الجمعة، 26 ديسمبر، 2014

كيف تنجح التعاونية فى الانتصار على الرأسمالية من داخل اقتصاد السوق؟

كيف تنجح التعاونية فى الانتصار على الرأسمالية من داخل اقتصاد السوق؟
سامح سعيد عبود
         قدمت روزا لوكسمبرج عدة دفوع قوية وموضوعية للتقليل من أهمية دور التعاونيات فى تجاوز الرأسمالية، فضلا عن أن تكون بديلا عنها،  و أكدت عجزها عن الانتصار عليها، لتغلق باب التفكير فى إبداع الطرق العملية لإزالة العقبات أمام نجاح التعاونية وانتصارها، ليكتفى ملايين البشر المعادون للرأسمالية والحالمون بتجاوزها فى مناطحة الصخر واستنزاف طاقاتهم وحياتهم بلا طائل غير إنتاجهم مآسى إنسانية لهم ولغيرهم لا حصر لها، أنتهت دائما بإعادة إنتاج أنظمة أكثر تسلطا واستغلالا، فلا الطبقة العاملة توحدت على نطاق العالم لتحطم سلطة مضطهديها ومستغليها، و لا لديها ميل و لا عبرت عن ذلك يوما ، ولا أثبتت ولو لمرة واحدة نجاحها بهذا الشأن، وأقصى ما استطاعت أن تفعله بضع تحسينات فى أوضاعها المعيشية سمح بها الرأسماليون حينما أضطرتهم الظروف لذلك، وهم يسحبونها الآن بعد أن فقدت الطبقة العاملة الكثير من خصائصها الموضوعية التى أجبرتهم على ذلك، و التى رشحتها يوما لقيادة التغيير الاجتماعى وتجاوز الرأسمالية.
       ربما تكون التعاونيات طريق تدريجى تطورى واقعى طويل الأمد يخلوا من أى لمسات رومانسية وبطولية، ولذلك فهو غير جذاب لمن يتقمصون دور المحررين و الثوار، ولكن يمكن أن يتم اختصاره طوله لو تم التركيز عليه من قبل مناهضى الرأسمالية بدلا من النضال الحنجورى الاحتجاجى المتمركز حول السلطة السياسية والفوز بها، فحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد فى الصين انتهت لإعادة إنتاج رأسمالية أكثر توحشا مما كانت عليه الرأسمالية فى النصف الأول من القرن التاسع عشر فى انجلترا، فماذا لو كان ماو أحل التعاونية محل البندقية التى قال عنها يوما أن السلطة تنطلق منها؟، مثل هذا الحديث بالطبع لن يعجب الرومانسيون والحالمون لإنه يشكك فى عقائدهم الدينية فى ختمية قدوم يوم الخلاص الثورى العالمى، وفى قدوم المخلص المتمثل فى البروليتاريا العالمية المتحدة، لتملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، ولتفتح الأبواب للجنة على الأرض، ويسفه دورهم فى الحياة المنسجمون معه.
       التعاونيات إما أن تكون استهلاكية لاستهلاك سلعة أو خدمة، أو إنتاجية لإنتاج سلعة أو خدمة، وكلا المجالين لا يجب أن يخضعا لنفس القواعد حرفيا حتى يتمكنا من النجاح.
       التعاونية الاستهلاكية لن تكون جذابة للمواطن المصرى وفق القانون المصرى للتعاون،  طالما اشترى منها بسعر السوق، ولا جاذبة للعضوية طالما كان العائد بالنسبة للأعضاء يستنزف بمصاريف إدارة 10 بالمئة، و فوائد أسهم 15 بالمئة، واحتياطى 20 بالمئة، وخدمة مجتمع محلى 20 بالمئة، ليتبق 35 بالمئة يوزعوا على الأعضاء بحيث يقسم عليهم  نهاية العام كل وفق ما استهلكه وهذا لا يجعل العضو يشعر بفائدة كبيرة فورية من العضوية.
      التعاونية الاستهلاكية لن تكون جذابة إلا عندما يحصل المواطن على ما يحتاجه من سلع وخدمات بأسعار أدنى بكثير من سعر السوق، وبشكل غير مؤجل لنهاية العام، بل فورا كلما أمكن، والغريب إنه كان من قواعد التعاون الثانوية، البيع بأسعار السوق، والتبرير المقدم حتى لا تستفز التعاونيات التجار، برغم انهم هم من يستفزون المستهلك الراغب فى الحماية منهم، واللاجىء للتعاونيات طلبا لتلك الحماية، والقاعدة الغريبة الأخرى هى عدم البيع الآجل  برغم إن البيع بالأقساط يسهل فى أحيان كثيرة عملية الاستهلاك للمستهلك، وعندما يكون هذا التقسيط بلا فوائد أو بفوائد محدودة فإنه سوف يكون أكثر جذبا للمستهلك، ومن هنا لابد من الاستغناء عن تلك القواعد تماما والتعامل بقدر من المرونة مع القواعد الأساسية، ليتحقق هدف التعاونية، وهو توفير السلعة أو الخدمة بسعر المنتج الأصلى للسلعة والخدمة مضافا إليه مصاريف النقل والشحن والتخزين والمصاريف الإدارية اللازمة، أى بأقل كثيرا من سعر الجملة وبشكل فورى غير مؤجل، وهو ما يجذب المستهلك لعضوية التعاونية.وهو ما يمكن على النحو التالى:
     التقليل من مصاريف الإدارة، إلا فى حدود الضرورة، والاعتماد كلما أمكن على الطوعية، أو توزيع أدوار ومهام البيع والشراء ومسك الحسابات والدفاتر على الأعضاء، فكل تلك العمليات ليست معضلات ولا هى مهن أصلا، وباستخدام التكنولوجيا التى توفرها برامج الكومبيوتر لن تحتاج إلا للقليل من الخبرات العملية و بعض التعليم الأساسى.
      فى حالة التعاونيات الاستهلاكية لا قيمة كبيرة لرأسمال ومن ثم يمكن الاستغناء عن فكرة الفائدة المحدودة على رأسالمال أو تقليلها قدر المستطاع، فما قيمة أن تأخذ ستين جنية فى العام على ألف جنية دفعتهم كقيمة للسهم فى حالة الربح، أمام ما سوف تجنيه من فوائد خفض الأسعار الناتج عن عضويتك فى التعاونية، كما يقضى القانون المصرى، ومن ثم يمكن اعتبار الأسهم نوع من أنواع الاشتراك فى الأندية الاجتماعية للاستفادة من خدماتها، أو تبرعات الجمعيات الخيرية لدعمها فى حالة تعدد الأسهم لتوسيع رأسالمال التعاونية.
       الإلتزام بقاعدة مستحدثة وهى عدم بيع السلع و لا تقديم الخدمة إلا للإعضاء، باستثناء الضرورة، وهذه القاعدة سوف تؤدى إلى توسع مستمر لرأسمال التعاونية، وهى مشروطة وفق القواعد بضرورة المساهمة الاقتصادية للعضو من جانب وتسهيلها من التعاونية من جانب آخر، لأن كل من يرغب فى الاستفادة من خدماتها سوف ينضم إليها..ومن ناحية ثانية لن تضطر التعاونية لبيع سلعها وتقديم خدماتها بسعر أقل قليلا من سعر السوق، لغير الأعضاء إلا فى حالة الضرورة القصوى لتصريف الراكد من السلع مثلا، .. بل سوف توفرها بسعر أعلى قليلا من سعر المنتج الأصلى بعد إضافة  حساب المصاريف الإدارية و فوائد الأسهم إن وجدت و من ثم سوف يصبح السعر أدنى بكثير من سعر السوق..وهذا سوف يؤدى لنتائج مهمة إنه لن يكون هناك عائد مؤجل يوزع على الأعضاء فى نهاية العام، ولن يكون هناك ضرورة لتكوين احتياطى كبير يخصم من قلب العائد، طالما تم تسهيل العضوية وتشجيعها، مما يضمن توسيع رأسالمال بشكل مستمر، فضلا عن توفير ما يخصم مقابل خدمة المجتمع المحلى طالما لن يتم البيع لغير الأعضاء أو على الأقل تقليل نسبته من العائد بشرط ثبوت البيع لغير الأعضاء.
      هناك طبعا احتمال أن تشح سلع يزداد عليها الطلب، أو تتكدس سلع لا طلب عليها، و لتلافى تلك الخطورة، لا بد أن يتم الإلتزام بشراء السلع والخدمات لصالح التعاونية بناء على استطلاع رغبات الأعضاء فى نوعية وكمية السلع والخدمات التى يحتاجونها بالفعل، كنوع من الشراء بناء على الطلب، وهو يقلل من خطر تكدس البضائع واحتمال تلفها وعدم تخطيها تاريخ الصلاحية.
      إعطاء الأولوية فى التعامل مع التعاونيات الإنتاجية لشراء السلع والخدمات التى تحتاجها، وهذا يمكن أن يكون بأسعار أقل كثيرا من أسعار السوق غير محملة بأعباء الإعلانات والتغليف ومصاريف التسويق.. وأخيرا أن تنبثق من داخل التعاونية الاستهلاكية تعاونيات إنتاجية توفر للأعضاء السلع والخدمات التى يحتاجونها، وهى تبدأ من أول التغليف والتعبئة وبعض الصناعات الخفيفة كصناعة الألبان والمربات وخلافه، وإصلاح الأجهزة وصياناتها، و وسائل نقل للبضائع وتخزينها وتوصيلها للأعضاء، و هى سوف تحدث نوع من التكامل بين التعاون الإنتاجى والاستهلاكى، و تحقق وفر فى الأسعار لصالح المستهلك.
