الأحد، 9 ديسمبر، 2012

مقدمة حول معايير الفقه الدستورى للديمقراطية كنظام حكم



سامح سعيد عبود
الهدف من هذه المقدمة أن يطلع القارىء على معايير الفقه الدستورى للديمقراطية كنظام حكم، والتى يمكن أن تقيس المدى الذى وصل إليه نظام حكم ما من ديمقراطية، وذلك كى يستطيع القارىء من خلال هذه المعايير أن يدرك مدى ديمقراطية نظم الحكم العربية المختلفة، وتطور هذه النظم عبر الفترة الممتدة من نهايات القرن العشرين وتنتهى فى بدايات القرن الواحد والعشرين.
الديمقراطية بالتعريف هى حكم الشعب، ولكن الفقه الدستورى يفرق بين الشعب الحاكم صاحب السيادة فى النظام الديمقراطى للحكم، وبين الدولة برغم أنها نابعة من تلك السيادة على وجه الحصر فى ذلك النظام، ومن الجدير بالذكر أن نشير أن تحديد من يتمتعون بحق المشاركة فى السيادة والحكم من بين أفراد الشعب قد تغير وتطور بمرور الزمن، فحق المشاركة فى الديمقراطيات القديمة التى كانت قائمة فى أثينا وروما كان مقصورا على المواطنين الذكور البالغين الأحرار دون بقية السكان من العبيد والنساء وغير البالغين، وفى بدايات الديمقراطيات الحديثة حتى نهايات القرن التاسع عشر، كان حق المشاركة فى السيادة والحكم مقصورا على المواطنين من الذكور البالغين المالكين لحد معين من الثروة والحائزين على قدر من السلطة والنفوذ بسبب وظائفهم، دون بقية السكان من الطبقات غير المالكة للثروة وغير الحائزة على السلطة والنفوذ فضلا عن النساء وغير البالغين، إلى أن أصبح حق المشاركة يعنى وفق المفاهيم المعاصرة التى استقرت بعد الحرب العالمية الثانية حق كل الأفراد البالغين الذين يحملون جنسية الدولة المعنية فى المشاركة فى الحكم والسيادة..أما الدولة الديمقراطية فهى السلطة العامة التى يمكن أن نحلل عناصرها إلى أولا مواطنين يمارسون السلطة العامة عمليا نيابة عن الشعب كالوزراء والقضاة وونواب الشعب وغيرهم، وثانيا هيئات تنظم هؤلاء المواطنين كالوزارات والمحاكم والبرلمانات، تلك الهيئات التى تؤدى وظائف السلطة العامة مثل التنفيذ والقضاء والتشريع.
أشكال الممارسة الديمقراطية :
حقوق مشاركة المواطن فى السلطة العامة التى تميز النظام الديمقراطى عن غيره من النظم السياسية للحكم التى لا تكفل له هذه الحقوق، هى أن لكل مواطن الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة، وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا. على أن يكون لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد وظائف السلطة العامة في البلاد. وأن تكون إرادة الشعب هي مصدر أى سلطة وأى شرعية تكتسبها السلطات العامة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري المباشر، وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.

يمارس المواطن حقوق المشاركة عبر ثلاثة أشكال من الديمقراطية :
الديمقراطية المباشرة :
هى المثل الأعلى للديمقراطية ذلك لأنها الوحيدة التى تتيح لكل المواطنين حقوق المشاركة فى السلطات العامة بشكل مباشر بعيدا عن أن يمثلهم أحد ما فى ممارسة السلطة العامة، الذى فى حقيقته انتقاص من حرية المواطنين وسيادتهم، إلا أن الديمقراطية المباشرة يعيبها أنها لا تتناسب إلا مع المجتمعات قليلة السكان عمليا برغم تميزها نظريا، إلا أننا نلاحظ أنه مع التطور التكنولوجى الهائل فى ثورة الاتصالات أصبحت ممارسة الديمقراطية المباشرة على نطاق أوسع فى المجتمعات كثيرة السكان أكثر يسرا وسهولة، ولكن هذه الممارسة مشروطة بإتاحة استخدام هذه الإمكانيات لجميع المواطنين فضلا عن ضرورة وضع ضوابط لعدم إساءة استخدامها.

الديمقراطية شبه المباشرة :
• تتيح لكل المواطنين حقوق المشاركة المباشرة فى السلطات العامة بأحد أو بعض أو كل الطرق التالية :
 الاستفتاء الشعبى على مشاريع القوانين والقرارات. 
 الاقتراح الشعبى بمشاريع لقوانين أو لقرارات والذى تقدمه نسبة معينة من مجموع المواطنين وفى هذه الحالة يعرض الاقتراح على الاستفتاء الشعبى.
 التحقيق الشعبى مع النواب والمسئولين التنفيذيين المنتخبين عبر لجان شعبية مستقلة.
 تكليف نائب الدائرة ومحاسبته ومراقبته وإقالته قبل انتهاء مدة عضويته بالمجلس النيابى من قبل المواطنين الذين انتخبوه وينوب عنهم.
 محاسبة ومراقبة المسئولين التنفيذيين وإقالتهم قبل انتهاء فترة توليهم المسئولية التنفيذية. من قبل المواطنين الذين انتخبوهم وينوبون عنهم.
 وجوب موافقة غالبية المواطنين على ما يتلقاه المسئولين التنفيذيين وأعضاء المجالس النيابية والقضاة من أجور نقدية وعينية وامتيازات مقابل تفرغهم لأداء أعمالهم. 
 علنية كل المحاكمات واتباع نظام المحلفين فى المحاكم بما يضمن الرقابة الشعبية على القضاء.
إلا أننا نلاحظ فى معظم نظم الحكم السائدة فى العالم ومنها نظم الحكم فى العالم العربى، أنه يتم اهمال ممارسة أحد أو بعض أو كل حقوق المشاركة الشعبية سواء المباشرة أو شبه المباشرة فى السلطة العامة، والتى بدونها تصبح الديمقراطية مجرد أعطاء الناس الحق الدورى فى اختيار من يحكمونهم كل عدة سنوات من ممثلى النخب السياسية الحاكمة، وفى هذا إهدار للسيادة الشعبية واغتصاب لحق الناس الأصيل فى إدارة شئونهم بأنفسهم، ومن ثم تصبح ممارسة حقوق المشاركة الشعبية سواء بالديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة هى ما يعطى للديمقراطية معناها الأصيل، فبغير المشاركة الشعبية المباشرة أو شبه المباشرة تصبح الديمقراطية بلا معنى، ومجرد ثرثرة برلمانية فارغة، ولعبة انتخابات يمارسها محترفو الانتخابات والدعاية والسياسة، ويسيطر علي نتائجها القلة من الساسة وملاك الثروة والبيروقراطيين ورجال الإعلام، دون الغالبية من المجردين من وسائل الثروة والعنف والمعرفة.

الديمقراطية التمثيلية :
الشكل الثالث والسائد من الممارسة الديمقراطية فى العالم ومن ثم فى البلاد العربية، وتعنى أن الشعب هو صاحب الحق الوحيد فى اختيار من ينوبون عنه ويمثلونه فى ممارسة وظائف السلطات العامة بانتخابهم انتخابا حرا مباشرا. فهو من يمنحهم شرعية ممارسة السيادة بالنيابة عنه، وهو من يسلبهم هذه الشرعية، وتنقسم الديمقراطية التمثيلية إلى نوعين رئيسين هما
الديمقراطية البرلمانية يقتصر حق المشاركة فيها على الانتخاب المباشر لأعضاء الهيئات التشريعية والترشيح لعضويتها.
الديمقراطية الرئاسية وتعنى حق المشاركة فيها انتخاب كل من أعضاء الهيئات التشريعية وأعضاء الهيئات التنفيذية كرؤساء الدول وحكام الأقاليم والولايات والمحافظين وعمد المدن والقرى، والترشيح لعضوية المجالس التشريعية ومناصب السلطة التنفيذية. 
مع ملاحظة أن هناك القليل جدا من النظم تتوسع فى استخدام الحق فى انتخاب المواطنين لممثليهم فى السلطات العامة ليشمل الانتخاب المباشر أو غير المباشر لكل أعضاء هيئات السلطات العامة بما فيها القضاء. والحالة الأخيرة معناها ممارسة كاملة لهذا الحق بعكس الحالتين السائدتين البرلمانية والرئاسية التى تنتقص من ممارسته.

الفصل بين السلطات العامة :
تفترض الديمقراطية كنظام حكم الفصل بين السلطات العامة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) كى لا تجور سلطة عامة على اختصاصات سلطة عامة أخرى، وكلما كان الفصل بين السلطات أكثر اكتمالا كلما ضمنا توازنا بين السلطات، ومنعا أكثر للطغيان، ودرجة أعلى من الديمقراطية.
تتفاوت الديمقراطيات فيما بينها فى درجة الفصل بين السلطات، فبعضها يفصل فصلا جزئيا يسمح باشتراك هيئة من هيئات السلطة العامة فى ممارسة وظائف سلطة عامة أخرى، فيشارك بعض رؤساء الدول ورؤساء الحكومات والوزراء فى تشريع القوانين، وبعض هذه النظم يفصل فصلا كاملا بين تلك الهيئات فى أداءها لوظائفها فلا يسمح بأن تمارس السلطة التنفيذية سوى تنفيذ تشريعات السلطة التشريعية.
مكانة السلطات العامة بالنسبة لبعضها :
برغم جوهرية مبدأ الفصل بين السلطات بالنسبة للديمقراطية كنظام حكم، فإن السلطات العامة الثلاث لا تقف على قدم المساواة، إذ تتفاوت فى مكانتها بالنسبة لبعضها البعض، فبعض الأنظمة تضع السلطة التشريعية فى مكانة أعلى من السلطة التنفيذية باعتبارها الأكثر تعبيرا عن السيادة الشعبية لكونها الوحيدة المنتخبة من الشعب، كما فى الديمقراطية البرلمانية، وبعض النظم تساوى فى المكانة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية كما فى الديمقراطية الرئاسية لكون كلتا السلطتين التشريعية والتنفيذية منتخبتين شعبيا، وبعض النظم توحد بين السلطتين التنفيذية والتشريعية فى مؤسسة منتخبة واحدة هى البرلمان كما فى الديمقراطية المجلسية التى ينتخب فيها المجلس التشريعى من يتولون مهام السلطة التنفيذية من بين أعضائه، على أن يظلوا تحت هيمنته الكاملة.
تنقسم نظم الحكم فيما يتعلق بشكل السلطة التنفيذية إلى شكلين رئيسيين :

النظم الجمهورية :
تنقسم بدورها إلى جمهوريات رئاسية تكون السلطة التنفيذية فيها بيد رئيس الجمهورية المنتخب شعبيا، وجمهوريات برلمانية تكون السلطة التنفيذية فيها بيد مجلس الوزراء، أما رئيس الجمهورية الذى يجرى انتخابه عادة بواسطة البرلمان، فهو مجرد رمز للدولة يعطيه الدستور مهام شرفية، مع ملاحظة أن هناك جمهوريات شبه رئاسية تجمع بين الخصائص الرئاسية والبرلمانية فى نفس الوقت، فيتقاسم رئيس الجمهورية المنتخب شعبيا ومجلس الوزراء السلطة التنفيذية، كما يتقاسم رئيس الجمهورية مع البرلمان السلطة التشريعية. 

النظم الملكية :
تنقسم بدورها إلى ملكيات مطلقة يملك ويحكم فيها رأس الدولة أيا كان لقبه الوراثى حيث تتركز فى يديه كل السلطات، وملكيات مقيدة وفيها رأس الدولة أيا كان لقبه الوراثى يملك السيادة نظريا ولكنه لا يحكم فعليا بل يكون مجرد رمز للدولة يعطيه الدستور بعض المهام الشرفية، أما السلطة التنفيذية فتكون بيد مجلس الوزراء، مع ملاحظة أن هناك ملكيات شبه مطلقة تجمع بين خصائص الملكيتين المطلقة والمقيدة فى نفس الوقت فيتقاسم صاحب اللقب الوراثى ومجلس الوزراء السلطة التنفيذية.كما يتقاسم صاحب اللقب الوراثى مع البرلمان السلطة التشريعية.

