الثلاثاء، 15 أغسطس، 2017

القسم الثانى:تاريخ الأناركية2

القسم الثانى:تاريخ الأناركية2
سامح سعيد عبود
الأناركية في النصف الأول من القرن العشرين:
في عام 1907، انعقد المؤتمر الأناركي الدولي في أمستردام وحضر إليه مندوبون  من 14 دولة مختلفة، من بينها شخصيات مهمة من الحركة الأناركية، بما في ذلك أريكو مالاتيستا، وبيير مونات، ولويجي فابري، وإيما غولدمان، ورودولف روكر، وكريستيان كورنيليسين. وعالج المؤتمر مواضيع مختلفة، ولا سيما فيما يتعلق بتنظيم الحركة الأناركية، وقضايا التعليم الشعبي، والإضراب العام، ومناهضة العسكرية، والعلاقة بين الأناركية والنقابية، ونشب خلاف بشأن هذه المسألة، حيث أعتبر مونات أنَّ النقابية الثورية سوف تخلق ظروف تساعد على الثورة الاجتماعية، في حين أنَّ مالاتيستا لم ير النقابية في حد ذاتها كافية لذلك. وقال إنَّه يعتقد أنَّ النقابية في جوهرها حركة إصلاحية، وحتى محافظة، مؤكدا إنها برجوازية الأهداف، حيث لا تسعى لنفي علاقة العمل المأجور التي تميز الرأسمالية، وإنما تناضل النقابات فحسب لتحسين شروط العمل والحياة لأعضائها دون المساس بجوهر النظام الرأسمالي، ومشيرا إلى ظاهرة مسؤولي النقابات المهنية المعاديين للعمال، وحذر مالاتيستا بأن أهداف النقابيين كانت دائما هيَ إدامة النقابية نفسها بإدامة النظام الذي أفرزها لا نقضه، وبإدامة الظروف التي أوجدتها لا تغييرها، ولذلك تظل النقابات رجعية في أهدافها، ومحافظة في وسائلها، في حين أنَّ الأناركيين يجب أنْ يكونوا دائما في حالة من الثورة الأناركية حتى النهاية، وبالتالي الامتناع عن الالتزام بأيِّ طريقة معينة لتحقيق ثورتهم.
وبرغم تحفظات مالاتيستا، اكتسبت منذ ذلك الوقت أناركية الاتحادات النقابية أهمية خاصة في إسبانيا. وكان الاتحاد العمالي الإسباني في عام 1881 أول منظمة أناركية نقابية رئيسية، وكانت المنظمة النقابية الأكثر نجاحا هيَ التعاهدية الوطنية للعمل ( CNT)، التي تأسست في عام 1910، وظلت حتى قبل أربعينات القرن 20، القوة الرئيسية المنظمة للطبقة العاملة الإسبانية، وجذبت للانضمام إليها مليون ونصف مليون عضو، ولعبت دورا رئيسيا في الحرب الأهلية الإسبانية. و كانت منضمة لجمعية العمال العالمية، واتحاد النقابات الأناركية الذي تأسس في عام 1922، مع وفود تمثل مليوني عامل من 15 بلدا في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
وفي أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص “سرعان ما أصبح الأناركيون نشطاء في تنظيم الحرفيين والعمال الصناعيين في جميع أنحاء جنوب ووسط أمريكا اللاتينية، وحتى عشرينات القرن 20 كانت النقابات العمالية الأناركية في المكسيك والبرازيل وبيرو وتشيلي والأرجنتين أناركية نقابية بشكل عام، وكانت هيبة CNT كمنظمة ثورية إسبانية بلا شك مسئولة إلى حد كبير عن هذا الوضع، وكان أكبر ومعظم المنظمات النقابية الإقليمية في الأرجنتين...التي نمت بسرعة إلى الربع مليون عضو تقريبا، أناركية نقابية، في حين تضاءلت النقابات الاشتراكية الديمقراطية المنافسة “.
في أوائل القرن العشرين تأسست منظمة عمال العالم الصناعيين في الولايات المتحدة كنقابة ثورية، وظلت قوية النفوذ طوال النصف الأول من القرن العشرين، ومازالت مستمرة باعتبارها منظمة دولية للعمال، وعمال العالم الصناعيين كانوا أقوياء النفوذ في الولايات المتحدة قبل عصر المكارثية في الخمسينيات في الولايات المتحدة، وهم وفروعهم يحاولون الآن استلهام تجربة موندراجون في إسبانيامثل عمال صلب أوهايو وفي استراليا.