      النتيجة  المتوقعة من توسع التعاونيات الاستهلاكية عبر السوق لو اتبعت تلك القواعد هى إفلاس الكثير من التجار والوسطاء والسماسرة نظرا لذلك، و هو ما لا يصح أن يكون محلا للشفقة فى ظل السوق المتوحش وقواعده التى لا تعرف الرحمة أصلا، ولماذا نشفق عليهم أصلا وهم لا يشفقون على المستهلكين، و لماذا نحرص على وجودهم وإزدهارهم اجتماعيا واقتصاديا، ومهنهم مهن طفيلية يمكن الاستغناء عنها تماما فى المجتمع، فهم لا ينتجون أى قيمة أو ثروة، ولا يشاركون فى صنع الفائض الاجتماعى إلا فى نهبه من المنتجين والمستهلكين، ونحن لن نمنعهم من استثمار طاقاتهم و أموالهم فيما هو مفيد اجتماعيا فى الإنتاج والخدمات الضرورية.
      بالطبع حين تتحدث عن التعاونيات الإنتاجية، ينفجرون فى وجهك كيف تدخل التعاونيات عالم المصانع العملاقة وشركات النقل والبترول الخ، وهى مجالات تحتكرها الرأسمالية والدولة بلا منازع، والكلام يبدو صحيحا على نحو صاعق للجهول، ويخرس لسان من لا يعلم، ولكن الحقيقة إنه عالميا تتدخل التعاونيات فى هذه الأنشطة بالفعل من مصانع السكر والنسيج، ومحطات توليد الطاقة وتحلية المياة و وسائط النقل الجماعى والجامعات وغيرها، عبر ما يعرف بنظام الريجى التعاونى وهو نوع من الاتحادات التعاونية العملاقة بين التعاونيات المختلفة، و هو موجود فى البلاد ذات الحركة التعاونية القوية، وهذا بالطبع غير مطروح على الحركة التعاونية الآن كهدف فى بدايتها فى بلد كمصر، ومتروك لتطورها فى المستقبل، كما أن تعونة المشاريع الرأسمالية يمكن أن يتم عبر  تغيير سياسى وضغط عمالى واجتماعى فى المستقبل، فضلا عن إنه يحدث بالفعل فى المشاريع التى يتم إغلاقها عندما يستولى عليها العمال ويديرونها لصالحهم وفق قواعد التعاون، وهى تجربة تواترت فى العديد من البلدان فى الفترة الأخيرة ومنها مصر نظرا لأزمة الرأسمالية الأخيرة فيما يتعلق بالإنتاج السلعى تحديدا.
      الأهم والأجدى عمليا أن نبدأ من ما هو ممكن فى ظل شروط الواقع الحالى، وأن نترك الصعب للمستقبل عندما تتغير الظروف، بدلا من الاكتفاء بحلم الثورة ونضالات الثرثرة والطنطنة. وما هو ممكن للتعاونيات الآن يشمل كل الأنشطة الزراعية والصناعات القائمة عليها، وفى مجالات الطاقة الشمسية وتدوير المخلفات، وفى الملابس الجاهزة والبناء وتشغيل اليد العاملة، والكثير من الصناعات المغذية للصناعة كتشكيل المعادن وصناعة الزجاج، وصناعة المكونات البسيطة للأجهزة والآلات، وتجميعها، والصناعات الحرفية المختلفة، فضلا عن معظم الخدمات الضرورية من تعليم وعلاج ومواصلات..المهم أن نفهم أن نبدأ من البسيط والأقل طلبا للتمويل و رأسالمال، ولندع التراكم يتضخم لدى التعاونيات تدريجيا، و هو كفيل لها بالدخول إلى ما هو أكبر من المشاريع الأكثر احتياجا للتمويل و رأسالمال وخصوصا عند تفعيل مبدأ التعاون بين التعاونيات.
       المشاريع الصغيرة فى مصر وهى كلها مشاريع يمكن أن تحل محلها التعاونيات، تشارك ب 80 بالمئة من الفائض الاجتماعى، ويعمل بها 70 بالمئه من قوة العمل، وهى ليست مشاريع رأسمالية فى الحقيقة حتى لو استخدمت عمل مأجور فالعمل المأجور غالبا لا يشارك منفردا بدور رئيسى فى إنتاج القيمة بعيدا عن صاحب العمل، وهى غالبا مشاريع فردية وعائلية وسلعية بسيطة أو رأسمالية بدائية، وهى نظرا لتشرذمها وتفككها ضعيفة الإنتاجية ومتخلفة تكنولوجيا، حيث لا تستفيد من امكانيات وفرص الإنتاج الكبير والتكنولوجيا المتطورة التى تحتكرها المنشئات الرأسمالية والدولة، ويمكن بتجمعها تعاونيا أن تستفيد من تلك الإمكانيات الهائلة، و أن تتطور تكنولوجيا و من ثم أن تزيد من إنتاجيتها.
       الفكرة الجوهرية فى التعاون الإنتاجى هو إن يكون العضو عامل ومشارك اقتصاديا فى رأسالمال ومنظم إداريا لمشروع يتحمل هو و شركاءه خسائره، و يستفيد هو وشركاءه من أرباحه، بعيدا عن ما ينهبه المالك الرأسمالى والمدير البيروقراطى، ومن ثم فعمل العامل التعاونى لابد وأن يكون أكثر إنتاجية من العمل المأجور الذى بدوره أكثر إنتاجية من العامل الجبرى ومن العمل العبودى، و من ثم فالتعاونية الإنتاجية لا يجب أن تستخدم العمل الجبرى أو العمل المأجور حفاظا على تلك الميزة، ومن ثم أن تسهل العضوية على من يرغب بالعمل فيها، بتسهيل مشاركته الاقتصادية فيها، وهو ما يوسع من رأسمال التعاونية ويحل جزئيا مشكلة التمويل.
      تسويق المنتج هو أخطر مشاكل المنتج للسلعة والخدمة، ومن ثم على التعاونية الإنتاجية حتى تنجح، أن تحل هذه المشكلة بخلق سوقها التعاونى الذاتى مع بداية الإنتاج الفعلى، وهذا ممكن عبر دفعها لتكوين تعاونيات استهلاكية مقابلة تستهلك سلعها وخدماتها، التى سوف تحصل عليها تلك التعاونيات بأسعار غير محملة بتكلفة الإعلانات والتغلفة والتسويق، أى بأسعار أقل كثيرا من سعر السوق للمنتج الأصلى، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى التوجه لتسويق منتجاتها لدى التعاونيات التى تحتاج سلعها وخدماتها، وهذا يضمن تصريف منتجاتها بسرعة أعلى من المشروع الرأسمالى الذى يترك سلعه وخدماته ليد السوق العشوائية.
     القواعد التعاونية لا تتنافى مع بيع خدمات التعاونيات وسلعها للمستهلك العادى عبر السوق الرأسمالى بالطبع، لكن يمكن لحل مشكلة التمويل الرأسمالى وضمان تسويق السلع والخدمات، أن تشترط التعاونية الإنتاجية نوع من العضوية الاستهلاكية بها لمن يرغب فى استهلاك السلع أو الخدمات التى تنتجها التعاونية، بحيث يستفيد العضو المستهلك بالسلعة والخدمة بسعر أقل كثيرا من سعر الجملة بالسوق لإنها غير محمل بكثير من تكلفتها كالإعلانات والتعبئة والتغليف والتسويق وأحيانا النقل والتخزين.
     هناك طبعا احتمال أن  تتكدس سلع لا طلب عليها، و لتلافى تلك الخطورة، لا بد أن يتم الإلتزام بقدر الإمكان بإنتاج السلع والخدمات لصالح المستهلكين الثابتين بناء على استطلاع رغباتهم فى نوعية وكمية السلع والخدمات التى يحتاجونها بالفعل، كنوع من الإنتاج بناء على الطلب، وهو ما يقلل من خطر تكدس البضائع واحتمال تلفها وعدم تخطيها تاريخ الصلاحية.
    مشكلة التمويل جوهرية فى حالة التعاون الإنتاجى، و قد ثبت أن التعاونيات الإنتاجية لا تحقق نجاحا ملموسا فى ظل السوق الرأسمالى، إلا بوجود منظومة ائتمان وتأمين قوية تضمن حل مشاكل التمويل والسيولة النقدية، بقروض ميسرة للتعاونيات، سواء عند الإنشاء أو فى حالات التوسع الاستثمارى وتمويل العمليات المختلفة، ومن ثم يمكن أن تبدأ الحركة التعاونية من البنك التعاونى، أو تعاونيات التأمين التعاونى المختلفة، لتستثمر الأموال التى تجمعت لديها فى تمويل النشاط التعاونى، أو تشترك مجموعة من التعاونيات فى تأسيس بنك يجمع احتياطيتها و مدخرات واشتراكات أعضائها، لتضخها كتمويلات لها.
    فوائد رأسمال ضرورية فى التعاونيات الإنتاجية لتشجيع التمويل وتوسيع رأسالمال وجمع مدخرات صغار المدخرين، كما أن تكوين الاحتياطى مهم وضرورى فى حالة الإنتاج على أن يكون تحت سيطرة التعاونية نفسها، كما إن خدمة المجتمع ضرورية مقابل الإعفاءات الضريبة والتسهيلات المختلفة التى تقدمها الدولة للتعاونيات على أن تضخ فعلا تلك الخدمة لصالح المجتمع المحلى وبواسطة التعاونية نفسها.
    أخيرا لن تنتصر التعاونية على الرأسمالية إلا باستخدامها تكنولوجيات أكثر إنتاجية، ومن ثم فموضوع البحث عن البدائل التكنولوجية التى يتيحها العلم والتطوير التكنولوجى فى منتهى الأهمية لكى تحقق التعاونية كفاءة أعلى من المشروع الرأسمالى.

