ يعبروا عن مصالح الرأسمالين.
الأناركية والهويات العرقية والقومية والدينية:
الدوافع وراء الحركات السياسية التي تستند على أفكار تستند بدورها على خصوصيات وهويات جماعية أيَّا كان نوعها،  عرقية أو قومية أو دينية سلطوية بامتياز، ومن ثم متعارضة مع الأناركية، ولا مجال للجمع بينهما.
حيث أنَّ الدافع الأساسي لها دائما هو تأسيس السلطة السياسية وتبريرها. ومن ثم تكتسب الخصوصية الجماعية على تهاويها ـ من زاوية الحقيقة الموضوعيةـ ضرورتها الاجتماعية لكل من تشملهم بسلطتها، وذلك على أنَّ ما يجمعهم من سمات مشتركة، وما هو إلَّا تجسيد لجوهرهم المشترك وأحلامهم، وأمانيهم المشتركة النابعة من خصوصيتهم الجماعية، ذات الجوهر النهائي والمطلق والثابت، والرسالة التاريخية الخالدة الملقاة على عاتقهم، فلو اعترفت الدولة وسلمت بحقيقة التغير والنسبية لأيِّ خصوصية جماعية، فإنها تعرض شرعيتها وسلطتها وسيادتها المطلقة لخطر الزوال.
ومن هنا فإنَّ الدولة الحديثة غالبا ما تسعى لنفي وطمس الخصوصيات الجماعية للجماعات الفرعية التي تكونها، فلا تعترف باللهجات المحلية، وتسيد لغة رسمية للتعليم والمراسلات الرسمية، كما ترفض الاعتراف بما يمكن أنْ يكون مشتركا بين من تشملهم بسلطتها وبين الجماعات الأخرى، في حين تحرص كل الحرص على التأكيد على التمايزات في الوقت الذي تنفي فيه عدم التجانس في المجتمع الذي تحكمه.
إلَّا أنَّ الأفكار التي تستند لفكرة الخصوصية الجماعية، ومن ثم الحركات السياسية التي تتبنى تلك الأفكار تتميز بمجموعة من الخصائص.
أولى هذه الخصائص هيَ قيامها على مفاهيم وأساطير مضللة كأسطورة الجنس الآري الأرقى كما في الحركة النازية، أو أسطورة شعب الله المختار كما في الحركة الصهيونية، أو القومية العربية ذات الرسالة الخالدة. فكل شعب يتكون من غالبية تتوسط الأذكياء والأغبياء، الأخيار والأشرار، النشطاء والكسالى، فالشعب الألماني الذي أنجب هتلر هو نفسه من أنجب كانط. ما بين قمة التفاهة والابتذال عند الأول إلى قمة العقل والمنطق عند الآخر، وفي الوسط ملايين الألمان العاديين الذين تجد أمثالهم في كل مكان وزمان من البشر حسني النية القابلين للخداع من أمثال هتلر، وللتطور مستنيرين بأفكار كانط.