توزيع السلطات بين مكونات الدولة :
تنقسم نظم الحكم إلى نظم أحادية تتركز فيها كل السلطات العامة فى مركز الدولة، ونظم اتحادية تتوزع فيها السلطات بين الاتحاد والأقاليم الداخلة فى الاتحاد حيث تحتكر سلطات الاتحاد غالبا المجالات السيادية وهى الأمن الداخلى والدفاع والتمثيل الخارجى والعدل والمالية العامة، تاركا للأقاليم الاتحادية الداخلة فيها السلطة العامة فى المجالات غير السيادية، أو تتقاسم كل منهما السلطات العامة فى المجالات السيادية والمجالات غير السيادية.
كما تنقسم نظم الحكم الأحادية والاتحادية أيضا لنظم مركزية الإدارة حيث تتركز كل السلطات العامة فى الدولة أو الأقليم الاتحادى، تاركة بعض المهام الإدارية التنفيذية للمحليات التابعة لها، ونظم لامركزية الإدارة تتوزع فيها السلطات العامة ما بين الدولة أو الإقليم الاتحادى من جهة، وبين المحليات بمستوياتها المختلفة من جهة أخرى، والنظم الاتحادية والنظم اللامركزية الإدارة، تضمن عدم تركز السلطات العامة فى يد قلة من الأشخاص فى مركز الدولة وانفرادهم بها كما فى النظم المركزية والأحادية، بل يتم توزيع السلطات العامة بين الاتحاد ومكوناته، وبين الدولة أو الإقليم الاتحادى والمحليات، لتصبح ممارسة السلطات العامة فى يد عدد أوسع من أفراد الشعب، ومن ثم تضمن كل من الاتحادية واللامركزية الإدارية المشاركة الشعبية فى السلطة العامة على نحو أكثر اتساعا، ومن هنا فاللامركزية الإدارية والاتحادية أكثر تحقيقا للديمقراطية وتجسيدا للسيادة الأصلية للشعب عن الأنظمة الأحادية ومركزية الإدارة.

ملاحظات فيما يتعلق بمسودة دستور الاستبداد المطروح للاستفتاء


ملاحظات فيما يتعلق بمسودة دستور الاستبداد المطروح للاستفتاء
سامح سعيد عبود
بعد إطلاعى على مسودة الدستور أستطيع أن أحدد بعض عيوبه الشكلية والموضوعية على النحو التالى:
*الديباجة إنشائية تتضمن كلام خطابى عام، و عبارات عنصرية، و عبارات لا لزوم لها، و لا تعبر عن أعداد كبيرة  من المصريين، بل و تستبعدهم سواء فى الوقت الحالى، أو مستقبلا بما سوف يطرأ على المجتمع من تغيرات فى عقائد أفراده و أفكارهم، فضلا عن انهم الآن بالفعل ينتمون لشتى العقائد والأفكار، وعليهم أن يعيشوا كمواطنين متساويين فى الحقوق والواجبات،و هو ما لم تؤكده الديباجة،  و من ثم يشوبها عدم الاحكام والوضوح، فالنص القانونى لابد وأن يكون محكم بطبيعته لا يحتمل تفسيرات مختلفة أو تأويلات متناقضة و إلا صعب تطبيقه، و يصبح بذلك نصا معيبا لا يسهل على المخاطبين به، ولا الموكول لهم تنفيذه تطبيقه، فلو كان متعدد المعانى بلا تحديد فإنه يصبح قاصرا عن تحقيق العدالة، فالقانون أساسا لاعلاقه له بالإنشاء والبلاغة و لا يطيق الاستعارات والتشبيهات وسائر المحسنات اللغوية والعبارات الفضفاضة والغامضة،  ومن هذه العبارات التى وردت فى الديباجة مثلا" وتستمر ثورة هذا الشعب التى بعثت فيه روحا جديدة طاهرة جمعت المصريين والمصريات على كلمة سواء، لبناء دولة ديمقراطية حديثة؛ مستمسكة بقيمها ومقوماتها الروحية والاجتماعية، بتفردها وثرائها، استناداً إلى ثوابت متكاملة، يعبر عنها شعبنا الأصيل فى مجموعة" وهو كلام يعنى انحصار التطور فى حدود قيم فى حقيقتها غير محددة و لا مشتركة بين كافة المواطنين، وتحتمل تفسيرات مختلفة فهل هى القيم القبلية العشائرية أو القيم الطائفية السائدة فى بعض المناطق الريفية والبدوية، و بعض الأوساط الاجتماعية،أم قيم المواطنة الحديثة السائدة فى المدن، فضلا عن أن إعلان التمسك بتلك القيم غير المشتركة و لا المحددة يقيد التطور الاجتماعى فقد تكون بعض تلك القيم متخلفة أو رجعية أو متناقضة مع مقتضيات الحداثة والنهضة ومفاهيم الديمقراطية الحديثة" فكيف لنا التمسك بها.
*الحقيقة  أن فلسفة هذا الدستور هى نفسها  فلسفة الدساتير السابقة التى صدرت فى مصر منذ يوليو 52، وهى قيامها على أفتراض هوية جماعية واحدة  يتمتع بها كل المصريين، و يجب أن ينصهر فيها كل المصريين قسرا وجبرا برغم هوياتهم المختلفة سواء الفردية أو الجماعية فليس كل المصريون عربا و لا مسلمون، و لكنهم ينتمون لهويات مختلفة، و كنتيجة لهذا الافتراض يقوم النظام على أن تقوم الدولة برعاية هذا الانصهار، ومقاومة أو انكار عدم التجانس الفعلى بين المواطنين، وهذا لامعنى له إلا سوى استمرار الطابع الاستبدادى للسلطة، وكنتيجة منطقية أيضا لذلك تقوم الدولة بدور أبوى لأبناءها فيكون أحد أدوارها تربية هؤلاء الأبناء بما يتوافق و رؤية الأباء، و أن تقوم بدور رعوى  لرعية ما عليهم سوى السمع والطاعة لأولى أمرهم، لا مجرد جهاز وظيفى لدى مواطنين أحرار و متساويين يؤدى وظائف محددة لصالحهم كأفراد،  وهذا ما سوف يتضح  من نصوص المسودة كما سوف يأتى ايضاحه، وبناء على ما سبق  فإن مسودة الدستور  لم تأتى معبرة عن قيم ثورة 25 يناير كما تدعى الديباجة،  و لم تقطع تماما مع الطابع  السلطوى للدساتير السابقة، و إن كانت أفضل نسبيا من دستور 71 الساقط فى وجوه متعددة فيما يخص تنظيم السلطات العامة، و لكنها جاءت أسوء ما يكون من زاوية الحقوق والحريات العامة بالمقارنة بكل الدساتير السابقة، أى ان المسودة  أكثر ديمقراطية، و أقل تحررية.
* بناء على ما سبقت الإشارة إليه فقد أتى مشروع الدستور  ليكون طائفيا  بامتياز، و لا يقوم على مبدأ المواطنة كما يزعمون، و  هذا المبدأ لا  يعنى سوى أن تكون كل السلطات العامة سواء كأفراد أو كهيئات أو كوظائف، منفصلة ومستقلة تماما عن كل ما يفرق بين المواطنين مثل الدين أو الطائفة أو القومية أو العنصر أو الثقافة أو اللون أو الجنس أو العرق أو النوع  أو اللغة الأم أو الأصل الاجتماعى. بل أتت مسودة الدستور  لتعزز و تكرس مبدأ الطائفية نقيض مبدأ المواطنة،  و تعزز من سلطة الكنيسة على المسيحيين، و من سلطة الأزهر على المسلمين، بأن تكون هناك شريعة تحكم كل طائفة على حدة لا شريعة واحدة لكل المواطنين، و ليس ذلك فقط بل  لم تعترف المسودة بحقوق و حريات  المواطنين أتباع العقائد الأخرى مثل اللادينيين والشيعة والبهائيين والبوذيين و غيرهم، و هى لا تساوى بينهم وبين المنتمين لطوائف الغالبية و هم أهل السنة و الجماعة،  وكنقيض لفكرة المواطنة  أصبح للدولة دورا دينيا لا يجب أن تؤديه، بل أن يكون شأنا خاصا بالأفراد و بمؤسسات المجتمع المدنى بما فيها المؤسسات الدينية التى يجب أن تتمتع بالحرية و الاستقلالية عن الدولة، و أن لا تكون مندمجة معها مما يشوه دور كل منهما.
* مشكلة المواد المتعلقة بالمبادىء العامة والحقوق والحريات فى المسكوت عنه أكثر مما  فى المذكور فى أحيان كثيرة، برغم أن المذكور كثيرا ما يكون مجرد ثرثرة إنشائية محلقة فى الفراغ، و لغو قول لا أكثر و لا أقل، لأن القائمين على وضع المواد أرادوا  صياغات مائعة يمكن التملص من الالتزام بها  فيرضون دعاة أنصار الحرية والمساواة  بمفهومها الواسع،  و أعداء تلك المبادىء فى نفس الوقت، وتركزت نواياهم عند الصياغة فى التملص الكامل مع المعايير المستقرة دوليا للحقوق والحريات الإنسانية كما وردت فى المواثيق والمعاهدات الدولية، فعلى سبيل المثال تحرم تلك المواثيق والمعاهدات تماما العمل الجبرى والمجانى وكافة أشكال الاتجار فى البشر والرق، فتجدهم لم يضمنوا تلك المبادىء فى مواد الدستور من البداية، و لا أعلنوا التزامهم بتلك المواثيق والمعاهدات، و لذلك وضعوا  المادة 63 التى تنص على "أنه لا يجوز فرض أى عمل جبرا إلا بمقتضى قانون" و كان من المفروض أن يطلق الحذر على العمل الجبرى والقسرى والرق والسخرة، بلا أى قيد من أى قانون بما في ذلك التجنيد الجبرى نفسه الذى تنص عليه المادة 7 التى تتنافى وحرية الضمير، وهو نص كارثى يتنافى والكرامة الإنسانية والحرية التى ما أتت ثورة 25 يناير إلا لتحقيقها ليسمح النص فى جوهره بالعمل الجبرى و المجانى و بالسخرة التى هى أحد أشكال الرق المخففة طالما نظمه القانون، فى ظل عدم تناول مسودة الدستور أصلا أى نص يمنع الرق والسخرة والاتجار فى البشر.
و استمرار لنفس التناقض فالمسودة تنص على أن مبادىء الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع فى حين أن المشرع لن يستطيع عمليا أن يطبق الحدود الجزائية منها لأنها تتعارض مع مبدأ عدم جواز توقيع عقوبات جسدية أو وحشية أو حاطة بالكرامة البشرية و التى تنتهك حرمة الجسد وسلامته  المنصوص عليها فى المعاهدات الدولية ومنها الرجم وقطع اليد والجلد و التى لا تتوافق أيضا  