   أرجوا أن أكون أجبت عن السؤال فى حدود حجم المقال.نعم نستطيع أن ننتصر ولكن عبر طريق مختلف.

الخميس، 25 ديسمبر، 2014

هل تحولنا لباعة جائلين هو قدرنا فى ظل الرأسمالية؟

هل تحولنا لباعة جائلين هو قدرنا فى ظل الرأسمالية؟
سامح سعيد عبود
حتى نهاية الثمانينات، نادرا ما كنت ترى باعة جائلين أو مندوبى مبيعات يدورون فى الشوارع والمقاهى و يذهبون ببضائعهم حتى المنازل ومحلات العمل، وأما المتاجر والأسواق والمقاهى والمطاعم، فقد كانت قليلة مقارنة بعدد السكان، ولذلك كانت معظم الأحياء تتميز بالهدوء، وليس بذلك الصخب التجارى الذى حول المدن لأسواق تجارية مثل الآن، فقد كان المصريون فى غالبيتهم الساحقة ينتجون فى الحقول والمزارع والمصانع والمناجم، أو يقدمون خدمات مفيدة وضرورية فى التعليم والعلاج والنقل والمواصلات والاتصالات ، وكان المتطفلين على صناع الثروة من هؤلاء المهمشين لم يشكلوا الجزء الأكبر من السكان كما هو الوضع القائم الآن.....حيث كان هناك بعض موظفى الحكومة و قليل من المهمشين...وكان سوق العمل بالخليج وليبيا وأوروبا يستوعب قوة العمل الزائدة عن الحاجة، حتى أغلقت الأبواب أمامهم فى العقدين الماضيين، ولم يبقى أمامهم إلا العمل التافه وغير المنتج والتسول والبطالة مقنعة وغير مقنعة فى مصر المحروسة، رغم محاولة مئات الألوف منهم الهجرة شرعيا وغير شرعيا عبر البحر إلى الشمال الأوروبى فى ظل ظاهرة الاتجار بالبشر. .
انقلب الوضع الآن تماما، فنحن إزاء مجتمع يزداد سكانه تهميشا وتطفلا وتبطلا وتسولا، فى مقابل تناقص أعداد منتجى الثروة، مجتمع تتخيل إنه قد تحول بالكامل إلى باعة، وسائقى ميكروباسات وتاكسيات وتكاتك، عندما تنزل إلى ميادين السيدة عيشة والعتبة ورمسيس وحلوان والجيزة والعباسية، حيث أحتل الباعة وبضائعهم ليس الأرصفة فقط بل أجزاء من أنهر الطرق والشوارع مثل  26 يوليو والجلاء والأزهر فى قلب العاصمة القاهرة، وتجدهم فى عربات ومحطات المترو، وهؤلاء يشكلون جزء فقط من المهمشين عموما الذين يشكلون غالبية السكان الآن الذين لا يشكل غالبيتهم العمال الصناعيين و لا الحرفيين ولا الفلاحين، كما يظن البعض حيث أكد تقرير لاتحاد الغرف التجارية إن هناك أكثر من 9 ملايين شاب يعملون فى تجارة الرصيف، يشكلون طاقة عمل معطلة وغير مفيدة، ولا تحتاج لأى مهارة ولا تدريب.أما للإجابة عن لماذا لا تستطيع الحكومة مواجهة هؤلاء بحسم؟ مع تسببهم فى أزمات للمرور بقلب المدينة بما له من تداعيات اقتصادية وخسائر مالية،وتلويث للبيئة وخلافه ، فالإجابة هى
أولا إن عددهم قد يتجاوز 5 مليون وفق إحصائيات 2006 وممكن أن يكونوا قد تضاعفوا فى العشر سنين الأخيرة، وهؤلاء لا توجد لديهم أى فرص عمل أخرى غير البيع على الرصيف وفى عربات المترو، ومحاربتهم فى مصدر رزقهم الوحيد والمتاح جديا، يعنى إما تمردهم جماعيا ضد النظام، أو فرديا بالتحول للنشاط الإجرامى.
السبب الثانى أنهم يشكلون مصدر للدخل الإضافى لرجال الشرطة وموظفى المحليات الذين يحصلون منهم على إتاوات لغض أبصارهم عنهم والسماح لهم بالعمل رغم عدم مشروعيته، فالموظفين الحكوميين يزيدون من دخولهم و يعوضون ضعف المرتبات فى الحكومة، والحكومة لا تستطيع غلق باب زيادة دخل موظفيها، فذلك يحميها أيضا من التمرد عليها من موظفيها، ومن انتشار ارتكاب الجرائم الأخطر بينهم .
السبب الثالث إن فقراء المستهلكين يجدوا احتياجاتهم لدى هؤلاء الباعة لأنها أرخص حتى ولو كانت مستعملة أو سيئة الصنع أو قصيرة العمر
 ورابع الأسباب إن هذه الطريقة فى البيع تصرف الراكد من السلع سواء لكونها فائضة أو معيبة، وهذا يحقق فوائد للمنتجين.
مشكلة التهميش وتحول غالبية السكان لباعة ومهمشين ومتسولين ومتطفلين على الإنتاج، هى مشكلة عالمية وليست محلية على الإطلاق، و سببها ببساطة إن الرأسمالية بطريقة إنتاجها و وتوزيعها وتبادلها وتكنولوجيتها، أصبحت لا تحتاج لقوة عمل كثيفة، ولا تحتاج إلى غالبية السكان كمنتجين، وإن كانت تحتاجهم بالطبع كمستهلكين، و تتيح فرصا واسعة لهم للتطفل على القلة المنتجة، بتوسيع فرص العمل التافه وغير المنتج لهم فى الخدمات، والتى بطبيعة الأمور اللهم إلا مع بعض الاستثناءات و فى بعض المجالات يكون ضعيف الأجر، والقاعدة الرأسمالية فى مواجهة أخطار التهميش هى الهاء الجميع بقليل من الطعام وكثير من التسلية، فالرأسمالية فى قطاعاتها السلعية كالزراعة والصناعة، وحتى فى قطاعاتها الخدمية تطرد غالبية السكان للبطالة والتهميش، فى عملية متصاعدة، فالمصنع الذى كان ينتج مليون سلعة بألف عامل أصبح ينتجها بمائة عامل، تاركا 900 عامل فى الشارع، ليتحولوا لمهمشين وباعة جائلين لبضائع أنتجها المائة عامل، فعدد العاملين بالصناعة والزراعة يتقلص بمعدلات متزايدة عبر العالم، حتى فى الخدمات الضرورية والمفيدة، أو التى نتخيلها ضرورية ومفيدة للمجتمع فى حين إنها مفيدة فقط للمستفيدين من الوضع القائم لا غالبية السكان .
وحل المشكلة ليست كما يطرح البعض ويتصورون عن سذاجة هى فى توفير فرص العمل المنتج والحقيقى لهؤلاء فى ظل السوق الرأسمالى، فالاقتصاد السلعى يشكوا من فرط الإنتاج لا من ندرته، وما الندرة المتخيلة إلا بسبب سوء توزيع الموارد، فما يتم إنفاقه على سلاح يترك للصدأ،  يمكن لو وجه فى إنتاج سلع أخرى أكثر فائدة،أن يحقق وفرة فيما نعتقد إنه نادر، وهذا على سبيل المثال لا الحصر بالطبع .
و مما لا شك فيه إن معنى الإنتاج بلا إمكانية للبيع فى السوق لما تم إنتاجه، هو مزيد من الكساد ومزيد من إهدار الموارد، وبالطبع فإن تشغيل كل هؤلاء يحتاج استثمارات ضخمة لإنشاء مصانع واستصلاح آراضى ، ويحتاج استثمارات لتدريبهم وتعليمهم، لكن معظم الأموال فى العالم و فى مصر محجوزة للاستثمار فى المضاربات والعقارات، فالرأسماليون يتحاشون الاستثمار فى القطاعات السلعية كالزراعة والصناعة، مفضلين  المضاربة على العقارات والسلع الثمينة والخدمات الترفيه، وذلك وفق المنطق الحاكم للنشاط الرأسمالى وهو الحصول على أعلى الأرباح.
هناك حل إصلاحى آخر قد يفكر فيه البعض هو تشغيل كل هؤلاء المهمشين والمتعطلين فى الأعمال المفيدة والضرورية، بحيث  يتم تقليص عدد ساعات العمل مع الحفاظ على نفس مستوى الأجور بالطبع،  وهو يعد ضربا من الخيال فى ظل الرأسمالية، فكيف يقبل الرأسمالى أن يشغل ألف عامل بدلا من مائة، ويدفع عشرة أضعاف الأجور التى كان يدفعها لإنتاج نفس السلع والخدمات.
وهناك حلول تطرح توفير إعانات بطالة لهم، ولا أعرف كيف يمكن توفير نقود لكل هؤلاء، والذى لا يعنى سوى مزيد من طباعة النقود بلا غطاء من إنتاج أو ذهب، وبما يعنيه من زيادة الدين الداخلى والأسعار لأرقام فلكية، فضلا عن تحويل قطاع واسع ومتزايد النمو لمتعطلين بالتسول من الحكومة. ولا أدرى كيف لبلد فقير كمصر أن توفر أموال ليست محملة بأعباء الديون الخارجية لتوجيهها للاستثمارات الإنتاجية أو إعانات البطالة.
هناك طبعا من يطرحون فرض تحديد النسل عن السكان بالقوة
ولا أدرى كيف يمكن أن نرغم كل تلك الملايين على تحديد النسل إلا بإجراءات شديدة الصرامة والاستبداد فى ظل دولة رخوة ومتهالكة و فاسدة كالدولة المصرية، تدعم بكل قوتها التدين و الهوس الدينى الذى يشجع على الإنجاب بلا ظابط و لا رابط، وأن الأرزاق بيد الله و هو الذى يطعم الدودة تحت الحجر، رغم الدعاية الرسمية لتحديد النسل.