استند من طرحوا النقابة الثورية كبديل للتنظيم الثوري، على أنَّ النقابة الإصلاحية هيَ أحد آليات الرأسمالية والدولة لاستمرار الرأسمالية، والتي جوهرها نظام العمل المأجور، وذلك بتحسين شروطه، وشروط حياة أعضائها، وتقديم بعض الخدمات، وتعمل في الحقيقة كالوسيط التجاري بين باعة سلعة العمل أيْ العمال، والمشترين من الرأسماليين والبيروقراطيين، وتربح قياداتها في مقابل هذا الامتيازات التي تفصلهم عن العمال، وهذا يجعلهم من أشد المدافعين عن استمرار النظام القائم وأعداء ألداء لتغييره، مع ايهام الأعضاء بأن النضال النقابي الإصلاحي هو النضال الوحيد الممكن لتحسين ظروف حياتهم..وعلى العكس من ذلك فالنقابة الثورية هيَ أحد الآليات الثورية التي تسعى لإنهاء العمل الماجور، وتحرير العمال لا تسمينهم، والدفع بالنضال العمالي نحو الإدارة الذاتية لوحدات الإنتاج والخدمات، وتعونة الاقتصاد، وبناء التعاونيات العمالية، وتشغيل العمال للمنشئات المغلقة تعاونيا، وتهدف في النهاية للقضاء على الرأسمالية ودولتها، لا الإبقاء عليهما وتجميلهما.
ووفقا للوسيان فان دير والت:“بمجرد النظر على مستوى العالم، تجد الحركات الجماهيرية تمتد من الأرجنتين إلى الصين، إلى كوبا، إلى المكسيك، إلى بيرو، إلى أوكرانيا وهلم جرا. ما حدث فعلا مفقود بسبب الدراسات التي تركز على أوروبا الغربية، والحقيقة هيَ أنَّ معظم التاريخ الأناركي  النقابي جرى في أماكن أخرى غير أوروبا الغربية. وبعبارة أخرى، لا يمكن أنْ نفهم الأناركية إلَّا إذا فهمنا أنَّ جزءا كبيرا من تاريخها كان في الشرق والجنوب، وليس فقط في الشمال والغرب”  فالحركة العمالية المصرية على سبيل المثال التي نشأت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كانت متأثرة بشدة بالعمال المهاجرين الأناركيين اليونانيين والإيطاليين، والأناركيين الهاربين بما فيهم إريكو مالاتيستا في مدينة الأسكندرية، والذين أسسو مدارس شعبية مسائية في أواخر القرن التاسع عشر، وهيَ صفحات مجهولة من التاريخ لا يعرفها الغالبية الساحقة حتى من المهتمين.
الأناركية في روسيا:
كانت روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر هيَ البلد التي أنجبت عدد متميز من كبار منظري الأناركية...باكونين وتولستويْ وكروبوتكين وإيما جولدمان وماخنو وفولين وبيركمان وماكسيموف. وقد شارك الأناركيون إلى جانب البلاشفة في كل من ثورتي فبراير وأكتوبر 1917في روسيا، وكانوا في البداية متحمسين للثورة البلشفية، وعقب خلافاتهم السياسية  مثل غيرهم من المعارضين اليساريين للبلاشفة، انتهيَ شهر العسل المؤقت إلى الصراع بينهما، بدءا من تمرد عمال وبحارة كرونشتاد عام 1921، الذي قمعته الحكومة الجديدة. وسجن الأناركيون في روسيا، أو دفعوا إلى الاحتجاب، أو انضموا للبلاشفة المنتصرين. وفر الكثير من الأناركيين من بتروغراد وموسكو إلى أوكرانيا. وهناك، في الأرض الحرة، قاتل الجيش الأناركي الثوري المتمرد بقيادة  نيستور ماخنو، الذي أسس مجتمع أناركي في المنطقة لعدد من الأشهر في الحرب الأهلية ضد البيض وهو تجمع لأنصار الملكية وغيرهم من المعارضين لثورة أكتوبر، ثم ضد البلاشفة.