ونص المادة 41 من المسودة " و لجسد الإنسان حرمة"،  ونص المادة . 
المادة 36 من المسودة  
 التى تنص على أن كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته بأى قيد، تجب معاملته بما يحفظ كرامته. ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيا أو معنويا. 
Top of Form
* المواد الأربعة الأولى كلها شكلا ومضمونا تتنافى و مبدأ المواطنة  وذلك  بنصها على دين معين رسمى للدولة، و الدولة  جهاز لا يدرك و لا يعقل، حتى يؤمن أو لا يؤمن بعقيدة ما، وهو غير مكلف و لا محاسب و لا مراقب إلا من قبل ملاكه، و هم المواطنين المتجنسين بجنسية الدولة، و المتساوين فى الحقوق والواجبات بلا استثناءات ولا  تمايزات بينهم، والعقلاء و من ثم المنتمين لشتى العقائد و الأفكار، و الدولة لا عقل لها و لا وجدان حتى تتبنى أو تنتمى لقومية معينة أو لثقافة بذاتها، و لا معنى مفيد من ذكر أن إقليمها جغرافيا موجود  بمكان ما على كوكب الأرض، أو أن شعبها و هو جموع الأفراد المتجنسين بجنسيها ينتمى ككتلة متجانسة لهويات جماعية أخرى خارج حدود الدولة أو هوية واحدة داخلها، و هو ما يتنافى والواقع فعليا، ومن ثم يصبح مجرد نص انشائى لا معنى له، ، فالمصريون هم كل حاملى الجنسية المصرية، بالأصالة أو بالتجنس، و لا شىء غير ذلك، عربا كانوا أو غير عرب، مسلمون كانوا أو غير مسلمين،  و إن كان   هناك ثمة ضرورة عملية للنص على استخدام لغة ما لتسهيل أداء الدولة لوظائفها الرسمية، فيمكن الاكتفاء بأن ينص على أن تكون لغة غالبية السكان، و هى اللغة العربية مع النص على حق استخدام الأقليات غير العربية للغاتهم الخاصة فى بعض الظروف.
*  المادة 81  تنص على "تُمارس هذه الحقوق والحريات بما لا يتعارض مع المبادئ الواردة فى باب الدولة والمجتمع بهذا الدستور" و هى المواد المطاطية والإنشائية وغير المتوافقة مع المعايير المنضبطة لممارسة الحقوق والحريات الإنسانية السابق نقدها.
فتقييد الحقوق والحريات المنصوص عليها بالدستور بالنص على أن تكون  فى حدود القانون، أو بما ينظمه القانون أو تحديدها فى حدود أحكام الشريعة، أو بما لا يخالف قيم المجتمع الخ، هى  كلمات فضفاضة، يفرغ تلك الحقوق والحريات من مضمونها فى حين أنه من المفروض النص على إطلاقها، فالأصل فى الحقوق والحريات الإنسانية هو الإباحة المطلقة، و أنها لا ينبغى أن  تقيد إلا للحفاظ على الصحة العامة، والأمن العام، والسكينة العامة، و النظام العام، و فيما يتعلق بالثلاث تحديدات الأولى، فالمسألة واضحة و لا تحتاج لنقاش، و المشكلة تكمن فى عبارة النظام العام فهى كلمة مطاطة و مرنة لا يمكن تحديدها بدقة، و هى البوابة التى ينفذ منها الطغاة والمستبدين وأعداء الحرية، ومن ثم يجب أن تحدد  بمبادىء الدستور، و الإعلانات والمواثيق الدولية لحقوق وحريات الإنسان، و مبادىء العدالة الطبيعية، و مبادىء ثورة يناير نفسها، وهى العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، باعتبارها أفضل تحديدات وتخصيصات ممكنة لعمومية كل من النظام والصحة والسكينة والأمن، فبشكل عام تكررت الإحالة للقانون كثيرا مما يضع القانون فوق الدستور، و يمنح للدولة سطوة كبيرة فى تقييد تلك الحقوق والحريات، و من ناحية أخرى يضع للدولة وصاية شمولية على المجتمع  باسم حماية القيم والأخلاق والعادات والتقاليد، وهو ليس دور الدولة المحصور فقط فى تشريع القوانين و تطبيقها لا غير،  و التى تحفظ الأمن والسكينة والصحة والنظام العموميين لسائر المواطنين بحيث  لا تتعدى حرياتهم تلك الحدود.
*  المواطنة معناها أن يكون المواطن الفرد الحر المستقل هو أساس المجتمع و الدولة، و ليست الأسرة أو أى كيان آخر غير الأسرة، بعيدا عن علاقة التجنس التى تجعله منتميا للدولة، و حاملا لوثائقها الرسمية، و هى علاقة تعاقدية متبادلة حرة، لا ينبغى أن تكون قائمة على الإذعان، و فى مضمونها لا يجب أن تعطى للدولة هيمنة فوقية بلا حدود تتجاوز حدود التعاقد الذى يضع أصوله الدستور، و لا ينبغى لتلك الهيمنة،و إن كانت مقبولة فى شئون سيادية بعينها تخص حماية المصالح العامة للمواطنين، أن تصل إلى حد تهذيب المواطنين وإصلاحهم بما تراه السلطه من صلاح، ومراقبة كل سلوكياتهم و إجبارهم على تبنى سلوكيات و أفكار معينة تراها الدولة تتخطى حواجز الحريات الشخصية للمواطنين، مما يضع قيودا على الفرد واستقلاليته وحريته، كما تنص المادة العاشرة، و وفقا  لما سبق فإنه  لا يجوز ربط الأسرة باعتبارها كيان تعاقدى حر بين أفراد أحرار مستقلين ومسئولين عن أنفسهم و عن أبنائهم  بدين ما، أو بقيم فضفاضة و غير محددة كالأخلاق و الوطنية التى تحتمل تفسيرات و تأويلات متعددة بين نفس المواطنين المتساوين فى الحقوق والواجبات.
* مشكلة هذا الدستور أيضا شأنه شأن الدساتير السابقة فى عدم التجانس و فى التناقضات بين مواده المختلفة، فالمادة 33 
تنص على أن المواطنون لدى القانون سواء؛ و هم متساوون فى الحقوق و الواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك فى حين أن  المادة 4 الخاصة بالأزهر، و المادتين 43 و 44 تقيد كلها حرية العقيدة لدى بعض المواطنين، و لا تساوى بينهم، و تميز بين المواطنين بسبب عقائدهم المختلفة، و تعطى امتيازات لأتباع الدين الإسلامى عن باقى اتباع الأديان الأخرى من ناحية، و لأتباع الأديان التى تطلق عليها مسودة الدستور سماوية عن باقى أتباع الأديان غير السماوية بضمان كفالة الدولة لبناء دور عبادتهم، فى حين تمنع هذا عن المواطنين غير المنتمين للديانات الأخرى، فضلا عن أن تعبير سماوية نفسه ملتبس لأنه يمكن أن يطلق على أديان الصينيين الذين يعبدون السماء نفسها، وهو ما لم يكن فى حسبان واضعى النص بالطبع إذا حكمنا بظاهره، و الذين سوف يقعون فى نفس المشكلة عند استخدام الإبراهيمية مثلا فالبهائيون إبراهميون وفق التقسيم العلمى لأديان العالم، أو استخدام كتابية مثلا فالهندوس والزرادشت يقولون أن لهم كتب منزلة، وعلى العموم فبناء  دور العبادة شأنا من شئون المواطنين و المجتمع المدنى  لا يجب أن تكون للدولة أى علاقة به إلا فى حدود التنظيم الإدارى، طالما أن كل المواطنين من شتى العقائد يسددون التزاماتهم الضريبية للدولة، فوحدة الواجب والإلتزام توجب وحدة الحق و إلا انهار مقياس العدالة .
حتى لا أطيل على القارىء فسوف أذكر بعض الملاحظات السريعة قبل أن اختم المقال
*  المادة 53 تنص على "ولا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة مهنية واحدة" تقيد الحريات النقابية بمنع التعددية النقابية
* المادة 60  تتنافى وحرية التعليم بالنص على و التربية الدينية و التاريخ الوطنى مادتان أساسيتان فى التعليم قبل الجامعى بكل أنواعه. 
* أبواب ترتيب مؤسسات الدولة تتوافق مع النظام المختلط الرئاسى البرلمانى و هى أكثر ديمقراطية عموما من دستور 71  لكن ما لوث هذه الديمقراطية وقيدها أن المسودة لم تحصن البرلمان من الحل  على يد رئيس الجمهورية، و لا أعطت سلطة للبرلمان لعزل الرئيس،  ولم تلزم الرئيس بتعيين رئيس الوزراء من الأغلبية البرلمانية ولم تنص على ضرورة استقالة الحكومة عند سحب الثقة منها برلمانيا.
* المادة 128 تنص على "يجوز لرئيس الجمهورية أن يعين عددا لا يزيد على عُشر عدد الأعضاء المنتخبين فى مجلس الشورى،  و هو حق يعطى رئيس الجمهورية القدرة على تحديد اتجاهات المجلس و أغلبيته وأقليته و هو حق  سلطوى خطير كما تعطيه المادة 149 حق العفو عن العقوبة أو تخفيفها وهو تدخل فى السلطة القضائية.  
* يشترط فيمن يترشح رئيسا للجمهورية أن يكون مصريا من أبوين مصريين، وألا يكون قد حمل جنسية دولة أخرى، وأن يكون متمتعا بحقوقه المدنية والسياسية، وألا يكون متزوجًا من غير مصرى، كما تنص 195 و هو شرط عنصرى.
*الوزير هو منصب سياسى ولكن تم استثناء وزارة الدفاع فتم النص على أن يكون وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعين من بين ضباطها.  . 
* تنص المادة  219 على أن   مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة. و هى مادة شارحة للمادة الثانية وتؤكد التمييز بين المواطنين بسبب الدين.
* المسودة  لم تحدد وظائف مجلس الشورى و تم النص فيها على  منح سلطة غير عادية للقضاء العسكري تشمل محاكمة المدنيين.
فى النهاية مسودة الدستور لم تنص على احترام المعاهدات والمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان و حرياته، وهو ما يشكل تهديدا خطيرا على تلك الحقوق والحريات.