طبعا هناك حلول فاشية يمينية تطرح إبادة كل هؤلاء السكان الزائدين عن الحاجة، طالما لا أمل فى التخلص منهم بالهجرة أو الحروب، ولكن هذا الحل يتناقض مع احتياج الرأسماليين لأمثال هؤلاء كمستهلكين أولا ، وكجيش عمل احتياطى يضغط مجرد وجودة على جيش العمل الفعلى، لكى يرضى بأقل القليل من الرأسماليين خوفا من المنافسين من جنود جيش البطالة.
الصينيين خمس سكان العالم ينتجون عشر الإنتاج الإجمالى العالمى، وفى نفس الوقت ينتجون نصف الإنتاج السلعى الصناعى والزراعى، الذى يشكل عشر الإنتاج الاجمالى العالمى، وبضائعهم تكتسح أسواق العالم،  أما الباقى أى التسعين بالمئة فهو فى الخدمات التى يتضخم نصيبها النقدى من اجمالى الإنتاج العالمى بسبب طبع النقود الحرة وعلى رأسها الدولار من غير استناد على إنتاج حقيقى و لا غطاء مادى، أو سلعى بل مجرد استناد على قوة الدولة القومية، وهو اقتصاد قائم على الديون المتبادلة فى جوهره قابل للانهيار فى أى لحظة بانهيار الدولة الرئيسة فى طبع النقود أى الولايات المتحدة، و دعمها لتلك النقود بقوة سلاحها وبالبلطجة الدولية...... من هذه الحقائق نستنتج إن كل اثنين من الصينين يشاركوا فى الإنتاج العالمى الإجمالى مثل واحد من غير الصينيين، لكن على مستوى الاقتصاد الحقيقى فكل صينى ينتج سلع مثل أربعة من غير الصينيين، أما على مستوى المصريين اللذين يشكلون تقريبا واحد على السبعين من سكان العالم، فيشاركون ب 2 من ألف من الإنتاج العالمى نصفهم إنتاج سلعى أى واحد من الألف، أى إن إنتاجية كل مصرى أدنى بكثير من إنتاجية أى انسان غير مصرى، سواء على مستوى الاقتصاد السلعى، أو مجمل الاقتصاد، مما يعنى إننا محليا فى حاجة لزيادة الإنتاجية، لكننا مندمجين فى سوق عالمى يعانى بالفعل من فائض فى الإنتاج السلعى وليس العكس، والبشر ليسوا فى حاجة لمزيد من السلع، بقدر ما هم فى حاجة لإدارة مختلفة للموارد البشرية والطبيعية ليشعر الجميع بهذا الفائض، المساء فقط توزيعه.

أيها السياسى والمؤدلج بعيدا عن الشعارات التى تنتجها وتستهلكها، هل يمكن أن تقدم حل عملى ممكن لتلك المشكلة على نطاق محلى أو عالمى؟، هذه هى الحنكة والدور المطلوب منك، وليس صراع الديوك الأيديولوجى والسياسى، وليس  الشعارات والكلام الرومانسى والحماسى، غير المؤسس على المعلومات الصحيحة والعلم.