طرد البلاشفة الأناركيان الأمريكيان من أصل روسي إيما غولدمان وألكسندر بيركمان الذان كانا يحرضان ضد السياسة البلشفية، وضد قمع انتفاضة كرونشتاد، وقبل مغادرتهما روسيا. كتبا عن تجاربهما، منتقدين سيطرة وممارسات البلاشفة. وبالنسبة لهما، فقد أثبتت تلك التجربة صحة تنبؤات باكونين عن عواقب الحكم الماركسي بأن حكام الدولة الماركسية الجديدة “الاشتراكية” سوف يصبحون نخبة جديدة منفصلة عن الجماهير.
خلال الثورة الروسية، حاول الأناركيون خلق مجتمعات أناركية شيوعية محلية مطالبين البلاشفة السماح لهم بذلك إلَّا أنَّ طلبهم تم رفضه، كما تم سحق تلك المحاولات أثناء الحرب الأهلية 1918-1922.
كان آخر ظهور علني للأناركيين سمحت به السلطات في روسيا تحت حكم البلاشفة، قد حدث أثناء جنازة بيوتر كروبوتكين المنظر الأناركي الشيوعي الأهم، حيث حضر الألاف منهم مراسم الوداع له، وللأناركية في روسيا عام 1921.
عمل الأناركيون مثل نيستور ماخنو على خلق  مجتمع أناركي شيوعي، والدفاع عنه، بواسطة الجيش الأوكراني الثوري المتمرد في الأراضي الحرة لأوكرانيا عام 1919 قبل أنْ يتم غزوها من قبل البلاشفة في عام 1921. وشن جيش الأوكراني الثوري، والمعروف أيضا باسم الجيش الأسود الأناركي، بقيادة نيستور ماخنو  حملة حرب عصابات معارضة على حد سواء للبلشفيين “الحمر”وللملكيين “البيض”. وكانت حركة الحكم الذاتي الثورية في أوكرانيا قد طرحت العديد من اتفاقيات عسكرية تكتيكية في الوقت الذي كانت تقاتل فيه مختلف القوى الرجعية وتنظم الأراضي الحرة فى أوكرانيا، كمجتمع أناركي، ملتزمة بمقاومة سلطة الدولة، سواء كانت الرأسمالية أو البلشفية.
ونجحت في صد القوات النمساوية المجرية، وجيوش البيض القيصرية، والقوات الوطنية الأوكرانية، قبل أنْ تسحق القوات العسكرية البلشفية الحمراء جيش الأناركيين الأسود بقيادة ماخنو في نهاية المطاف.
أما عن تجربة جيش نستور ماخنو في الحرب الأهلية الروسية بعد الثورة، فقد شهدت، تناقضا صارخا يصل إلى حد الفصام بين الشعارات والأيديولوجية المعلنة والسلوك العملي، وهذا له أسبابه القهرية، ولا يعني بالضرورة ادعاء وانتهازية وازدواجية، فدائما ما هو على البر سباح.
ألحق انتصار البلاشفة في ثورة أكتوبر، وما نجم عنها من الحرب الأهلية الروسية  ضررا جسيما بالحركات الأناركية دوليا. حيث رأى العديد من العمال والناشطين نجاح البلاشفة كقدوة لهم لتحقيق أهدافهم، في حين لم تنتصر تكتيكات الأناركيين، والناس دائما مع من غلب، ويقلدون الناجحين. ونمت الأحزاب الشيوعية اللينينية على حساب الحركة الأناركية والحركات الاشتراكية الأخرى. ففي فرنسا والولايات المتحدة، على سبيل المثال، ترك الكثير من الأعضاء من الحركات المنظمات النقابية الأناركية الرئيسية الCGT التعاهدية العامة للعمل وIWW عمال العالم الصناعيين، وانضموا للأممية الشيوعية بقيادة البلاشفة.
الموجة الثورية:
شهدت الموجة الثورية في الربع الأول من القرن العشرين مشاركة نشطة وداعمة من الأناركيين بدرجات متفاوتة.