الاثنين، 11 يونيو، 2012

خرافة-إذا الإيمان ضاع فلا أمان،و لا أمان لمن لم يحى دينا


سامح سعيد عبود
من أكذب ما غنته أم كلثوم هو هذا البيت للشاعر الهندى محمد إقبال من قصيدة حديث الروح "إذا الإيمان ضاع فلا أمان، و لا أمان لمن لم يحى دينا"، وهو أبعد ما يكون عن الحقائق المؤكدة لعلوم الأحياء والنفس والاجتماع، وأبعد ما يكون عن حقائق الحياة والواقع، وخطورته أنه يروج لخرافتين شائعتين تستند عليهما الأصوليات الدينية فى العالم، وهو الربط التعسفى بين الإيمان الدينى وتحقق الأمان الاجتماعى بين البشر، والربط المغالط بين حسن الأخلاق والإيمان الدينى.
أما عن حقائق علم الأحياء، فإن كل من الذكاء كما ونوعا، والعواطف تجاه الآخرين إن حبا أو كرها، والأخلاق إن خيرا أو شرا، تنافسا أو تعاونا، موجودة لدى كل من الطيور والثدييات، وإن بشكل أولى وغامض وبسيط لدى أدناها فى سلم التطور، ثم يزداد كل منهم رقيا وضوحا وتعقدا، كلما أرتفعنا فى سلم التطور، عندما نصل لقمته فى الإنسان العاقل، وكما أن الذكاء ملكات متعددة لفظى وميكانيكى، ذاكرة وتحليل وربط، لا يتساوى البشر بالتمتع بأى منهم، لا من حيث الكم و لا من حيث النوع، فيوجد بجوار العباقرة العاديين والمعاقين ذهنيا، فإن الطيور والثدييات كأفراد أو أنواع تتفاوت أيضا فيما بينها فى فى الذكاء والأخلاق والعواطف، فهناك عباقرة أخلاقيا وعاطفيا، وعاديون ومعاقون أخلاقيا وعاطفيا.
و كالذكاء تماما يتحكم فى العواطف والأخلاق لدى كل من الطيور والثدييات، الموصلات الكهروكيميائية فى المخ، وكيمياء الجسم فضلا عن الجينات الوراثية، وهى أصول مادية للأخلاق والعواطف، و قد نشأت تطوريا من ضرورة الرقود على البيض لدى الطيور حتى فقس البيض، ورعاية الصغار، فضلا عن بناء العش، وضرورة تعاون الزوجين فى كل ذلك، وفى الثدييات ضرورة إرضاع الأطفال ورعايتهم لفترة بعد الميلاد، فضلا عن الضرورات التى أملتها الحياة المشتركة الجماعية فى أسراب الطيور وقطعان الثدييات، التى تسببت فى نشوء عواطف القطيع، وظهور ما يمكن أن نطلق عليه التعاون وتقسيم العمل فيما بينها سواء للبحث عن الطعام أو حماية السرب أو القطيع، وإن كانت رعاية الصغار لدى معظم الثدييات والطيور لا تتجاوز أسابيع أو شهور، فإن احتياجها لمقادير و أنواع من الذكاء والعواطف والأخلاق تكون قصيرة المدى ومحدودة بتلك الحدود، ولما كانت هذه الفترة تطول لدى القردة العليا فتتجاوز ثلاث سنوات، جعلها أكثر تطورا وتعقدا وتنوعا فى هذا الخصوص، وبسبب أن رعاية الصغار لدى البشر تزيد عن عشر سنوات، وقد تدوم العلاقة فى القطيع والعشيرة لعدة أجيال، فأن كل من الذكاء والعواطف و الأخلاق تزداد تطورا وضوحا وتعقدا لتصل لقمتها لدى الإنسان العاقل.
يكتسب الحيوان الثديى أو الطائر سلوكياته وصفاته ومهاراته أيضا من الارتباطات الشرطية، فكلما كذبت فقدت ثقة الناس واحترامهم، فتتعلم تحرى الصدق لتكتسب الثقة والاحترام، وهكذا، وهو أساس إمكانية ترويض الحيوانات فى السيرك،وأساس عمليات التعلم والتربية،والإنسان ابن بيئته الاجتماعية، فيمكن أن يكتسب صفات سلوكية، خيرة أو شريرة، تعاونية أو تنافسية، غيرية أو أنانية، من مجمل التجارب التى يتأثر بها فى أسرته ومجتمعه الأكبر، وهو ما ليس له علاقة بعقيدته الدينية.
يؤثر فى تحديد سلوكيات البشر، أنماط العلاقات الاجتماعية السائدة، تعاونية أم تنافسية، سلطوية أم لاسلطوية، طبقية أم لا طبقية، ويتأثر سلوك الإنسان بوجود الملكية الخاصة أو عدمها،بالحرمان أو الاشباع، ويتأثر سلوكه بموقعه الاجتماعى، سيدا كان أو عبدا، حاكما كان أو محكوما، فقيرا كان أو غنى، وهو ما لا علاقه له بعقيدته الدينية.
العقيدة الدينية فى أصولها ظاهرة اجتماعية منفصلة عن الأخلاق ، وهى فى جوهرها الإيمان بقوى غيبية تؤثر فى حياة البشر والطبيعة، وتقوم على أداء طقوس، وعبادات والإلتزام بتقاليد وعادات وسلوكيات استرضاءا لتلك القوى، دفعا للشر وجلبا للخير، للفرد أو الجماعة، وقد تضمن الأديان أوامر ونواهى أخلاقية، ليس من الضرورى أن تكون خيرة بل ان بعضها يكون شريرا أحيانا، والحقيقة أن البشر غالبا ما يقصرون تدينهم على الجانب العبادى والطقوسى أكثر من التزامهم بالجانب الأخلاقى، ولم يثبت تأثر البشر بتلك الأوامر والنواهى الأخلاقية، فما سبق ذكره من مؤثرات فى الفقرة السابقة هو الأقوى تأثيرا فى سلوكيات البشر بصرف النظر عن إيمانهم من عدمه، وبصرف النظر عن عقائدهم الدينية.
هناك مصالح مؤكدة للبشر مرتبطة بغرائزهم الحيوية فى البقاء والأمن، وهى لن تتحقق لهم دون أن يلتزموا بأخلاقيات خيرة وغيرية وتعاونية فى علاقاتهم الاجتماعية، تحافظ على استمرار تلك العلاقات فى تلبية احتياجاتهم المشتركة،فلو كان شىء مباح لكل فرد منهم، ومع اختلاف الرغبات الفردية، فلن تستمر تلك العلاقات و ولن تحقق المصالح الحيوية للبشر فى البقاء والأمن، ومن ثم فعلى البشر بصرف النظر عن عقائدهم، أن يتعلموا أن لرغباتهم حدودا لا ينبغى لهم تخطيها، وإن الإباحة تنتهى عندما تبدأ مصالح الآخرين، وإلا فإنه لا أمان و لا بقاء لكل الأفراد، ومن يقولون أنهم لو فقدوا ايمانهم فسوف يفعلون كل ما يحلوا لهم بلا رادع واهمون، لأنهم سوف يجدون أمامهم روادع أخرى غير إيمانهم الدينى، كالسجون والنبذ الاجتماعى والكراهية، وسوف يخسرون أشياء كثيرة كالاحترام الاجتماعى وراحة الضمير وحب الناس.
أما وقائع الحياة فهى تكذب القول أنه بضياع الإيمان فلا أمان، وأنه لا أمان لمن لم يحى دينا، على مستوى الأفراد والمجتمعات، و تنفى أى علاقة حتمية بين التدين من عدمه وبين حسن السلوك والأخلاق. فليس كل المتدينين ملتزمون بحسن الأخلاق و محلا للثقة رغم تدينهم، وليس كل اللادينين يتصفون بسوء الأخلاق و لا محلا لعدم الثقة رغم عدم تدينهم، فهناك لا دينيين يقتربون من مستوى القداسة، وهناك متدينون أقرب للشيطنة،فالسلوك الإنسانى المعقد للغاية تجد منابعه من مستويات مختلفة، تجعل كل فردا منا فريدا من نوعه، و لا يجوز الحكم عليه من جانب محدود التأثير فى سلوكه، وهو التدين من عدمه. 

سؤال إلى الإسلاميين بخصوص الاقتصاد الإسلامى



ما هو الاقتصاد الإسلامى فى ضوء أن المستقر عليه فى العلوم الاجتماعية المنضبطة أن النظام الاجتماعى الاقتصادى يتحدد جوهره بنوع العلاقات التى يدخل فيها الناس أثناء إنتاجهم لإحتياجاتهم المادية،وتوزيعها وتبادلها فيما بينهم ، وكل ما غير ذلك من تفاصيل لا علاقة له بجوهر النظام، وقد عرفت البشرية تاريخيا عدد قليل من العلاقات الإنتاجية ومن ثم الأنظمة الاقتصادية الاجتماعية، وهى تنقسم إلى علاقات تعاونية، وعلاقات تنافسية كالعبودية والقنانة والعمل المأجور، وشكلت هذه العلاقات جوهر عدد من الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية و يمكن ذكر العلاقات الإنتاجية التى عرفتها البشرية حتى الآن ليحدد الإسلاميون نوع علاقة الإنتاج التى تحدد جوهر النظام الإسلامى كما يدعون إليه
*تقوم العلاقات التعاونية على تعاون المنتجون الأحرار الذين يملكون ويسيطرون جماعيا على وسائل الإنتاج فى إنتاج وتوزيع وتبادل كافة احتياجاتهم المادية طوعيا وتوافقيا على قدم المساواة فيما بينهم، و وفق تقسيم العمل المتفق عليه فيما بينهم.
*عبودية الملكية تشمل كل حقوق الملكية على العبد، و هى التصرف والاستعمال والانتفاع، و هى حقوق السيد على عبده، وتشمل حرية تدمير الشئ المملوك أو الحفاظ عليه، وهو فى حالتنا هذه قتله أو الإبقاء عليه حيا، وبيعه وشراءه وتأجيره ورهنه، هذه العلاقة هى المقصودة بالعبودية
*الأشكال الأخف من العبودية الكاملة، هى الأشكال الناقصة من ملكية العبيد، التى و أن لم تتضمن بعض أشكال التصرف كالقتل، فأنها تتضمن حقى الانتفاع و الاستعمال، وهى أشكال تنتمى إلى علاقة إنتاج أخرى هى القنانة، وهى تعبر عن طيف واسع من الأشكال التى يجمعها عامل مشترك واحد هو إجبار القن بالعنف سواء أكان ماديا أو معنويا على العمل لصالح سيده، فالسيد هنا ينتفع بعمل القن ويستغله رغما عن إرادة القن فى بعض الأحوال وبنوع من التعاقد الإذعانى أحيانا أخرى، وتتنوع التزامات القن تجاه سيده من أداء عمل جبرى مجانى، أداء التزام عينى أو نقدى مقابل أن يؤدى السيد للقن خدمات ومهام أمنية إدارية وقضائية أو أجور عينية ونقدية وفق قواعد إذعان بفرضها السيد.
* العامل المأجور هو عبد مأجور لدى الرأسمالى صغيرا أو كبيرا ولكنه يتميز عن القن بأنه يملك قوة عمله كاملة، وهو الذى يؤجرها بنفسه للرأسمالى وفق علاقة تعاقدية بينهما تخضع للمساومة وظروف السوق من عرض وطلب، ويمكن للعامل لو شاء أن يمتنع عن تأجير قوة عمله و يموت جوعا أو يتسول أو يسرق، أو يؤجرها لمشترى آخر، فعرض قوة عمل العامل للتأجير لا يأتى من أى قوة جبرية من خارجه، ولكن يأتى من حاجته المادية الداخلية لما يملكه المستأجر الرأسمالى من أجرة قوة عمله، تلك الأجرة التى توفر له إمكانية إشباع تلك الاحتياجات، و طالما أن العامل المجرد من الملكية لن يستطيع الاستغناء عن الطعام والشراب والسكن والكساء، فسوف يضطر إلى تأجير قوة عمله، فعبوديته إذن هى عبودية الاضطرار لا عبودية الجبر. وهذه العلاقة تشكل جوهر النظام الرأسمالى سواء أن صغيرا وبدائيا أو كبيرا ومتقدما
* الإنتاج الفردى و فيه يهدف الفرد المستقل لإنتاج منتج أو تقديم خدمة مع تبادل بسيط يقوم على المقايضة أساسا بين منتجاته أو خدماته، و بين منتجات الآخرين أو خدماتهم،و فى بعض الأحوال يتحول هذا العمل الفردى لعمل عائلى عندما يشارك أفراد عائلة الفرد المستقل فى نشاطه الإنتاجى أو الخدمى بشرط أن يكون عائد عملهم هو ما يستهلكوه معه من ناتج عملهم.
وختاما إلى أى من هذه العلاقات ينتمى الاقتصاد الإسلامى؟ 