الأحد، 9 ديسمبر، 2012

مقدمة حول معايير الفقه الدستورى للديمقراطية كنظام حكم



سامح سعيد عبود
الهدف من هذه المقدمة أن يطلع القارىء على معايير الفقه الدستورى للديمقراطية كنظام حكم، والتى يمكن أن تقيس المدى الذى وصل إليه نظام حكم ما من ديمقراطية، وذلك كى يستطيع القارىء من خلال هذه المعايير أن يدرك مدى ديمقراطية نظم الحكم العربية المختلفة، وتطور هذه النظم عبر الفترة الممتدة من نهايات القرن العشرين وتنتهى فى بدايات القرن الواحد والعشرين.
الديمقراطية بالتعريف هى حكم الشعب، ولكن الفقه الدستورى يفرق بين الشعب الحاكم صاحب السيادة فى النظام الديمقراطى للحكم، وبين الدولة برغم أنها نابعة من تلك السيادة على وجه الحصر فى ذلك النظام، ومن الجدير بالذكر أن نشير أن تحديد من يتمتعون بحق المشاركة فى السيادة والحكم من بين أفراد الشعب قد تغير وتطور بمرور الزمن، فحق المشاركة فى الديمقراطيات القديمة التى كانت قائمة فى أثينا وروما كان مقصورا على المواطنين الذكور البالغين الأحرار دون بقية السكان من العبيد والنساء وغير البالغين، وفى بدايات الديمقراطيات الحديثة حتى نهايات القرن التاسع عشر، كان حق المشاركة فى السيادة والحكم مقصورا على المواطنين من الذكور البالغين المالكين لحد معين من الثروة والحائزين على قدر من السلطة والنفوذ بسبب وظائفهم، دون بقية السكان من الطبقات غير المالكة للثروة وغير الحائزة على السلطة والنفوذ فضلا عن النساء وغير البالغين، إلى أن أصبح حق المشاركة يعنى وفق المفاهيم المعاصرة التى استقرت بعد الحرب العالمية الثانية حق كل الأفراد البالغين الذين يحملون جنسية الدولة المعنية فى المشاركة فى الحكم والسيادة..أما الدولة الديمقراطية فهى السلطة العامة التى يمكن أن نحلل عناصرها إلى أولا مواطنين يمارسون السلطة العامة عمليا نيابة عن الشعب كالوزراء والقضاة وونواب الشعب وغيرهم، وثانيا هيئات تنظم هؤلاء المواطنين كالوزارات والمحاكم والبرلمانات، تلك الهيئات التى تؤدى وظائف السلطة العامة مثل التنفيذ والقضاء والتشريع.
أشكال الممارسة الديمقراطية :
حقوق مشاركة المواطن فى السلطة العامة التى تميز النظام الديمقراطى عن غيره من النظم السياسية للحكم التى لا تكفل له هذه الحقوق، هى أن لكل مواطن الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة، وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا. على أن يكون لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد وظائف السلطة العامة في البلاد. وأن تكون إرادة الشعب هي مصدر أى سلطة وأى شرعية تكتسبها السلطات العامة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري المباشر، وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.

يمارس المواطن حقوق المشاركة عبر ثلاثة أشكال من الديمقراطية :
الديمقراطية المباشرة :
هى المثل الأعلى للديمقراطية ذلك لأنها الوحيدة التى تتيح لكل المواطنين حقوق المشاركة فى السلطات العامة بشكل مباشر بعيدا عن أن يمثلهم أحد ما فى ممارسة السلطة العامة، الذى فى حقيقته انتقاص من حرية المواطنين وسيادتهم، إلا أن الديمقراطية المباشرة يعيبها أنها لا تتناسب إلا مع المجتمعات قليلة السكان عمليا برغم تميزها نظريا، إلا أننا نلاحظ أنه مع التطور التكنولوجى الهائل فى ثورة الاتصالات أصبحت ممارسة الديمقراطية المباشرة على نطاق أوسع فى المجتمعات كثيرة السكان أكثر يسرا وسهولة، ولكن هذه الممارسة مشروطة بإتاحة استخدام هذه الإمكانيات لجميع المواطنين فضلا عن ضرورة وضع ضوابط لعدم إساءة استخدامها.

الديمقراطية شبه المباشرة :
• تتيح لكل المواطنين حقوق المشاركة المباشرة فى السلطات العامة بأحد أو بعض أو كل الطرق التالية :
 الاستفتاء الشعبى على مشاريع القوانين والقرارات. 
 الاقتراح الشعبى بمشاريع لقوانين أو لقرارات والذى تقدمه نسبة معينة من مجموع المواطنين وفى هذه الحالة يعرض الاقتراح على الاستفتاء الشعبى.
 التحقيق الشعبى مع النواب والمسئولين التنفيذيين المنتخبين عبر لجان شعبية مستقلة.
 تكليف نائب الدائرة ومحاسبته ومراقبته وإقالته قبل انتهاء مدة عضويته بالمجلس النيابى من قبل المواطنين الذين انتخبوه وينوب عنهم.
 محاسبة ومراقبة المسئولين التنفيذيين وإقالتهم قبل انتهاء فترة توليهم المسئولية التنفيذية. من قبل المواطنين الذين انتخبوهم وينوبون عنهم.
 وجوب موافقة غالبية المواطنين على ما يتلقاه المسئولين التنفيذيين وأعضاء المجالس النيابية والقضاة من أجور نقدية وعينية وامتيازات مقابل تفرغهم لأداء أعمالهم. 
 علنية كل المحاكمات واتباع نظام المحلفين فى المحاكم بما يضمن الرقابة الشعبية على القضاء.
إلا أننا نلاحظ فى معظم نظم الحكم السائدة فى العالم ومنها نظم الحكم فى العالم العربى، أنه يتم اهمال ممارسة أحد أو بعض أو كل حقوق المشاركة الشعبية سواء المباشرة أو شبه المباشرة فى السلطة العامة، والتى بدونها تصبح الديمقراطية مجرد أعطاء الناس الحق الدورى فى اختيار من يحكمونهم كل عدة سنوات من ممثلى النخب السياسية الحاكمة، وفى هذا إهدار للسيادة الشعبية واغتصاب لحق الناس الأصيل فى إدارة شئونهم بأنفسهم، ومن ثم تصبح ممارسة حقوق المشاركة الشعبية سواء بالديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة هى ما يعطى للديمقراطية معناها الأصيل، فبغير المشاركة الشعبية المباشرة أو شبه المباشرة تصبح الديمقراطية بلا معنى، ومجرد ثرثرة برلمانية فارغة، ولعبة انتخابات يمارسها محترفو الانتخابات والدعاية والسياسة، ويسيطر علي نتائجها القلة من الساسة وملاك الثروة والبيروقراطيين ورجال الإعلام، دون الغالبية من المجردين من وسائل الثروة والعنف والمعرفة.

الديمقراطية التمثيلية :
الشكل الثالث والسائد من الممارسة الديمقراطية فى العالم ومن ثم فى البلاد العربية، وتعنى أن الشعب هو صاحب الحق الوحيد فى اختيار من ينوبون عنه ويمثلونه فى ممارسة وظائف السلطات العامة بانتخابهم انتخابا حرا مباشرا. فهو من يمنحهم شرعية ممارسة السيادة بالنيابة عنه، وهو من يسلبهم هذه الشرعية، وتنقسم الديمقراطية التمثيلية إلى نوعين رئيسين هما
الديمقراطية البرلمانية يقتصر حق المشاركة فيها على الانتخاب المباشر لأعضاء الهيئات التشريعية والترشيح لعضويتها.
الديمقراطية الرئاسية وتعنى حق المشاركة فيها انتخاب كل من أعضاء الهيئات التشريعية وأعضاء الهيئات التنفيذية كرؤساء الدول وحكام الأقاليم والولايات والمحافظين وعمد المدن والقرى، والترشيح لعضوية المجالس التشريعية ومناصب السلطة التنفيذية. 
مع ملاحظة أن هناك القليل جدا من النظم تتوسع فى استخدام الحق فى انتخاب المواطنين لممثليهم فى السلطات العامة ليشمل الانتخاب المباشر أو غير المباشر لكل أعضاء هيئات السلطات العامة بما فيها القضاء. والحالة الأخيرة معناها ممارسة كاملة لهذا الحق بعكس الحالتين السائدتين البرلمانية والرئاسية التى تنتقص من ممارسته.