في أثناء الثورة المكسيكية خلال عشريات القرن العشرين قاد الأناركي الشيوعي ريكاردو فلوريس ماجون سلسلة من الهجمات العسكرية مما أدى إلى اجتياح الثوار لبعض المدن والمناطق في ولاية باجا كاليفورنيا بالمكسيك. ملهمين من كتاب كروبوتكين “الاستيلاء على الخبز”، الذي اعتبره فلوريس ماجون نوعا من الكتاب المقدس الأناركي، واعتبروه أساسا للكوميونات الثورية قصيرة الأجل التي أنشأوها في باجا كاليفورنيا خلال تمرد “ماجنوستا” عام 1911، وخاض اميليانو زاباتا وجيشه وحلفائه، بما في ذلك بانشو فيلا، الحرب من أجل الإصلاح الزراعي في المكسيك. على وجه التحديد، حيث كانوا يريدون ترسيخ حقوق الأراضي المشاع للسكان الأصليين في المكسيك، الذين فقدوا معظم أراضيهم لصالح النخبة الثرية من أصل أوروبي. وقد تأثر زاباتا جزئيا بريكاردو فلوريس ماجون. ويمكن رؤية تأثير فلوريس ماجون على زاباتا في“خطة دي أيالا، لجيش زاباتا وبشكل ملحوظ في شعاره...تييرا والحرية “أو” الأرض والحرية “، وهو عنوان عمل فلوريس ماجون الأكثر شهرة. هذا وجاءت معرفة زاباتا للأناركية عن طريق مدرس محلي، اسمه أوتيليو مونتانيو سانشيز بعد عام من انضمامه إلى جيش زاباتا، حيث عرض لزاباتا أعمال بيتر كروبوتكين وفلوريس ماجون في نفس الوقت الذى كان فيه زاباتا يبدأ المشاركة في نضالات الفلاحين من أجل الأرض.
في الانتفاضة الألمانية المعروفة باسم الثورة الألمانية 1918-1919 التي أنشأت الجمهورية السوفيتية البافارية، والتي انتهت باغتيال روزا لوكسمبرج وكارل ليبكنخت، على يد الشرطة الألمانية، ومطاردة حزب عصبة سبارتاكوس الثوري، كان الأناركيون غوستاف لاندور، وسيلفيو جيزيل وإريك موهسام يشغلون مناصب قيادية مهمة في إطار الهياكل المجالسية الثورية.
في الأحداث الإيطالية المشابهة  في نفس الوقت، نما الاتحاد النقابي الإيطالي الأناركي  إلى 800000 عضو وبلغت عضوية الاتحاد الأناركي الإيطالي 20000 عضو بالإضافة إلى إصدار “نوفا يومانيتا”، كصحيفة يومية، والتي أصبحت واسعة الانتشار...وكان الأناركيون أول من اقترح احتلال العمال لأماكن العمل وإدارتها ذاتيا كحركة تصاعدت في إيطاليا أثناء تلك الأحداث.
مكافحة الفاشية:
في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، ومع صعود الفاشية في أوروبا، خاض الأناركيون صراعهم مع الدولة الفاشية. وشهدت إيطاليا الصراعات الأولى بين الأناركيين والفاشيين بقيادة موسوليني، ولعبت المنظمة الأناركية الإيطالية “أرديتي ديل بوبولو” دورا رئيسيا في تنظيم الحركة المناهضة للفاشية، التي كانت أقوى في المناطق ذات التقاليد الأناركية، وحققت بعض النجاح في نشاطها، مثل صد جماعات القمصان السود في معقل الأناركية في بارما في أغسطس 1922. وكان الأناركي الإيطالي المخضرم، لويجي فابري، واحدا من المنظرين المنتقدين الأول للفاشية، واصفا إياها بأنها “وقائية الثورة المضادة”. وبشكل عام كان الأناركيون في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا نشيطين في المقاومة خلال الحرب العالمية الثانية.
الثورة الإسبانية:
إنَّ أفضل الأمثلة المعروفة عن المجتمع الشيوعي الأناركي (أيْ، المجتمعات التي أنشئت حول تلك الأفكار، ولفتت انتباه العالم والمعروفة في التاريخ)، هيَ الأراضي الأناركية أثناء الثورة الإسبانية بتأثير  جهود الأناركيين الإسبان خلال الثورة الإسبانية في الحرب الأهلية الإسبانية، والتي وجدت بدءا من عام 1936 في معظم إقليم أراجون، وأجزاء من أقاليم ليفانتي والأندلس، وكذلك في المعقل الأناركي الأهم؛ “كاتالونيا” قبل أنْ تسحقها القوات المشتركة من النظام الذي انتصر في الحرب بقيادة الجنرال فرانكو، المدعوم من قوات  هتلر وموسوليني، فضلا عن  القمع الذي مارسه الحزب الشيوعي الإسباني (المدعوم من قبل الاتحاد السوفييتي) ضدها، وكذلك الحصار الاقتصادي والمسلح من الدول الرأسمالية وقوات الجمهورية الإسبانية نفسها.