لماذا يعادى الاشتراكيون التحرريون (الأناركيون) الرأسمالية؟


يتفق كل من الاشتراكيين التحرريين والماركسيين على الطبيعة الاستغلالية لعلاقات الإنتاج الرأسمالية، و التى جوهرها هو استخدام العمل المأجور لإنتاج سلع قيمتها أعلى مما يحصل عليه العمال من أجور، فالعمل البشرى هو منتج كل الثروات والسلع والقيم والتى تنقسم إلى أجور يحصل عليها العمال، وفائض منهوب منهم يتوزع على باقى شرائح وطبقات المجتمع البرجوازية، سواء فى شكل مباشر للرأسمالى الصناعى والزراعى فى صورة أرباح أو شكل غير مباشر للرأسمالى التجارى والمالى، ثم عن طريقهم لباقى شرائح وطبقات المجتمع الأخرى، فى صور أرباح وفوائد وريوع وأجور وامتيازات نقدية وعينية.
نظرا لأن ماركس استغرق معظم عمره ليثبت تلك الحقيقة، فقد غاب عن عبقريته أن غياب الملكية الخاصة البرجوازية ليس كافيا لاختفاء الاستغلال الرأسمالى، فالجهاز البيروقراطى للدولة الذى يدير الملكية العامة، قادر على استغلال قوة العمل، وأن ينتزع منها فائض الثروة التى تنتجها، لصالح الأفراد القائمين على إدارة أجهزة الدولة ومباشرة أعمالها، والذين يوجهون الإنتاج والتوزيع والتبادل بما يحقق مصالحهم كأفراد وكطبقة صاحبة امتيازات.
لا يتوقف الأناركيون إذن عند الطبيعة الاستغلالية للرأسمالية، إذا أنهم يعادونها أيضا لأنها علاقة إنتاج سلطوية مثلها مثل العبودية والقنانة،سواء بسواء.
فصاحب العمل سواء أكان الدولة أو الرأسمالى لا يشترى حرية و جهد و وقت العامل خلال ساعات العمل فقط، أنه يشتريهم فى ذهاب العامل لموقع العمل والعودة منه ، وما يستغرقه فى النوم والراحة ليستعيد نشاطه، و ما يقضيه من وقت فى الطعام والعلاج ليقوى على الاستمرار فى بيع حريته وجهده ووقته لصاحب العمل ، وما ينفقه من مال ووقت وجهد من أجل انجاب وتربية عبيد آخرين، ليكرروا نفس المأساة.
العامل الأجير فى النهاية لا يختلف كثيرا عن أى عبد، ولا يجب أن يتوهم أنه حر فى أختيار ما يستهلكه من سلع، فهى محدودة بما يحصل عليه من أجر، وبما يفرضه الرأسمالى لها من سعر، ليس ذلك فحسب فصاحب العمل يفرض ما هى السلع التى تنتج وتطرح فى السوق، وما هى السلع التى يتوقف عن إنتاجها، و ما هى السلع التى يطورها، وهو من يحدد كمية ما ينتجه منها، فيحدث كساد لو زادت عن احتياجات المستهلكين، فتنخفض أسعارها، ويطرد العمال للبطالة، أو ندرة لو قلت عن هذه الاحتياجات، فترتفع أسعارها فلا يستطيع المستهلكون شراءها، وهو فى سبيل استمرار الإنتاج واستمراره فى انتزاع الربح، يخلق احتياجات غير طبيعية للمستهلكين، ويغير من أذواق الناس، لتستمر عجلة الإنتاج الرأسمالى فى الدوران.
الرأسماليون كأفراد ومؤسسات وطبقة يستبدون بأحوال البشر ويتحكمون فى الموارد البشرية والطبيعية بحكم امتلاكهم وسيطرتهم على الثروة دون باقى البشر المحرومين منها، بعيدا عن الرقابة الشعبية والرأى العام ،فيستثمرون فى منطقة، ليحدث فيها تشغيل للسكان، ويسحبون استثماراتهم من منطقة فيحدثون بطالة بين السكان، قادرين على أن يزرعوا ما يملكوه من الأراضى،يستصلحوا أراضى أو يبوروها، و يضاربوا عليها فترتفع أسعارها وتنخفض،أن يسثمروا أموالهم فى الصناعة،أو يضاربوا بها فى البورصة، ويؤثرون على البئية تلويثا واهلاك لمواردها ، وهم فى كل هذه القرارات يؤثرون على حياة الناس ، الذين لا حول لهم ولا قوة أمام هذه القرارات المستبدة بهم، و لا شك أن من فى إمكانهم أن يقرروا تلك القرارت هم مجرد رجال أعمال لا علاقة لهم بالسياسة المباشرة ، أو أجهزة الدولة القومية أو المنظمات العالمية، ولم يختارهم أحد بحرية ليتخذوا قرارت تؤثر على حياتهم كالساسة المنتخبين، و لا يمكن أن يحاسبهم أحد على قرارتهم مثل الساسة المنتخبين، فهم فى كل الأحوال بعيدا عن تأثير إرادة المستهلكين والمنتجين.
فى مثل هذا النظام لا يمكن الحديث عن الديمقراطية أو الحرية طالما أن غالبية سكان الأرض تتخذ بشأنهم قرارات تؤثر فى حياتهم دون أن يحق لهم الاعتراض أو التأثير فى متخذى القرار ومنفذيه. و حيث تستطيع الشركات المتعدية الجنسية نقل استثماراتها والرأسماليون الماليون فى نقل الأموال عبر العالم بلا قيود ، مما يؤثر على الاقتصاديات فى الدول القومية المختلفة انكماشا وتوسعا ،وبطالة وتوظفا، بعيدا عن إرادة المواطنين .مما يرغم الحكومات على التسابق على إرضائها بالإعفاءات الضريبية والجمركية ، وتخفيض الإنفاق الاجتماعى، بعكس رغبة الناخبين . والحقيقة أن أى معارضة فى العالم لن تفعل خير مما تفعله أى حكومة قومية فى العالم الآن مهما تحسنت نواياها تجاه شعوبها وأيما كانت برامجها ، فستفاجأ حين تصل إلى دست الحكم أنها مقيدة بأوامر ديكتاتورية أسواق المال العالمية والتى يجسدها الرأسماليون العالميون التى تنتقل أموالهم وسلعهم عبر العالم بلا قيود ، ومن ثم فالتأميم وفرض الضرائب على الأرباح ورأسالمال ،و الإنفاق الاجتماعى وضمان حقوق الإنسان الاجتماعية والثقافية بما فيها حقوق الإضراب ، و تكوين النقابات هى أمور غير مسموح بها فى ظل هذه السلطة الأممية التى تجاوزت منذ زمن الحدود الدولية و الولاءات العاطفية ،وهى تمارس ديكتاتوريتها الشمولية عبر وسائل غير دموية ، فقهرها ينبع من احتياج دول العالم لما فى يدها ، و من ثم يجب استرضاءها حتى تأتى ، ومن هنا لا إمكانية لمقاومتها إلا عبر العالم .
وأخيرا الرأسماليون يملكون الثروة، و هم وحدهم القادرين واقعيا على الفوز فى الترشيح للمجالس التمثيلية والسياسية الذى يكتفى المحرومون منها واقعيا بمجرد حقهم القانونى والشكلى فى الترشيح، فليس لهم سوى اختيار أى من هؤلاء المرشحين سيمثلهم لعدة سنوات، معتمدين فى اختيارهم على مدى تأثرهم بالدعاية الانتخابية التى يحتكر وسائلها الرأسماليون الذين يمثلهم هؤلاء المرشحين الذين يجب أن يعبروا عن مصالح الرأسمالين. 

الأحد، 10 يونيو، 2012

كل السلطة للخيال!.. ! دفاعا عن الخيال


كل السلطة للخيال!.. ! دفاعا عن الخيال

سامح سعيد عبود

المقصود بالخيال هنا هو وضع تصورات ذهنية مسبقة بواسطة المخ لإحداث تغيرات بالواقع الطبيعى أو الاجتماعى، هذا الخيال المميز للرئيسيات عموما والعليا منها خصوصا وعلى رأسها الإنسان العاقل، هو السر الكامن وراء كل التطورات التقنية والاجتماعية التى حققها البشر عبر ملايين السنين، والافتقار إلي هذا الخيال لا معنى له سوى الجمود والتخلف،والمشكلة الحقيقية التى تعوق التطور هو أن الغالبية الساحقة من البشر تربى اجتماعيا بحيث تعادى هذا النوع من الخيال وتقاومه وتضطهد من يملكه ويمارسه،  فالناس غالبا ما ينشدون استقرار الواقع على ما هو عليه، ويخافون مما يجهلون، وما يطرحه الخيال عليهم من تغيرات عما اعتادوا عليه، إلا انهم فى النهاية ينساقون لاستهلاك كل منتجات الخيال التى سبق وقد رفضوها من القلة الطليعية المبدعة التى تجرأت على تغيير الواقع، والسفر بهم للمجهول.

هذا النوع من الخيال هو ما جعل القرد يضع عصا طويلة فى عش النمل ليسهل عليه اصطياده، أو يسقط حجرا على ثمرة الجوز ليهشمها، وهو ما دفع بإنسان فى الغابة لأن يفكر فى شحذ الحجر لتكون له حافة حادة ليسهل عليه تقطيع لحم الفريسة، وليركب هذا الحجر على عصا ليسهل عليه طعنها من بعد، وهو نفس الخيال الذى جعل مايكروسوفت تبتكر نظام النوافذ ليسهل على الناس استخدام الكومبيوتر، بدلا من الدوس المعقد،وهو الخيال الذى جعل مجموعة عمال بسطاء فى قرية روتشدل عام 1844 لابتكار مؤسسة للتعاون الاستهلاكى حمتهم من ارتفاع أسعار السلع، وسرعان ما تحولت فكرتهم البسيطة لحركة عالمية لها منظماتها وقوانينها، وأصبحت أساسا لحركات سياسية واجتماعية تتبنى إقامة مجتمع قائم على أساس فكرة التعاون ومبادئه وأهدافه، وهو نفسه ما دفع صغار التجار والحرفيين المصريين لتطوير نظام الجمعية الشهرية لتمويل أعمالهم بعيدا عن القروض وفوائدها.

كبشر نولد جميعا ولدينا ملكة الخيال فضلا عن ملكات الفضول المعرفى، لكننا اجتماعيا نولد فى مجتمع، تتعمد مؤسساته السلطوية على قمع تلك الملكات،واستأصالها أحيانا، وتقليصها أحيانا أخرى فى الحدود التى تخدم مصالحها واستمرار تسلطها، فالسادة ولكى تستمر سيادتهم، من مصلحتهم أن يقتنع عبيدهم بطبيعية وضعهم وأنه من نواميس الكون،لا يمكن مخالفته، فلا يحلمون بامكانية التحرر من العبودية، ويظل غاية مرادهم، هو استخدام خيالهم لتحسين شروط عبوديتهم، فالمطلوب قطعة لحم أو جبنة على قطعة الخبز الجاف الذى يسمح لهم بها السادة. و من نتائج هذا الفقر فى الخيال، أن عمال الشركات التى حكم بإلغاء خصخصتها، طالبوا بعودتها للقطاع العام، وهو ما رفضته الحكومة،وطعنت عليه، دون أن يتخيلوا أنه يمكنهم المطالبة بإدارتها ذاتيا، أو تحويلها لتعاونيات لصالح العاملين فيها.

هذا الفقر فى الخيال تخلقه مؤسسات التعليم التى تعتمد على التلقين والكتاب المقرر بل والإجابة النموذجية، وتقدر حفظ المعلومات واسترجاعها، وعدم تشجيع النقد والاختلاف والإبداع، وتخلقه مؤسسات الدين المنظم والعادات والأعراف الاجتماعية المحافظة التى تستنكر الخروج عن المألوف والمعتاد، ومن أسوء النماذج على ذلك ما يفعله دعاة السلفيين فى أتباعهم، حيث يحولونهم وفق مبدأ الطاعة العمياء لمجرد آلات مبرمجة على الفعل والقول، حيث تحول كل سلوك إنسانى تافه أو غير تافه لديهم ومن لحظة الاستيقاظ وحتى الدخول فى النوم، إلى نمط واحد من السلوك والكلام، من يخرج عليه فقد ارتكب أثما، وفقد ما يثقل من ميزان حسناته يوم الحساب، وتخلقه مؤسسات الإعلام والثقافة التى تحولنا جميعا لمجرد متلقين سلبيين لما تلقيه علينا من مواد، وما تتلاعب به من مشاعرنا، وتحشره فى عقولنا من معلومات، وما تلهينا به من استعراضات،تجعلنا نلهث وراءها دون أن تعطينا فرصة للفهم والتأمل.

ما سبق ذكره ضروري للرد على من يرفضون أى أفكار اشتراكية على أساس أن الاشتراكية فشلت وانهارت فى بلادها الأصلية، والرد على تساؤل غريب عن نموذج لبلد يطبق الأفكار الاشتراكية التحررية الأناركية كى يمكنهم الحكم عليها، لاحظ أن كثير من هؤلاء يحلمون بعودة الخلافة الإسلامية رغم سقوطها هى أيضا، و لا يلتفتون لنماذج حية فاشلة فعليا أمام ناظرينا للنموذج الإسلامى فى الصومال وأفغانستان والسعودية وإيران باكستان والسودان، إلا أنه الكيل بميكالين وهو يؤكد عيبا خطيرا فى طريقة التفكير والاستدلال.

فيما يتعلق بالنظم الاجتماعية لا يجوز النظر إليها بمنطق الفشل والنجاح، إذ أن هذه النظم تعبر عن مصالح طبقات و لا تعبر عن مصالح طبقات أخرى، فالرأسمالية برغم كل أزماتها ومآسيها واخفاقاتها ونجاحاتها ومميزاتها وعيوبها، هى التعبير عن مصالح الرأسماليين، وضد مصالح البروليتاريا، وسوف يظلون يدافعون عنها حتى رمقهم الأخير مثلما دافع الإقطاعيون عن الإقطاع،وسوف تظل البروليتاريا تناضل ضدها، أما الاشتراكية السلطوية التى انهارت فقد كانت تعبر عن مصالح البيروقراطيين، وقد قامت وانهارت لأسباب موضوعية لا مجال لذكرها فى هذا المقال القصير، أما الاشتراكية التحررية (الأناركية) فهى تعبر عن مصالح الغالبية الساحقة من البشر، و لحظات تحققها على نطاق واسع فى التاريخ كانت قصيرة فى روسيا وأسبانيا، وإن كانت تجربة اقليم تشيباس بالمكسيك مازالت قائمة منذ 15 عاما إلا أن هذا ليس مهما على الإطلاق لسببين أولهما أن الاشتراكية التحررية تقوم على أساس الممارسات التعاونية الطوعية والديمقراطية المباشرة، وهى ممارسات وعلاقات ومؤسسات موجودة فعليا فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فى العالم كله، وإن كانت هامشية وليست سائدة،السبب الثانى مع افتراض أن الاشتراكية التحررية مجرد كلام نظرى لم يجد طريقه للتطبيق، ألا يستحق منا محاوله تحقيقه على أرض الواقع.