الفصل بين السلطات العامة :
تفترض الديمقراطية كنظام حكم الفصل بين السلطات العامة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) كى لا تجور سلطة عامة على اختصاصات سلطة عامة أخرى، وكلما كان الفصل بين السلطات أكثر اكتمالا كلما ضمنا توازنا بين السلطات، ومنعا أكثر للطغيان، ودرجة أعلى من الديمقراطية.
تتفاوت الديمقراطيات فيما بينها فى درجة الفصل بين السلطات، فبعضها يفصل فصلا جزئيا يسمح باشتراك هيئة من هيئات السلطة العامة فى ممارسة وظائف سلطة عامة أخرى، فيشارك بعض رؤساء الدول ورؤساء الحكومات والوزراء فى تشريع القوانين، وبعض هذه النظم يفصل فصلا كاملا بين تلك الهيئات فى أداءها لوظائفها فلا يسمح بأن تمارس السلطة التنفيذية سوى تنفيذ تشريعات السلطة التشريعية.
مكانة السلطات العامة بالنسبة لبعضها :
برغم جوهرية مبدأ الفصل بين السلطات بالنسبة للديمقراطية كنظام حكم، فإن السلطات العامة الثلاث لا تقف على قدم المساواة، إذ تتفاوت فى مكانتها بالنسبة لبعضها البعض، فبعض الأنظمة تضع السلطة التشريعية فى مكانة أعلى من السلطة التنفيذية باعتبارها الأكثر تعبيرا عن السيادة الشعبية لكونها الوحيدة المنتخبة من الشعب، كما فى الديمقراطية البرلمانية، وبعض النظم تساوى فى المكانة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية كما فى الديمقراطية الرئاسية لكون كلتا السلطتين التشريعية والتنفيذية منتخبتين شعبيا، وبعض النظم توحد بين السلطتين التنفيذية والتشريعية فى مؤسسة منتخبة واحدة هى البرلمان كما فى الديمقراطية المجلسية التى ينتخب فيها المجلس التشريعى من يتولون مهام السلطة التنفيذية من بين أعضائه، على أن يظلوا تحت هيمنته الكاملة.
تنقسم نظم الحكم فيما يتعلق بشكل السلطة التنفيذية إلى شكلين رئيسيين :

النظم الجمهورية :
تنقسم بدورها إلى جمهوريات رئاسية تكون السلطة التنفيذية فيها بيد رئيس الجمهورية المنتخب شعبيا، وجمهوريات برلمانية تكون السلطة التنفيذية فيها بيد مجلس الوزراء، أما رئيس الجمهورية الذى يجرى انتخابه عادة بواسطة البرلمان، فهو مجرد رمز للدولة يعطيه الدستور مهام شرفية، مع ملاحظة أن هناك جمهوريات شبه رئاسية تجمع بين الخصائص الرئاسية والبرلمانية فى نفس الوقت، فيتقاسم رئيس الجمهورية المنتخب شعبيا ومجلس الوزراء السلطة التنفيذية، كما يتقاسم رئيس الجمهورية مع البرلمان السلطة التشريعية. 

النظم الملكية :
تنقسم بدورها إلى ملكيات مطلقة يملك ويحكم فيها رأس الدولة أيا كان لقبه الوراثى حيث تتركز فى يديه كل السلطات، وملكيات مقيدة وفيها رأس الدولة أيا كان لقبه الوراثى يملك السيادة نظريا ولكنه لا يحكم فعليا بل يكون مجرد رمز للدولة يعطيه الدستور بعض المهام الشرفية، أما السلطة التنفيذية فتكون بيد مجلس الوزراء، مع ملاحظة أن هناك ملكيات شبه مطلقة تجمع بين خصائص الملكيتين المطلقة والمقيدة فى نفس الوقت فيتقاسم صاحب اللقب الوراثى ومجلس الوزراء السلطة التنفيذية.كما يتقاسم صاحب اللقب الوراثى مع البرلمان السلطة التشريعية.

توزيع السلطات بين مكونات الدولة :
تنقسم نظم الحكم إلى نظم أحادية تتركز فيها كل السلطات العامة فى مركز الدولة، ونظم اتحادية تتوزع فيها السلطات بين الاتحاد والأقاليم الداخلة فى الاتحاد حيث تحتكر سلطات الاتحاد غالبا المجالات السيادية وهى الأمن الداخلى والدفاع والتمثيل الخارجى والعدل والمالية العامة، تاركا للأقاليم الاتحادية الداخلة فيها السلطة العامة فى المجالات غير السيادية، أو تتقاسم كل منهما السلطات العامة فى المجالات السيادية والمجالات غير السيادية.
كما تنقسم نظم الحكم الأحادية والاتحادية أيضا لنظم مركزية الإدارة حيث تتركز كل السلطات العامة فى الدولة أو الأقليم الاتحادى، تاركة بعض المهام الإدارية التنفيذية للمحليات التابعة لها، ونظم لامركزية الإدارة تتوزع فيها السلطات العامة ما بين الدولة أو الإقليم الاتحادى من جهة، وبين المحليات بمستوياتها المختلفة من جهة أخرى، والنظم الاتحادية والنظم اللامركزية الإدارة، تضمن عدم تركز السلطات العامة فى يد قلة من الأشخاص فى مركز الدولة وانفرادهم بها كما فى النظم المركزية والأحادية، بل يتم توزيع السلطات العامة بين الاتحاد ومكوناته، وبين الدولة أو الإقليم الاتحادى والمحليات، لتصبح ممارسة السلطات العامة فى يد عدد أوسع من أفراد الشعب، ومن ثم تضمن كل من الاتحادية واللامركزية الإدارية المشاركة الشعبية فى السلطة العامة على نحو أكثر اتساعا، ومن هنا فاللامركزية الإدارية والاتحادية أكثر تحقيقا للديمقراطية وتجسيدا للسيادة الأصلية للشعب عن الأنظمة الأحادية ومركزية الإدارة.