رفضت التعاهدية الوطنية للعمل في البداية الانضمام إلى التحالف الانتخابي للجبهة الشعبية، الذي ضم الشيوعيين والاشتراكيين والديمقراطيين والجمهوريين، وامتنع أنصار التعاهدية الوطنية للعمل عن المشاركة في الانتخابات عام 1933، مما أدى إلى فوز الجناح اليميني في الانتخابات. ولكن التعاهدية الوطنية للعمل غيرت سياستها في الانتخابات التي تلتها عام 1936، وساعدت الأصوات الأناركية في وصول الجبهة الشعبية إلى السلطة، وقبلوا بناء على ذلك الاشتراك في الحكومة بأربع وزراء في مراجعة لأحد المبادئ الجوهرية للأناركية، وهيَ الغيابية الانتخابية، تحت مسمى الضرورة العملية، وبعد أشهر من تولي حكومة الجبهة الشعبية للحكم، قامت الطبقة الحاكمة والمالكة بتمرد عسكري بقيادة فرانكو، مما تسبب في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939). وردا على تمرد الجيش على الحكومة الجمهورية، قامت الحركة بدعم من الميليشيات المسلحة من الفلاحين والعمال الملهمة  بالأناركية، بالسيطرة على برشلونة، وعلى مناطق واسعة من الريف الإسباني حيث حولت ملكية الأرض إلى تعاونيات. ولكن حتى قبل انتصار الفاشية النهائي في عام 1939، كان الأناركيون يتراجعون في صراعهم المرير مع الستالينيين الذين سيطروا على توزيع المساعدات العسكرية للجمهورين بايعاز من الاتحاد السوفيتي. وقمعت قوات تقودها القوات الستالينية التعاونيات الأناركية في الريف والمدن، واضطهدت كل من الماركسيين المنشقين عن الستالينية (التروتسكيين) والأناركيين على السواء.
كانت الأحداث المعروفة باسم الثورة الإسبانية ثورة اجتماعية للعمال بدأت أثناء اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936، وأسفرت عن تنفيذ المبادئ التنظيمية الأناركية على نطاق واسع في أنحاء مختلفة من البلاد من سنتين إلى ثلاث سنوات، في المقام الأول كاتالونيا، ثم أراجون، والأندلس، وأجزاء من ليفانتي. حيث تم وضع الكثير من الاقتصادالإسباني تحت سيطرة العمال. في معاقل أناركية مثل كاتالونيا، كان العدد يصل إلى 75٪، ولكن أقل من ذلك في المناطق التي يوجد فيها نفوذ كبير للحزب الشيوعي الإسباني، الذي كان حليف الدولة السوفيتية، والذي قاوم بنشاط محاولات تشريع تعونة الاقتصاد. وتشغيل المصانع من خلال لجان العمال، وتحويل المناطق الزراعية للتعاونية، وتشغيلها ككوميونات تحررية. ويقدر المؤرخ الأناركي سام دوجلوف أنَّ حوالي ثمانية ملايين شخص شاركوا بشكل مباشر أو على الأقل بشكل غير مباشر في الثورة الإسبانية، وطبقوا نموذج “جاء أقرب إلى تحقيق المثل الأعلى للمجتمع الحر الخالي من الدولة على نطاق واسع أكثر من أيِّ ثورة أخرى في التاريخ “.
الأناركية ما بعد الحرب العالمية الثانية:
سعت الأناركية لإعادة تنظيم نفسها بعد الحرب، وفي هذا السياق أخذت النقاشات التنظيمية بين تياري أناركية التوليف والأناركية البرنامجية أهمية مرة أخرى، وخاصة في الحركات الأناركية في إيطاليا وفرنسا. وتم تأسيس الاتحاد المكسيكي الأناركي في عام 1945 بعد الاتحاد الأناركي للمركز متحدا مع الاتحاد الأناركي في المقاطعة الاتحادية. وفي أربعينات القرن 20، اندمجت التضامن الدولي لمناهضة الفاشية، واتحاد الجماعات الأناركية لكوبا في منظمة وطنية كبيرة رابطة ليبراتاريا دي كوبا (جمعية كوبا الليبرتانية). من 1944-1947، ونهض الاتحاد الشيوعي الأناركي البلغاري كجزء من حركة لجان احتلال المصانع وأماكن العمل، ولكن تم قمعها من قبل النظام الشيوعي الستاليني الجديد. وفي عام 1945 في فرنسا تأسس الاتحاد الأناركي“التعاهدية الوطنية للعمل”  للأناركيين النقابيين، وتأسس في العام 1946 اتحاد “أناركيا” الإيطالي في إيطاليا، وشكل الأناركيون الكوريون رابطة البنائون الاجتماعيون في سبتمبر 1945، وفي عام 1946 تم تأسيس الاتحاد الأناركي الياباني.