أعتقد أن مشكلات انتفاضات الربيع العربى ترجع فى جزء كبير منها لفقر مزمن فى الخيال فى مجتمعات تأكلها الرجعية والمحافظة والتقليدية وعبادة الشرعية ،والعقليات النقلية والنصية رغم أن الثورة هى الخروج عن المألوف والمعتاد والنقد الأكثر جذرية للواقع، هى الفرصة التى يخرج منها الخيال من قمقمه،و لامخرج من مشكلات الربيع العربى إلا بإعطاء كل السلطة للخيال، وذلك بأن يتخلى الناس عن طوباويتهم الإصلاحية، وأن يتحلوا بالواقعية ويطلبوا المستحيل.

التعاون الاسكانى والحق فى السكن


التعاون الاسكانى والحق فى السكن

 

سامح سعيد عبود

الاسكان التعاونى فى مصر هو أبعد أشكال التعاون عن القيم والمبادىء التعاونية وهو الأقرب للرأسمالية والدولة وبيروقراطيتها من القطاعات التعاونية الأخرى من زوايا عديدة،هى:

الجمعيات التعاونية الاسكانية، فى الحقيقة هى مجرد شركات رأسمالية تستفيد من الإعفاءات الضريبية والجمركية، والدعم الحكومى، على عكس الشركات العقارية التجارية، ومن ثم تتضاعف مكاسب أعضائها، مقارنة بأصحاب الشركات الرأسمالية.

ينتج التعاون الإسكانى سلعه العقارية المختلفة، أرضى، شقق، فيلات، محلات، باستخدام العمل المأجور المتمثل فى عمال البناء والتشييد، العاملون غالبا فى شركات مقاولات مملوكة للرأسماليين، أو لدى مقاولين أفراد، ومن ثم لا تلتزم تلك الجمعيات بمبدأ الاستقلالية عن الرأسمالية والدولة، و الموقف التعاونى الصحيح أن لا تتعامل جمعيات الاسكان التعاونية إلا مع جمعيات تعاونية إنتاجية للبناء والتشييد،أو جمعيات تعاونية لليد العاملة من عمال البناء والتشييد، وإن لم يكن هذا متاحا لها فعليها أن تساعد فى إنشاء تلك الجمعيات، أولا عبر الإتحاد الإسكانى التعاونى قبل أن تبدأ فى ممارسة نشاطها، أو تتحول هى لجمعيات تعاونية إنتاجية للبناء والتشييد.

تبيع الجمعيات التعاونية الإسكانية  هذه السلع العقارية ، أحيانا للأفراد بأسعار السوق الرأسمالى، أو تشتريها منها الدولة، بأسعار الجملة، لتبيعها بنفسها بأسعار مدعمة للمستهلكين، عبر الهيئة العامة للتعاونيات، وهى هيئة حكومية، وبأقساط طويلة الأجل يتم سدادها وفق نظام للقرض التعاونى.

من النقطة السابقة تحديدا، تتحول العقارات التعاونية المباعه، لسلع يتم المضاربة عليها من قبل المشترين الذين يشترون الوحدات، ويتركونها بدون استخدام لفترات متفاوتة، فترتفع أسعارها، ويبيعونها ، أو يؤجرونها، وفق أسعار السوق الرأسمالى، وتتحول أحيانا لنوع من أنواع الإدخار، المحجوز من التداول والاستفادة منه لسنوات طويلة، ونتيجة لذلك أصبح لدينا 6 مليون وحدة عقارية بنسبة 20% من إجمالى عدد الوحدات، مغلقة و معدة للمضاربة و الادخار،  و تشكل الوحدات التعاونية الأصل نسبة كبيرة منها، بسبب رخص أسعار شراءها، والمكاسب الهائلة من المضاربة عليها، بمقارنتها بأسعار الوحدات الرأسمالية.

الوضع السابق مطابق تماما لما يحدث فى الوحدات السكنية المدعمة التى تنشئها الدولة لمحدودى الدخل، والتى يتم تمليكها لهم فور الشراء أو بعد فترة من سداد الأقساط، لكن حجز الوحدات وشراءها، والاستثمار فيها بالبيع أوالتأجير، نشاط استثمارى هائل، معفى من الضرائب، وأداة هامة لغسيل الأموال، و هو ينتمى للاقتصاد غير الرسمى.

نتيجة عشوائية الاستثمار الرأسمالى المضارب الصغير، ونتيجة كل من الثقافة الفردية  التى لا تحترم مفهوم الملكية العامة، والتسيب والفساد الحكومى، يتم تشويه العقارات بأعمال فردية تغير من طبيعة استخدامها، وتعتدى على حقوق الملكية العامة ،مما يشوه من مظهرها الحضارى والصحى، ليحولها فى بعض الأحوال لعشوائيات.

الحل الأمثل لوقف هذه النتائج، هو التوقف تماما عن فكرة بيع الوحدات العقارية، على أن يتم تأجيرها للمستأجرين الذين ينتفعون من استخدامها فعليا، بعقود طويلة الأمد لمدد من أربعين إلى ستين عام، ومنعهم من تأجيرها من الباطن.

بعيدا عن هذا الشكل التعاونى الزائف والمشوه، يمكن للفكرة التعاونية ومع الإلتزام بمبادئها وقيمها، أن تحل مشكلة السكن لمحدودى الدخل، بعيدا عن الدولة والبقرطة والرسملة، إذ يمكن لمجموعة من الأفراد والأسر، أن ينتجوا لأنفسهم وحداتهم العقارية ، وبهدف استخدامها الفعلى لسكنهم بعيدا عن فكرة الاستثمار سواء بالبيع أو التأجير.

و يمكن أن يستفيدوا من نموذج الإسكان الفندقى، الذى أصبحت تفضله قطاعات كبيرة من الطبقة البرجوازية العليا، لكن بدلا من الشقق الفندقية الفاخرة، يمكن أن يبنى محدودوا الدخل  ما هو أرخص وأقل رفاهية، وهذا يعنى أن يتم تصميم العقار بحيث يوفر غرف وأجنحة بملحقاتها التى توفر الخصوصية للأفراد و للأسر وفق عدد أفرادها، على أن تكون كثير من الخدمات مشتركة فى العقار كالمطابخ والمغاسل والمطاعم وغيرها من الخدمات،على أن يتفق أعضاء التعاونية على تقسيم العمل المشترك فيما بينهم لتوفير وتلبية تلك الخدمات، وهذا سوف يحقق وفر هائل لهم فى نفقات تجهيز المساكن فلن يحتاج كل منهم لتجهيز مطابخ خاصة بكل ما تحتاجه من أجهزة كهربائية ومواقد و أدوات للطعام، وذلك على سبيل المثال، كما أنه يمكنهم توفير احتياجتهم الاستهلاكية المختلفة وفق التعاون الاستهلاكى، وهذا يمكن أن يخفض  للغاية من نفقات المعيشة بالنسبة لهم، وذلك بشراءها من المنتجين المباشرين بسعر الجملة، بل وإنتاج بعض هذه الاحتياجات الاستهلاكية جماعيا خصوصا فيما يتعلق بالغذاء، وبالطبع لو كان مكان البناء بعيدا عن المدن حيث الأرض أرخص يمكن أن يضاف للعقار مزرعة صغيرة لتوفير الاحتياجات الغذائية لملاك التعاونية.

التعاون فى النهاية هو الحل لتوفير الحق فى السكن الصحى والملائم، ومن المؤكد أنه لا الدولة و لا بيروقراطيتها الفاسدة والطفيلية، و لا الرأسمالية باستغلالها للعمال والمستهلكين، يمكن أن يقدما حلولا لمحدودى الدخل طالما كان منطق الربح والسيطرة هو منطقهما،المشكلة الحقيقية التى تعوق تحقيق هذه الفكرة على أرض الواقع، هى فى العقليات المحافظة، والثقافة الفردية السائدة.

العائق ليس فى التمويل، حيث يمكن توفير أرض رخيصة، والبناء بمواد رخيصة وفق التصميمات الهندسية التى صممها المهندس المعمارى حسن فتحى لقرية القرنة، بالحجر الجيرى، وبدون استخدام الخرسانة المسلحة، و الذى مات دون أن يسمع أحد كلامه، كعادتنا شعبا وحكومة مع كل مبدع ومفكر، ومختلف عن القطيع، واعتباره مجنونا، فكانت النتيجة أن تحولت مساكننا ومدننا وقرانا لغابات من الأسمنت والطوب الأحمر الذى استهلكنا بسببه التربة الزراعية المحدودة أصلا، و أفقرناها وبورناها للأبد، لنكسب بدلا منها مساكن قبيحة وغير صحية، وغير صالحة للسكن ، لا تتناسب  مع مناخنا الحار والرطب فى الصيف، مع كل ما ترتب على ذلك من آثار أخلت فى النهاية بحق المواطن المصرى فى السكن الصحى.

افتتاحية الحوار المتمدن حول الحركة الاشتراكية التحررية وصعودها مجددا وعلاقاتها بربيع الثورات الحالى