ملاحظات فيما يتعلق بمسودة دستور الاستبداد المطروح للاستفتاء


ملاحظات فيما يتعلق بمسودة دستور الاستبداد المطروح للاستفتاء
سامح سعيد عبود
بعد إطلاعى على مسودة الدستور أستطيع أن أحدد بعض عيوبه الشكلية والموضوعية على النحو التالى:
*الديباجة إنشائية تتضمن كلام خطابى عام، و عبارات عنصرية، و عبارات لا لزوم لها، و لا تعبر عن أعداد كبيرة  من المصريين، بل و تستبعدهم سواء فى الوقت الحالى، أو مستقبلا بما سوف يطرأ على المجتمع من تغيرات فى عقائد أفراده و أفكارهم، فضلا عن انهم الآن بالفعل ينتمون لشتى العقائد والأفكار، وعليهم أن يعيشوا كمواطنين متساويين فى الحقوق والواجبات،و هو ما لم تؤكده الديباجة،  و من ثم يشوبها عدم الاحكام والوضوح، فالنص القانونى لابد وأن يكون محكم بطبيعته لا يحتمل تفسيرات مختلفة أو تأويلات متناقضة و إلا صعب تطبيقه، و يصبح بذلك نصا معيبا لا يسهل على المخاطبين به، ولا الموكول لهم تنفيذه تطبيقه، فلو كان متعدد المعانى بلا تحديد فإنه يصبح قاصرا عن تحقيق العدالة، فالقانون أساسا لاعلاقه له بالإنشاء والبلاغة و لا يطيق الاستعارات والتشبيهات وسائر المحسنات اللغوية والعبارات الفضفاضة والغامضة،  ومن هذه العبارات التى وردت فى الديباجة مثلا" وتستمر ثورة هذا الشعب التى بعثت فيه روحا جديدة طاهرة جمعت المصريين والمصريات على كلمة سواء، لبناء دولة ديمقراطية حديثة؛ مستمسكة بقيمها ومقوماتها الروحية والاجتماعية، بتفردها وثرائها، استناداً إلى ثوابت متكاملة، يعبر عنها شعبنا الأصيل فى مجموعة" وهو كلام يعنى انحصار التطور فى حدود قيم فى حقيقتها غير محددة و لا مشتركة بين كافة المواطنين، وتحتمل تفسيرات مختلفة فهل هى القيم القبلية العشائرية أو القيم الطائفية السائدة فى بعض المناطق الريفية والبدوية، و بعض الأوساط الاجتماعية،أم قيم المواطنة الحديثة السائدة فى المدن، فضلا عن أن إعلان التمسك بتلك القيم غير المشتركة و لا المحددة يقيد التطور الاجتماعى فقد تكون بعض تلك القيم متخلفة أو رجعية أو متناقضة مع مقتضيات الحداثة والنهضة ومفاهيم الديمقراطية الحديثة" فكيف لنا التمسك بها.
*الحقيقة  أن فلسفة هذا الدستور هى نفسها  فلسفة الدساتير السابقة التى صدرت فى مصر منذ يوليو 52، وهى قيامها على أفتراض هوية جماعية واحدة  يتمتع بها كل المصريين، و يجب أن ينصهر فيها كل المصريين قسرا وجبرا برغم هوياتهم المختلفة سواء الفردية أو الجماعية فليس كل المصريون عربا و لا مسلمون، و لكنهم ينتمون لهويات مختلفة، و كنتيجة لهذا الافتراض يقوم النظام على أن تقوم الدولة برعاية هذا الانصهار، ومقاومة أو انكار عدم التجانس الفعلى بين المواطنين، وهذا لامعنى له إلا سوى استمرار الطابع الاستبدادى للسلطة، وكنتيجة منطقية أيضا لذلك تقوم الدولة بدور أبوى لأبناءها فيكون أحد أدوارها تربية هؤلاء الأبناء بما يتوافق و رؤية الأباء، و أن تقوم بدور رعوى  لرعية ما عليهم سوى السمع والطاعة لأولى أمرهم، لا مجرد جهاز وظيفى لدى مواطنين أحرار و متساويين يؤدى وظائف محددة لصالحهم كأفراد،  وهذا ما سوف يتضح  من نصوص المسودة كما سوف يأتى ايضاحه، وبناء على ما سبق  فإن مسودة الدستور  لم تأتى معبرة عن قيم ثورة 25 يناير كما تدعى الديباجة،  و لم تقطع تماما مع الطابع  السلطوى للدساتير السابقة، و إن كانت أفضل نسبيا من دستور 71 الساقط فى وجوه متعددة فيما يخص تنظيم السلطات العامة، و لكنها جاءت أسوء ما يكون من زاوية الحقوق والحريات العامة بالمقارنة بكل الدساتير السابقة، أى ان المسودة  أكثر ديمقراطية، و أقل تحررية.
* بناء على ما سبقت الإشارة إليه فقد أتى مشروع الدستور  ليكون طائفيا  بامتياز، و لا يقوم على مبدأ المواطنة كما يزعمون، و  هذا المبدأ لا  يعنى سوى أن تكون كل السلطات العامة سواء كأفراد أو كهيئات أو كوظائف، منفصلة ومستقلة تماما عن كل ما يفرق بين المواطنين مثل الدين أو الطائفة أو القومية أو العنصر أو الثقافة أو اللون أو الجنس أو العرق أو النوع  أو اللغة الأم أو الأصل الاجتماعى. بل أتت مسودة الدستور  لتعزز و تكرس مبدأ الطائفية نقيض مبدأ المواطنة،  و تعزز من سلطة الكنيسة على المسيحيين، و من سلطة الأزهر على المسلمين، بأن تكون هناك شريعة تحكم كل طائفة على حدة لا شريعة واحدة لكل المواطنين، و ليس ذلك فقط بل  لم تعترف المسودة بحقوق و حريات  المواطنين أتباع العقائد الأخرى مثل اللادينيين والشيعة والبهائيين والبوذيين و غيرهم، و هى لا تساوى بينهم وبين المنتمين لطوائف الغالبية و هم أهل السنة و الجماعة،  وكنقيض لفكرة المواطنة  أصبح للدولة دورا دينيا لا يجب أن تؤديه، بل أن يكون شأنا خاصا بالأفراد و بمؤسسات المجتمع المدنى بما فيها المؤسسات الدينية التى يجب أن تتمتع بالحرية و الاستقلالية عن الدولة، و أن لا تكون مندمجة معها مما يشوه دور كل منهما.
* مشكلة المواد المتعلقة بالمبادىء العامة والحقوق والحريات فى المسكوت عنه أكثر مما  فى المذكور فى أحيان كثيرة، برغم أن المذكور كثيرا ما يكون مجرد ثرثرة إنشائية محلقة فى الفراغ، و لغو قول لا أكثر و لا أقل، لأن القائمين على وضع المواد أرادوا  صياغات مائعة يمكن التملص من الالتزام بها  فيرضون دعاة أنصار الحرية والمساواة  بمفهومها الواسع،  و أعداء تلك المبادىء فى نفس الوقت، وتركزت نواياهم عند الصياغة فى التملص الكامل مع المعايير المستقرة دوليا للحقوق والحريات الإنسانية كما وردت فى المواثيق والمعاهدات الدولية، فعلى سبيل المثال تحرم تلك المواثيق والمعاهدات تماما العمل الجبرى والمجانى وكافة أشكال الاتجار فى البشر والرق، فتجدهم لم يضمنوا تلك المبادىء فى مواد الدستور من البداية، و لا أعلنوا التزامهم بتلك المواثيق والمعاهدات، و لذلك وضعوا  المادة 63 التى تنص على "أنه لا يجوز فرض أى عمل جبرا إلا بمقتضى قانون" و كان من المفروض أن يطلق الحذر على العمل الجبرى والقسرى والرق والسخرة، بلا أى قيد من أى قانون بما في ذلك التجنيد الجبرى نفسه الذى تنص عليه المادة 7 التى تتنافى وحرية الضمير، وهو نص كارثى يتنافى والكرامة الإنسانية والحرية التى ما أتت ثورة 25 يناير إلا لتحقيقها ليسمح النص فى جوهره بالعمل الجبرى و المجانى و بالسخرة التى هى أحد أشكال الرق المخففة طالما نظمه القانون، فى ظل عدم تناول مسودة الدستور أصلا أى نص يمنع الرق والسخرة والاتجار فى البشر.
و استمرار لنفس التناقض فالمسودة تنص على أن مبادىء الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع فى حين أن المشرع لن يستطيع عمليا أن يطبق الحدود الجزائية منها لأنها تتعارض مع مبدأ عدم جواز توقيع عقوبات جسدية أو وحشية أو حاطة بالكرامة البشرية و التى تنتهك حرمة الجسد وسلامته  المنصوص عليها فى المعاهدات الدولية ومنها الرجم وقطع اليد والجلد و التى لا تتوافق أيضا  
ونص المادة 41 من المسودة " و لجسد الإنسان حرمة"،  ونص المادة . 
المادة 36 من المسودة  
 التى تنص على أن كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته بأى قيد، تجب معاملته بما يحفظ كرامته. ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيا أو معنويا. 
Top of Form