ثانية هذه الخصائص هيَ استبداديتها، فأىُّ جماعة سياسية تتحدث باسم خصوصية جماعية بشرية نراها تقمع المجتمع باسم ذات المجتمع ولصالح النخبة الحاكمة، فكل غير المنتمين أو المخالفين لتفسير الجماعة السياسية لتلك الخصوصية الجماعية التي تتحدث باسمها، وتستند إليها تلك الجماعة، معرضون للاستبداد والإرهاب والقمع وانتقاص الحقوق، وهذا ما نراه في كل الحركات السياسية الدينية إسلامية أم مسيحية أم يهودية أم هندوسية. فالطالبان منعت المرأة من التعليم والعمل، في نفس الوقت الذي نرى فيه الجماعات المسيحية في أوروبا وأمريكا تهاجم حقي الطلاق والإجهاض، في نفس الوقت الذي يرجم فيه اليهود المتطرفون السيارات التي تمر بالقدس يوم السبت، ولا تستثنى الحركات القومية العلمانية، فقد أعدم صدام حسين وتسبب في موت مئات الألوف من الشعب العراقي وتدمير مستقبله القريب على الأقل، على اعتبار أنَّه الممثل الوحيد للقومية العربية إن لم يكن هو تجسيدها هيَ نفسها. فكما نكل شاه إيران ممثل القومية الفارسية بالشعب الإيراني، نكل آيات الله بنفس الشعب، وتحت اسم خصوصية أخرى هيَ الإسلامية، فالنخب الحاكمة سواء باسم عرش الطاووس أم باسم الله خدعته وقمعته في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل. وهذا هو سر المسألة، فالتيارات القائمة على أساس الخصوصية الجماعية، الجماعة، الطائفة، المذهب، الوطن، الأمة، الشعب....ترتكز على كيان كلي متعال على الأفراد، ماحيا خصوصيتهم الحقيقية لصالح خصوصيته المفترضة، ومن ثم فلا مكان في هذا المفهوم للاعتراف بالفرد ولا حقوقه الإنسانية، فالفرد يكتسب وضعه القانوني ليس بناء على سماته كإنسان، وإنما يكتسب وضعه وفق مبدأ الهوية الجماعية القائمة على سمات مصطنعة ومتعسفة لا دخل للفرد فيها ولا اختيار، مما يجعل كل الأفراد الخاضعين له منصهرين في كل واحد يتجسد في زعيم مستبد تتوحد في ذاته الحقيقية الذات الجماعية المزعومة بكل ما انصهر فيها، وتلاشى من ذوات فردية أخرى أصبحت تدور في فلكه، ورهن إرادته، وهو في كل هذا غير خاضع للمحاسبة والمساءلة والمعارضة من قبل هؤلاء الذين تمت مصادرتهم لصالحه. فمعارضته خيانة للذات الجماعية، وفتور الحماس له ضعف في الإيمان بالرسالة التي يجسدها، والتي باسمها يرتكب كل الجرائم فيجد من يبررها له بل ويزينها باعتبارها من جلائل الأعمال، وعلامات العبقرية والألمعية إن لم تكن نفحة من عالم الغيب.
وثالثة هذه الخصائص هيَ الرجعية والجمود ولو ادعت التقدمية، فلأنها تتحدث دائما عن جوهر خالد ونهائي وثابت، وتستند لوهم واقع لا يتغير يجد جذوره في الماضي الأسطوري السحيق، ومن ثم فهيَ ترفض أيَّ خروج عما تعتبره من الخصائص الجوهرية الخالدة، والسمات التي تستند للماضي من عادات وتقاليد وتراث، وهيَ وإن كانت تتحدث كثيرا عن التاريخ فهيَ لا تفهم طبيعة التاريخ الذي هو بحكم التعريف ما يتوالى على الواقع من تغيرات، والتي لولاها لما كان هناك تاريخ. فالصينيون كانوا يضعون أقدام النساء في أحذية من الحديد منذ نعومة أظافرهم لكيلا تنمو، حيث كانت الأقدام الصغيرة من مقاييس جمالهن، ومن ثم يصبح التمرد على هذه العادة تمردا على الخصوصية الصينية يستلزم القمع والإرهاب، لكيْ تظل النساء الصينيات غير قادرات على المشي السليم، وذلك حتى تحافظ الأمة الصينية على خصوصيتها وتراثها. ويعتبر ختان الإناث جزء من خصوصية الشعب المصري يجب المحافظة عليه حتى مع ثبوت آثاره المدمرة على الرجل والمرأة. وفي الحقيقة إنَّ أيَّ تقدم في أيِّ مجتمع لا يأتي إلَّا من القدرة على التمرد على الموروث، ونقده والشك فيه، وليس بأيِّ حال من الأحوال تقديسه أو تخليده. سواء أكان هذا التمرد قد نبع من ذات المجتمع أم نقل إليه من مجتمع آخر. فهكذا تطور التاريخ البشري على كافة المستويات. وإلا كنا نحن العرب مازلنا نسكن الخيام ونمتطي الدواب ونستدفئ بنار الحطب.