افتتاحية الحوار المتمدن
حول الحركة الاشتراكية التحررية وصعودها مجددا وعلاقاتها بربيع الثورات الحالى
سامح سعيد عبود
نشأت الحركة الاشتراكية التحررية فى أواسط القرن التاسع عشر لتشكل العمود الفقرى والاتجاه الرئيسى فى الحركة الأناركية  بمدارسها المختلفة والمتناقضة، والتى يجمعها جميعا رفض السلطة المتعالية والمنفصلة عن إرادة الخاضعين لها فى كل العلاقات الاجتماعية والإنسانية، وكان نشوء الحركة الاشتركية التحررية نتيجة كل من أولا التدخل المتزايد للدولة البرجوازية الحديثة فى حياة الأفراد، ومؤسسات المجتمع المدنى المختلفة، ومجتمعات الإكتفاء الذاتى، والحكم الذاتى المحلى فى القرى والبلدات المختلفة، سواء داخل الدولة القومية الحديثة أو داخل الإمبراطوريات الاستعمارية، وتقييد الدولة المركزية الحديثة لحرية ولاستقلالية تلك التجمعات البشرية، والقضاء على التنوع الاجتماعى والثقافى فى الثقافات والعادات والتقاليد والأعراف المحلية بالتنميط والقولبة عبر مركزية الدولة الحديثة، و ثانيا الرأسمالية التنافسية المتوحشة التى ميزت القرن التاسع عشر، و التى لم تكن اكتسبت الخبرة بعد لتخفى أو تخفف حدة الصراع الطبقى المحتدم، هذا على مستوى الظروف الاقتصادية و الاجتماعية والسياسة التى نشأت على خلفيتها الحركة الاشتراكية التحررية، إلا أن الحركة أيضا كانت وليدة فكريا لرفض مفهوم اشتراكية الدولة الماركسية، برغم تأثر معظم الاشتراكيين التحرريين بالجوانب العلمية فى الماركسية خاصة فيما يتعلق بنقد الرأسمالية و فهم التطور الاجتماعى، وقد أثبتت التجربة التاريخية صحة هذه الانتقادات حيث أعادت الدولة العمالية إنتاج المجتمع الطبقى والاستغلال والقهر مجددا.
أما أهم الأحداث الذى برز فيها دور الأناركيين فهى كوميونة باريس 1871 ، الثورة الروسية1917، الثورة الأسبانية 1936، حركة مناهضة العولمة والحرب فى بداية القرن الحالى، و أريد أن أشير إلى أننا نحتفل فى أول مايو من كل عام بعيد العمال العالمى تخليدا لذكرى اعدام قادة اضراب شيكاغو 1881 الذين كانوا أناركيين،  وتجربة المجتمع الأناركى المستمر منذ 15 عاما فى أقليم تشيباس فى المكسيك بقيادة حركة زاباتيستا، وأخيرا حركة احتلوا الميادين الحالية فى إطار ما يشبه ارهاصات ثورة عالمية بدأت شرارتها فى تونس وأشعلت الربيع العربى لتنتقل للعالم، ولم تكن مصر كنموذج للبلاد العربية ببعيدة عن ذلك حيث تواجد الأناركيون فى أوساط الجاليات اليونانية والإيطالية فى نهاية القرن التاسع عشر، وشاركوا العرابيين ثورتهم  ومقاومتهم للإحتلال الإنجليزى للبلاد باعتبارهم أمميين، وأسسوا جامعة شعبية فى أحد المسارح بالأسكندرية ، التى كانت منفى أنريكوا مالاتيستا أحد الرموز الأناركية الكبيرة، واشتركوا فى تكوين نقابات عمالية، واصدروا بعض المطبوعات، وشارك بعضهم فى تأسيس الحزب الاشتراكى 1921، ثم أختفوا من التاريخ المصرى إلا من بعض الحالات الفردية القليلة المرتبطة بجماعة الخبز والحرية فى الأربعينات كجورج حنين.
ومع نهاية ثلاثينات القرن العشرين انزوت الحركة الاشتراكية التحررية تماما بعد هزيمتها فى الحرب الأهلية الأسبانية، نظرا لصعود دولة الرعاية الاجتماعية التى قادها الجناح الاشتراكى الديمقراطى الإصلاحى من جهة، و من جهة أخرى انجازات نموذج رأسمالية الدولة البيروقراطية الذى أسسه الجناح الشيوعى الثورى، و من جهة ثالثة حركات التحرر الوطنى فى العالم الثالث الذى ارتبطت أيضا بنموذج رأسمالية الدولة الوطنية مثال عبد الناصر فى مصر ،و كان مما ميز القرن العشرين أيضا تصاعد الرأسمالية الاحتكارية و رأسمالية الدولة عموما والتى تميزت بعمالة منتظمة مستقرة مرتفعة فى مستوى معيشتها، وتقلص تنافسية الرأسمالية، و توارى الجوانب المتوحشة فيها التى خففت من حدة الصراع الطبقى، مما أضعف من جذرية العداء للرأسمالية فى أوساط البروليتاريا، وهو ما عرف بربع القرن المجيد الذى تلى الحرب العالمية الثانية.
مع نهاية القرن العشرين دخل التطور الرأسمالى مرحلته الثالثة المسماة بالرأسمالية الكوكبية  لتظهر بقوة مجددا الملامح المتوحشة للرأسمالية التى عرفتها فى القرن التاسع عشر وخصوصا مع انهيار كل من رأسمالية الدولة البيروقراطية ودولة الرعاية الاجتماعية والفكرة القومية ، وفى ظل هذه الظروف عادت الاشتراكية التحررية مرة أخرى كأفكار ثورية أكثر جاذبية مما مضى بعد أن أنحسرت الشيوعية السلطوية الدولتية وانهارت الاشتراكية الديمقراطية وانكسرت حركات التحرر الوطنى . وكان مما ساعد على هذا الصعود أيضا ثورة المعلومات والاتصالات الحديثة وعلى رأسها الأنترنت. وعمليا الثورة المصرية وكذلك ثورات الربيع العربى هى نماذج أناركية فى الممارسة الثورية فهى ثورات بلا زعماء ولا قادة وقد قامت على أسس شبكية باستخدام الأنترنت فى التحريض والدعاية والتنظيم، وقد شارك فيها الأناركيون كأفراد، وما يزالوا يشاركون فيها على أساس فردى وطوعى. و لا يعرف حجم الأناركيون ومدى مشاركتهم فى تلك الثورات، فالأناركيون لايشكلون تنظيما وليس لهم هياكل تنظيمية هرمية وليس لهم قادة أو زعماء، ويعتمدون فى التواصل والتنسيق والدعاية والتحريض على الأنترنت، والتنسيق الشبكى والعمل الفردى التطوعى، و ينتظمون أحيانا فى مجموعات تسمى مجموعات الألفة، تتشكل من أعداد قليلة أقرب للأصدقاء،واتحادات لهذه المجموعات، وقد لا يحب بعضهم أن يعلن نفسه، اعتقد أن الانترنت وهى أداة أناركية بامتياز تعتمد على فكرة الشبكية، قد سببت انتشار هذا التيار بشكل انفجارى فى السنوات الأخيرة خاصة بعد الثورة و فى هذا العالم الافتراضى لا يمكن أن تحدد كم؟ و من؟ و أين؟ و متى؟. و هم يتعرضون الآن هم والاشتراكيين الثوريين لحملة من قوى الثورة المضادة ممثلة فى المجلس العسكرى الحاكم والإسلاميين بمحاولة اتهامهم بالعنف والإرهاب تمهيدا لتصفيتهم ، و اتخاذهم مبرر لعودة النظام الاستبدادى المتورط الفعلى فى استمرار العنف الحالى فى مصر.
و لا شك أن كل من الأزمة الأقتصادية الكبرى و أزمة الديمقراطية البرجوازية التى يعيشها العالم حاليا والتى تدل على فشل الرأسمالية بنموذجها الديمقراطى التمثيلى تشكل حافز جديد لهذا الفكر أن يصعد مجددا .
فالعلاقات الأنسانية القائمة على الطمع و المنفعة والتنافس والتسلط هى أساس كل الشرور وما مؤسسات الدولة البرجوازية و الرأسمالية إلا هياكل تجسيد تلك  الأطماع و العلاقات النفعية والتسلطية و التى فى النهاية تؤدى الى الفقر و القهر و الاغتراب و الدولة هى راعية لهذه الأمراض عن طريق القوانين و النظم و الأعراف التى تسنها و تدافع عنها لضمان مصالح من يسمون أنفسهم بالنخب الاقتصادية و السياسية والثقافية والاجتماعية و يصل الفكر الاشتراكى التحررى إلى نتيجة أن الدولة بشكلها الحالى و ما تمثله و تدافع عنه هى سبب كل الشرور و الخراب و بالتالى يجب السعى الى تدمير هذا الكيان السياسي و خلق كيان جديد قائم على التعاون و التشارك،لا التنافس والتدافع بين الناس، و ما أفكار مثل التعاونيات التحررية والاقتصاد التشاركى و اقتصاد إدارة الموارد والديمقراطية المباشرة، إلا أمتداد لهذه الأفكار الأناركية ذات الصبغة الأشتراكية و غيرها، فضلا عن المدارس الأناركية التقليدية و النقابية والمجالسية، و نستطيع أن نقول أن الفكر الاشتراكى التحررى يلعب الآن دورا جديدا ربما لتكوين نواة لفكر أقتصادى و أجتماعى جديد بديل عن كلا من الرأسمالية والدولة.
 لكن الحقيقة الجلية تقول أن الحركة الاشتراكية التحررية تعانى فعلا فشلا تاريخيا فهى منذ نشوءها فى أواسط القرن التاسع عشر لم تحقق مجتمعها المنشود إلا فى فترات محدودة للغاية أثناء الحربين الأهليتين الروسية والأسبانية انتهت بهزيمتها ثم تجربة أقليم تشيباس بالمكسيك، ويبدوا أن هناك مشاكل نظرية وعملية تعوقهم عن تحقيق مشروعهم، إلا أن هذا لا ينفى وجود أسباب موضوعية أيضا تعوق تحقق هذا المشروع منها الطبيعة العالمية للرأسمالية واستحالة الاكتفاء الذاتى محليا وغيرها، وفى نفس الوقت فإن هناك أسباب موضوعية تدفع بهذا الصعود الحركى والفكرى.
وجدير بالذكر أن السنوات العشر الماضية صعدت الحركة الاشتراكية التحررية فى العالم بأسره على نحو انفجارى نتيجة لانتشار الأنترنت، وأنها ثبتت أقدامها فى المنطقة العربية التى لم تعرف هذا الاتجاه من قبل وخصوصا فى ظل الموجة الثورية التى اندلعت العام الماضى بدءا من تونس لتصل إلى الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوربى.
ختاما هناك اشكاليات كثيرة فيما يتعلق بالحركة الاشتراكية التحررية أرجوا أن يكون هذا الحوار بداية لطرحها بعمق والإلمام بجوانبها المختلفة ومحاولة الوصول لحلول لها .