* المواد الأربعة الأولى كلها شكلا ومضمونا تتنافى و مبدأ المواطنة  وذلك  بنصها على دين معين رسمى للدولة، و الدولة  جهاز لا يدرك و لا يعقل، حتى يؤمن أو لا يؤمن بعقيدة ما، وهو غير مكلف و لا محاسب و لا مراقب إلا من قبل ملاكه، و هم المواطنين المتجنسين بجنسية الدولة، و المتساوين فى الحقوق والواجبات بلا استثناءات ولا  تمايزات بينهم، والعقلاء و من ثم المنتمين لشتى العقائد و الأفكار، و الدولة لا عقل لها و لا وجدان حتى تتبنى أو تنتمى لقومية معينة أو لثقافة بذاتها، و لا معنى مفيد من ذكر أن إقليمها جغرافيا موجود  بمكان ما على كوكب الأرض، أو أن شعبها و هو جموع الأفراد المتجنسين بجنسيها ينتمى ككتلة متجانسة لهويات جماعية أخرى خارج حدود الدولة أو هوية واحدة داخلها، و هو ما يتنافى والواقع فعليا، ومن ثم يصبح مجرد نص انشائى لا معنى له، ، فالمصريون هم كل حاملى الجنسية المصرية، بالأصالة أو بالتجنس، و لا شىء غير ذلك، عربا كانوا أو غير عرب، مسلمون كانوا أو غير مسلمين،  و إن كان   هناك ثمة ضرورة عملية للنص على استخدام لغة ما لتسهيل أداء الدولة لوظائفها الرسمية، فيمكن الاكتفاء بأن ينص على أن تكون لغة غالبية السكان، و هى اللغة العربية مع النص على حق استخدام الأقليات غير العربية للغاتهم الخاصة فى بعض الظروف.
*  المادة 81  تنص على "تُمارس هذه الحقوق والحريات بما لا يتعارض مع المبادئ الواردة فى باب الدولة والمجتمع بهذا الدستور" و هى المواد المطاطية والإنشائية وغير المتوافقة مع المعايير المنضبطة لممارسة الحقوق والحريات الإنسانية السابق نقدها.
فتقييد الحقوق والحريات المنصوص عليها بالدستور بالنص على أن تكون  فى حدود القانون، أو بما ينظمه القانون أو تحديدها فى حدود أحكام الشريعة، أو بما لا يخالف قيم المجتمع الخ، هى  كلمات فضفاضة، يفرغ تلك الحقوق والحريات من مضمونها فى حين أنه من المفروض النص على إطلاقها، فالأصل فى الحقوق والحريات الإنسانية هو الإباحة المطلقة، و أنها لا ينبغى أن  تقيد إلا للحفاظ على الصحة العامة، والأمن العام، والسكينة العامة، و النظام العام، و فيما يتعلق بالثلاث تحديدات الأولى، فالمسألة واضحة و لا تحتاج لنقاش، و المشكلة تكمن فى عبارة النظام العام فهى كلمة مطاطة و مرنة لا يمكن تحديدها بدقة، و هى البوابة التى ينفذ منها الطغاة والمستبدين وأعداء الحرية، ومن ثم يجب أن تحدد  بمبادىء الدستور، و الإعلانات والمواثيق الدولية لحقوق وحريات الإنسان، و مبادىء العدالة الطبيعية، و مبادىء ثورة يناير نفسها، وهى العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، باعتبارها أفضل تحديدات وتخصيصات ممكنة لعمومية كل من النظام والصحة والسكينة والأمن، فبشكل عام تكررت الإحالة للقانون كثيرا مما يضع القانون فوق الدستور، و يمنح للدولة سطوة كبيرة فى تقييد تلك الحقوق والحريات، و من ناحية أخرى يضع للدولة وصاية شمولية على المجتمع  باسم حماية القيم والأخلاق والعادات والتقاليد، وهو ليس دور الدولة المحصور فقط فى تشريع القوانين و تطبيقها لا غير،  و التى تحفظ الأمن والسكينة والصحة والنظام العموميين لسائر المواطنين بحيث  لا تتعدى حرياتهم تلك الحدود.
*  المواطنة معناها أن يكون المواطن الفرد الحر المستقل هو أساس المجتمع و الدولة، و ليست الأسرة أو أى كيان آخر غير الأسرة، بعيدا عن علاقة التجنس التى تجعله منتميا للدولة، و حاملا لوثائقها الرسمية، و هى علاقة تعاقدية متبادلة حرة، لا ينبغى أن تكون قائمة على الإذعان، و فى مضمونها لا يجب أن تعطى للدولة هيمنة فوقية بلا حدود تتجاوز حدود التعاقد الذى يضع أصوله الدستور، و لا ينبغى لتلك الهيمنة،و إن كانت مقبولة فى شئون سيادية بعينها تخص حماية المصالح العامة للمواطنين، أن تصل إلى حد تهذيب المواطنين وإصلاحهم بما تراه السلطه من صلاح، ومراقبة كل سلوكياتهم و إجبارهم على تبنى سلوكيات و أفكار معينة تراها الدولة تتخطى حواجز الحريات الشخصية للمواطنين، مما يضع قيودا على الفرد واستقلاليته وحريته، كما تنص المادة العاشرة، و وفقا  لما سبق فإنه  لا يجوز ربط الأسرة باعتبارها كيان تعاقدى حر بين أفراد أحرار مستقلين ومسئولين عن أنفسهم و عن أبنائهم  بدين ما، أو بقيم فضفاضة و غير محددة كالأخلاق و الوطنية التى تحتمل تفسيرات و تأويلات متعددة بين نفس المواطنين المتساوين فى الحقوق والواجبات.
* مشكلة هذا الدستور أيضا شأنه شأن الدساتير السابقة فى عدم التجانس و فى التناقضات بين مواده المختلفة، فالمادة 33 
تنص على أن المواطنون لدى القانون سواء؛ و هم متساوون فى الحقوق و الواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك فى حين أن  المادة 4 الخاصة بالأزهر، و المادتين 43 و 44 تقيد كلها حرية العقيدة لدى بعض المواطنين، و لا تساوى بينهم، و تميز بين المواطنين بسبب عقائدهم المختلفة، و تعطى امتيازات لأتباع الدين الإسلامى عن باقى اتباع الأديان الأخرى من ناحية، و لأتباع الأديان التى تطلق عليها مسودة الدستور سماوية عن باقى أتباع الأديان غير السماوية بضمان كفالة الدولة لبناء دور عبادتهم، فى حين تمنع هذا عن المواطنين غير المنتمين للديانات الأخرى، فضلا عن أن تعبير سماوية نفسه ملتبس لأنه يمكن أن يطلق على أديان الصينيين الذين يعبدون السماء نفسها، وهو ما لم يكن فى حسبان واضعى النص بالطبع إذا حكمنا بظاهره، و الذين سوف يقعون فى نفس المشكلة عند استخدام الإبراهيمية مثلا فالبهائيون إبراهميون وفق التقسيم العلمى لأديان العالم، أو استخدام كتابية مثلا فالهندوس والزرادشت يقولون أن لهم كتب منزلة، وعلى العموم فبناء  دور العبادة شأنا من شئون المواطنين و المجتمع المدنى  لا يجب أن تكون للدولة أى علاقة به إلا فى حدود التنظيم الإدارى، طالما أن كل المواطنين من شتى العقائد يسددون التزاماتهم الضريبية للدولة، فوحدة الواجب والإلتزام توجب وحدة الحق و إلا انهار مقياس العدالة .
حتى لا أطيل على القارىء فسوف أذكر بعض الملاحظات السريعة قبل أن اختم المقال
*  المادة 53 تنص على "ولا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة مهنية واحدة" تقيد الحريات النقابية بمنع التعددية النقابية
* المادة 60  تتنافى وحرية التعليم بالنص على و التربية الدينية و التاريخ الوطنى مادتان أساسيتان فى التعليم قبل الجامعى بكل أنواعه. 
* أبواب ترتيب مؤسسات الدولة تتوافق مع النظام المختلط الرئاسى البرلمانى و هى أكثر ديمقراطية عموما من دستور 71  لكن ما لوث هذه الديمقراطية وقيدها أن المسودة لم تحصن البرلمان من الحل  على يد رئيس الجمهورية، و لا أعطت سلطة للبرلمان لعزل الرئيس،  ولم تلزم الرئيس بتعيين رئيس الوزراء من الأغلبية البرلمانية ولم تنص على ضرورة استقالة الحكومة عند سحب الثقة منها برلمانيا.
* المادة 128 تنص على "يجوز لرئيس الجمهورية أن يعين عددا لا يزيد على عُشر عدد الأعضاء المنتخبين فى مجلس الشورى،  و هو حق يعطى رئيس الجمهورية القدرة على تحديد اتجاهات المجلس و أغلبيته وأقليته و هو حق  سلطوى خطير كما تعطيه المادة 149 حق العفو عن العقوبة أو تخفيفها وهو تدخل فى السلطة القضائية.  
* يشترط فيمن يترشح رئيسا للجمهورية أن يكون مصريا من أبوين مصريين، وألا يكون قد حمل جنسية دولة أخرى، وأن يكون متمتعا بحقوقه المدنية والسياسية، وألا يكون متزوجًا من غير مصرى، كما تنص 195 و هو شرط عنصرى.
*الوزير هو منصب سياسى ولكن تم استثناء وزارة الدفاع فتم النص على أن يكون وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعين من بين ضباطها.  . 
* تنص المادة  219 على أن   مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة. و هى مادة شارحة للمادة الثانية وتؤكد التمييز بين المواطنين بسبب الدين.
* المسودة  لم تحدد وظائف مجلس الشورى و تم النص فيها على  منح سلطة غير عادية للقضاء العسكري تشمل محاكمة المدنيين.
فى النهاية مسودة الدستور لم تنص على احترام المعاهدات والمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان و حرياته، وهو ما يشكل تهديدا خطيرا على تلك الحقوق والحريات.