معظم الأناركيين المعاصرين والتاريخيين يصفون أنفسهم كمناهضين للعنصرية. وكثير من الأناركيين ومن وقت مبكر، لا سيما لوسي بارسونز – وهيَ شخص ملون وعبدة أمريكية سابقا– تنظر للعنصرية على أنها واحدة من العديد من الآثار الجانبية السلبية للرأسمالية، ومن المتوقع أنها سوف تتلاشى في عالم ما بعد الرأسمالية. وبين الأناركيين الحديثين، فإنَّ مكافحة العنصرية تلعب دورا أكثر بروزا، والعنصرية ينظر إليها عادة باعتبارها واحدة من عدة أشكال من التسلسل الهرمي الاجتماعي والطبقي الذي يجب تدميره. وقد ضمَّنت  منظمات أناركية مناهضة العنصرية كجزء من برنامجها، والعديد من التشكيلات الحديثة تشمل مناهضة صريحة للعنصرية. على سبيل المثال الأناركيون الأمريكيون كانوا وحدهم في معارضة الممارسات العنصرية ضد العمال الصينيين والمكسيكيين في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20.
شارك الأناركيون في سبعينات القرن 20 في الكفاح ضد صعود الجماعات الفاشية الجديدة. في ألمانيا والمملكة المتحدة وعمل بعض الأناركيين داخل جماعات مناهضة للفاشية إلى جانب أعضاء من اليسار الماركسي. ودعوا لمكافحة مباشرة للفاشيين مع استخدام القوة البدنية بدلا من الاعتماد على الدولة. ومنذ أواخر تسعينات القرن 20، ظهر اتجاه مماثل من الأناركية في الولايات المتحدة. للعمل لمكافحة الفاشية (المملكة المتحدة / أوروبا)، والعمل لمكافحة العنصرية هيَ واحدة من أكبر المنظمات القاعدية المناهضة للفاشية والمناهضة للعنصرية في أمريكا الشمالية اليوم، وينظم العديد من الأناركيين بين أعضاءها. وتتمحور تكتيكاتهم، حول مواجهة مباشرة مع مجموعات الفاشيين الجدد وأنصار التفوق الأبيض، وتعتبر مثيرة للجدل سواء داخل الحركة الأناركية (حيث يتم تصويرها في بعض الأحيان باعتبارها حسنة النية ولكنها غير فعالة) وفي المجتمع السائد (حيث غالبا ما يتم تصويرها على أنها عنيفة ومدمرة).
كما يعارض العديد من الأناركيين مفهوم العرق نفسه، بحجة أنَّه لا يوجد لديه أساس بيولوجي في العلوم، وهو بناء اجتماعي يهدف إلى تقسيم الطبقة العاملة، والحفاظ على الرأسمالية.
ومن ناحية أخرى فهناك أقلية من الأناركيين البارزين تاريخيا تم اتهامهم بالعنصرية: مثل برودون  وباكونين.

وهناك مجال كبير للخلاف بين الأناركيين حول العنصرية التي كانت موجودة داخل الحركة الأناركية منذ أيام برودون وباكونين الذين كانا على حد سواء مركزيين أوروربيين، ومعادين للسامية. ويرفض بعض الأناركيين هذا الخلاف باعتباره غير مهم تماما، ويدللون على سبيل المثال بأنَّ العنصرية كانت مقبولة عموما في ذلك الوقت. ويفضل الأناركيون الآخرون ببساطة تجاهل هذه القضية على أساس أنَّ الأناركية، على عكس الأيديولوجيات مثل الماركسية، لم يتم تعريفها من قبل المنظرين الأفراد، ولكن من خلال المفاهيم التي وضعت جماعيا، مما يجعل أيَّ أخطاء شخصية ينظر إليها من المنظرين الأفراد لا علاقة لها بالأناركية عموما.