حوار عن الأناركية


- ما أهم ملامح الفكر الأناركى؟
لكى نحدد أهم ملامح الفكر الأناركى علينا أن نحدد أولا أن هناك نوعان من السلطة فى العلاقات الإنسانية والاجتماعية فى الدولة والأسرة والعمل والتعليم، السلطة الأولى متعالية ومنفصلة عن الإرادة الحرة للخاضعين لها، وهى السلطة المرفوضة تماما من قبل الفكر الأناركى، ويشكل رفضها جوهره مهما بلغت مدارسه المختلفة من اختلافات، وهناك سلطة تنبع من التوافق الحر لإرادات الخاضعين لها وهى السلطة التى يسعى لها الأناركيون، ولكن من أين تأتى تلك السلطة المتعالية المرفوضة منهم، أنها تأتى من أن أحد أطراف العلاقة  وهو المتسلط  يحوز على أحد أو كل مصادر السلطة المادية دون الطرف الآخر المتسلط عليه، وهى الثروة والعنف والمعرفة، ومن ثم يسعى التيار الرئيسى فى الأناركية أن تكون هذه المصادر مشاعا بين الناس، لكى لا يستطيع شخص أو جهة يحوز عليها أن يتسلط على المحروم منها، إلا أن هناك تيارات أخرى أناركية هامشية مع الملكية الفردية والتعاونية، ولكى نصل إلى الملمح الثانى علينا أيضا أن نفرق بين نوعين من إدارة العلاقات الاجتماعية فى الجماعات البشرية المختلفة، النوع السلطوى وفيه ينفرد شخص أو هيئة باتخاذ القرارات التى تؤثر فى الآخرين من الخاضعين لأوامره أو لأوامرهم، وهو مرفوض من الفكر الأناركى تماما، والنوع اللاسلطوى وفيه يتم التوافق بين الناس لاتخاذ القرارات التى تؤثر على حياتهم، وعلينا هنا أن نفرق بين قرار فنى يتخذه المختص فى مجاله، وهذا من شأن المختص وحده، وقرار سياسى يحدد سياسة الجماعة البشرية وهذا ما يتخذه أفرادها بالتوافق بينهم وتفضل اتجاهات أخرى القبول برأى الغالبية.
-كيف يصل المرء إلى الفكر الأناركى؟
فى الحقيقة نحن البشر جماعات وأفراد نمارس الأناركية عمليا حتى ولو كنا لا نعلم عنها شيئا،مثال ذلك التكافل والتعاون الطوعى بين الناس فى الأحياء الشعبية والقرى فى المناسبات المختلفة ، ومثل الجمعيات الشهرية التى يحلون بها مشاكلهم الاقتصادية،  ومثل حماية الناس لمساكنهم ومحلاتهم و تنظيمهم للمرور أثناء الانفلات الأمنى، مثل الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، مثل الإدارة الذاتية لمنشئات العمل من قبل العاملين بها التى يهجرها ملاكها وغير ذلك كثير، ويمكن ببساطة أن ننتقل للفكر الأناركى من خلال تلك الممارسات العملية عندما نستهدف تعميمها على كل العلاقات الإنسانية و المؤسسات الاجتماعية. كذلك فنحن كبشر نفضل الأناركية كموقف للحياة حتى ولو كنا نرفضها نظريا، فنحن فطريا نرفض أن يتخذ أحد غيرنا قرارات تؤثر على حياتنا ونرفض تقييد حريتنا، و نرفض التدخل فى حياتنا، ونريد طبيعيا مساحة أوسع من الحريات، وهو ما تهدف الأناركية لتحقيقه لكل البشر.. والوصول للفكر الأناركى يبدأ من اكتشاف الأثر المدمر للعلاقات السلطوية على البشر نفسيا و جسمانيا واجتماعيا والبحث عن شكل مختلف من العلاقات والمؤسسات التى يختفى فيها هذا الأثر المدمر.
كيف يمكن التعايش في ظل اللاسلطوية ؟.. أو بكلمة أخرى كيف يعالج الفكر الأناركي الحياة بلادولة؟
بداية يجب أن نشير إلى أن الأناركية تعادى الفوضى الاجتماعية كما تعادى السلطوية سواء بسواء، فالفوضى الاجتماعية تؤدى بالضرورة للنقيض المطلق للأناركية وهى الفاشية، فالأناركية مع مجتمع منظم بشكل أرقى يضمن التخلص من الفوضى الحقيقية  التى تحدثها العلاقات والمؤسسات السلطوية فى المجتمع بالفعل، أما عن هذا الشكل المنظم فيقوم على أساس شبكة واسعة من التعاونيات التحررية لنميزها عن التعاونيات الرأسمالية والبيروقراطية المرفوضة من التيار الرئيسى للأناركية، وهو الاشتراكية التحررية، تلك التعاونيات تتحد وتنفصل طوعيا من أسفل لأعلى  لكى تلبى كافة احتياجات البشر المختلفة ، وتقوم فى إدارتها على الديمقراطية المباشرة، فبدلا من الهرم السلطوى للدولة حيث تتركز السلطة فى المركز وتقل كلما هبطنا للقاعدة، فإن توزيع السلطة فى المجتمع الأناركى يركز السلطة أكثر فى القاعدة وتقل كلما صعدنا للأعلى، ومن ثم فتحقيق أقصى حد ممكن من الاكتفاء الذاتى شرط  هام يضمن استقلالية وحرية أكثر للتعاونيات واتحاداتها المحلية عن الاتحادات الأعلى، يبقى أن أشير أن الأناركية مشروع عالمى لأن الرأسمالية هى نمط إنتاج ونموذج دولة عالمى بطبيعته لا يمكن الفكاك منه وتجاوزه إلا على نطاق عالمى وفى إطار ثورة عالمية لا مجال لطرحه كاملا على نطاق محلى إلا على أساس الاقتراب التدريجى وليس تحقيقه كاملا.
كم عدد الأناركيين فى مصر؟
لا أعرف بالطبع و لا يمكن لأحد أن يعرف حجم الأناركيون ومدى مشاركتهم فى تلك الثورات فالأناركيون لايشكلون تنظيما وليس لهم هياكل تنظيمية هرمية وليس لهم قادة أو زعماء، ويعتمدون فى التواصل والتنسيق والدعاية والتحريض على الأنترنت، والتنسيق الشبكى والعمل الفردى التطوعى، و ينتظمون أحيانا فى مجموعات تسمى مجموعات الألفة، تتشكل من أعداد قليلة أقرب للأصدقاء،واتحادات لهذه المجموعات، وقد لايحب بعضهم أن يعلن نفسه، اعتقد أن الانترنت وهى أداة أناركية بالمناسبة تعتمد على فكرة الشبكية، سببت انتشار هذا التيار بشكل انفجارى فى السنوات الأخيرة خاصة بعد الثورة و فى هذا العالم الافتراضى لا يمكن أن تحدد كم؟ و من؟ و أين؟ و متى؟.
وما هو تاريخ بداية وجودهم في مصر ؟
تواجد الأناركيون فى أوساط الجاليات اليونانية والإيطالية فى نهاية القرن التاسع عشر، وشاركوا العرابيين ثورتهم  ومقاومتهم للإحتلال الإنجليزى للبلاد باعتبارهم أمميين، وأسسوا جامعة شعبية فى أحد المسارح بالأسكندرية ، واشتركوا فى تكوين نقابات عمالية، واصدروا بعض المطبوعات، وشارك بعضهم فى تأسيس الحزب الاشتراكى 1921، ثم أختفوا من التاريخ المصرى إلا من بعض الحالات الفردية القليلة، حتى ظهروا مع نهاية القرن العشرين على الأنترنت
ما أهم تجارب الأناركيين فى مصر؟
أهم تجربة لهم هى مشاركتهم فى كل فعاليات الثورة المصرية الحالية، فضلا عن ما سبق ذكره من تجارب تاريخية.كما تمت كتابة وترجمة العديد من المقالات والدراسات والكتب ونشرها على الأنترنت خلال السنوات الماضية.
ما أهم الـأحداث التى ساهم فيها الأناركيون على مستوى العالم؟
 أريد أن أشير إلى أننا نحتفل فى أول مايو من كل عام بعيد العمال العالمى تخليدا لذكرى اعدام قادة اضراب شيكاغو 1881 الذين كانوا أناركيين، أما أهم الأحداث الذى برز فيها دور الأناركيين فهى كوميونة باريس 1871 ، الثورة الروسية1917، الثورة الأسبانية 1936، حركة مناهضة العولمة والحرب فى بداية القرن الحالى، وتجربة المجتمع الأناركى المستمر منذ 15 عاما فى أقليم تشيباس فى المكسيك بقيادة حركة زاباتيستا، وأخيرا حركة احتلوا الميادين الحالية فى إطار ما يشبه ارهاصات ثورة عالمية بدأت شرارتها فى تونس وأشعلت الربيع العربى لتنتقل للعالم.
ماعلاقة الأناركية ببقية الأيدلوجيات مثل الاشتراكية أوالماركسية ؟
التيار الرئيسى والأساسى فى الحركة الأناركية هو تيار الاشتراكية التحررية وهو يرفض كل من الرأسمالية والدولة، وينتقد الماركسية بنموذجها السلطوى والدولتى للاشتراكية إلا أن معظم الاشتراكيين التحرريين بالطبع متأثرون بالتراث العلمى الهائل للماركسية خاصة فيما يتعلق بنقدها للرأسمالية وما قدمته من فهم علمى للتطور الاجتماعى. ويشددون على رفض كل ما قدمته اللينينية ومدارسها المختلفة من أفكار وممارسات، كما يرفضون أيضا الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية على السواء
هل يميل المذهب الأناركى دائما للعنف والفوضى؟
العكس هو الصحيح تماما و على عكس ما تشيعه السلطات الحاكمة و أبواقها الإعلامية دائما فمن الناحية التاريخية هم أقل التيارات الفكرية والسياسية التى مارس أعضاءها العنف، بعض الأفراد المنتسبون لهم مارسوا بعض أعمال الأرهاب فى نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وسببوا تلك السمعة الظالمة للأناركيين، لكن الأناركيون شاركوا فى الحربين الأهليتين الروسية والأسبانية، وانتهى تاريخهم مع العنف منذ هذا اللحظة، الأناركيون نظريا وعمليا ضد العنف المنفصل عن الجماهير، وضد العسكرة مبدأيا نظرا للطبيعة السلطوية للعسكرية، لكنهم مع حق الدفاع عن النفس ضد من يعتدى عليهم فى نفس الوقت، الأناركيون لا يقودون الجماهير وإنما ينحازون لها فى نضالاتها المختلفة، ودورهم منحصر فى إرشادها لتنظيم نفسها، وهم لا يسعون للسلطة على أى نحو ومن ثم لا يشاركون مبدأيا فى الانتخابات البرلمانية ولا فى الانقلابات العسكرية ولا فى جماعات الكفاح المسلح المختلفةـ فلماذا يمارسون العنف أصلا إذا كانوا لا يسعون للسلطة.

هل ساهم الأناركيون المصريون فى الثورة المصرية؟
عمليا الثورة المصرية نموذج أناركى فى الممارسة الثورية فهى ثورة بلا زعماء ولا قادة قامت على أسس شبكية فى التحريض والدعاية والتنظيم، وقد شارك فيها الأناركيون كأفراد، وما يزالوا يشاركون على أساس فردى وطوعى.
يسند إليكم أيها الأناركيون في الآونة الأخيرة أحداث الفوضى وإحراق الدولة وأيضا أحداث متوقع حدوثها في 25 يناير القادم ؟
اعتقد ان اجابتى السابقة فيها قدمنا الرد الكافى على تلك الدعاية المغرضة التى تريد أن تقدمنا كشماعة لتبرير إجراءات استبدادية لتصفيتنا ومن أجل تقديمنا كمتهمين بالعنف والفوضى ومن أجل التستر على المجرمين الفعليين وراء هذه الأحداث، و المستفيدين من خلق رابط وهمى بين الإنفلات الأمنى والثورة لتنفير الجماهير من الثورة، وتبرير الثورة المضادة أمامها وحشدهم لصفوفها، ولكى يجعلوا تلك الجماهير نفسها  تطالب بالاستبداد طلبا للأمن، نحن لسنا السبب فى العنف والانفلات الأمنى فمن يحكمونا قادرين فى يومين بفرقتين صاعقة فقط أن يطهروا البلاد من كل الفلول والبلطجية لو شاءوا، وأجهزة أمنهم قادرة على كشف الطرف الثالث الذى يزعمون وجوده لو كان له وجود، ولكنهم لا يريدون، لأنهم يرغبون فى استمرار العنف من أجل فرض السيطرة على الجماهير وإعادة انتاج النظام.
وما هو شكل مشاركتكم في مظاهرات الخامس والعشرين من يناير القادم في الذكرى الأولى للثورة؟
أنا لا أعبر إلا عن نفسى فقط وعموما الأناركيون ليس لهم قادة أو زعماء يمكنهم أن يحددوا لهم ما يفعلونه وما لا يفعلونه، لكن الأناركيون مبدأيا يشاركون الجماهير احتجاجاتها المختلفة،و هم آخر من يغادرون صفوف الثوار، وهم مع الثورة حتى تحقق أقصى ما يمكن من أهدافها.
فما هو حلم الأناركيين الذي يحلمون بتحقيقه في مصر ؟
هل يمكن أت نتحدث عن مشروعنا فى مصر ونحن قد صرحنا أن ما نطرحه من تجاوز الرأسمالية كحضارة لن يتم سوى على نطاق عالمى وفى إطار ثورة عالمية  لو تجاوزنا هذا التصريح قليلا فإننا نريد لمصر ديمقراطية أكثر جذرية تتضمن اللامركزية الإدارية والديمقراطية المباشرة والإدارة الذاتية لمنشئات العمل والسكن وتعميم التعاونيات وفرص عمل لكل الناس فى أعمال منتجة ومفيدة اجتماعيا وانشاء اقتصاد انتاجى  مكتفى ذاتيا و نريد كفالة كل حقوق الإنسان وحرياته
أحب أن أشير إلى ما كتبته فى مقالى الأخير حول ما أثير عن اسقاط الدولة المصرية كتبت "حسب توقعات علمية مؤكدة و وفق دراسات مدققة، المصريون مهددون فعليا بالانقراض فى العقود القليلة المقبلة، بسبب ضياع الأرض الزراعية للأبد،ونضوب الغاز والبترول، والانفجار السكانى، وتضخم الديون، والتهديد البيئى بغرق الدلتا والساحل الشمالى، والفقر المائى، والاقتصاد الريعى والخدمى الهش، والانحدار الحضارى والثقافى والتعليمى والأخلاقى، وهذا ليس بحديث انشاءى بل واقع ملموس لا تخطئه عين، وهى أسباب تسبب فيها النظام المملوكى الذى لم يسقط بعد، و سوء إدارة المافيا التى مازلت تحكمنا، و تفضيلها لتلبية مصالحها الأنانية على حساب مصالح الشعب، و لا يهدد هذا البلد بالطبع بضع مئات من الأناركيين والاشتراكيين الثوريين لاحول لهم ولا قوة إلا كلمات ينشرونها بين الناس فأفيقوا لعلكم تنقذون ما يمكن انقاذه إذا كنتم حقا تحبون هذا البلد كما تدعون، وحريصون على مستقبل أبناءكم كما تظنون".
وأخيرا حدثنا عن الفشل التاريخي للأناركية ؟
تعانى الحركة الأناركية فعلا فشلا تاريخيا فهى منذ نشوءها فى أواسط القرن التاسع عشر لم تحقق مجتمعها المنشود إلا فى فترات محدودة للغاية أثناء الحربين الأهليتين الروسية والأسبانية انتهت بهزيمتهم ثم تجربة أقليم تشيباس بالمكسيك، ويبدوا أن هناك مشاكل نظرية وعملية تعوقهم عن تحقيق مشروعهم،إلا أن هذا لاينفى وجود أسباب موضوعية أيضا تعوق تحقق هذا المشروع منها الطبيعة العالمية للرأسمالية واستحالة الاكتفاء الذاتى محليا وغيرها.