وعقد المؤتمر الأناركي الدولي بمندوبين من مختلف أنحاء أوروبا في باريس في مايو 1948..وتأسس الاتحاد الليبرتاني الاشتراكي في ألمانيا في عام 1947، وفي عام 1956 تم تأسيس الاتحاد الاوروجوياني الأناركي. وفي عام 1955 الاتحاد الأناركي الشيوعي الأرجنتيني أعاد تسمية نفسه باسم الاتحاد الارجنتيني الليبرتاني. وكان اتحاد العمال النقابي “المجموعة الأناركية النقابية ناشطة في بريطانيا ما بعد الحرب، وهيَ واحدة من أقدم أسلاف اتحاد تضامن. وقد تم تأسيسه في عام 1950 من قبل أعضاء الاتحاد الأناركي لبريطانيا المنحل. وعلى عكس AFB الاتحاد الأناركي لبريطانيا، الذي تأثر بالأفكار الأناركية النقابية، ولكن لا النقابية نفسها في النهاية، قررت SWF متابعة استراتيجية نقابية أكثر تركز على العمل المباشر منذ البداية.
واصلت الأناركية التأثير على الشخصيات الأدبية والفكرية الهامة في ذلك الوقت، مثل ألبير كامي، وهربرت ريد، وبول جودمان، ودوايت ماكدونالد، وألين جينسبيرج، وجورج وودكوك، وليوبولد كوهر، وجوليان بيك، وجون كيج  والمجموعة السوريالية الفرنسية بقيادة أندريه بريتون، والذي أعرب صراحة عن قبوله الأناركية وتعاون مع الاتحاد الأناركي.
أصبحت الأناركية السلمية مؤثرة في الحركة العالمية المناهضة للأسلحة النووية، والمناهضة للحرب، كما يمكن أنْ نراها في هذا الوقت في نشاط وكتابات العضو الأناركي الإنجليزي في  حملة نزع السلاح النووي أليكس كومفورت، أو نشاطا مشابها له في  نشاط الأناركيتان الكاثوليكيتان الأمريكيتان عمون هيناكي ودوروثي دايْ. وأصبحت الأناركية المسالمة “أساسا لنقد النزعة العسكرية على جانبي الحرب الباردة”. و قد تم توثيق تجدد الأفكار الأناركية خلال هذه الفترة بشكل جيد.
الأناركية المعاصرة:
حدثت موجة من الاهتمام الشعبي بالأناركية في الدول الغربية خلال ستينات وسبعينات القرن 20، وكان  للأناركية تأثير في حركة الثقافة المضادة من عام  1960  وشارك الأناركيون بنشاط في الستينات  في ثورات الطلاب والعمال والاحتجاجات ضد الحرب، ومن أجل نزع السلاح، في ذلك الوقت، وفي عام 1968 تأسست في كارارا، بإيطاليا الأممية الأناركية خلال المؤتمر الأناركي الدولي الذي عقد هناك في عام 1968 من قبل الاتحادات الاوروبية الثلاث الموجودة (الاتحاد الأناركي) في فرنسا، ومن اتحاد أناركيا الإيطالي الأناركي الأيبيريي، وكذلك الاتحاد البلغاري في المنفى.
في المملكة المتحدة في سبعينات القرن 20 ترافق صعود الأناركية مع حركتي الروك والبانك الفنيتين، والفرق الموسيقية المرتبطة بها. وأدى تفاقم أزمة السكن وضعف فرص العمل في معظم دول أوروبا الغربية إلى تشكيل الجماعات الكوميونية، وتنامي حركة احتلال المباني المهجورة، مثل برشلونة في إسبانيا. وفي الدنمارك، حيث احتل واضعو اليد قاعدة عسكرية مهجورة، وأعلنوها مدينة حرة باسم كريستيانا، وتشكل ملاذا مستقلا عن  الحكومة الدانماركية في وسط مدينة كوبنهاجن، و مستمرة حتى الآن.
منذ إحياء الأناركية في منتصف القرن 20، ظهر  عدد من الحركات والمدارس الفكرية الجديدة. وعلى الرغم من أنَّ النزعات النسوية كانت دائما جزءا من الحركة الأناركية في شكل الأناركية النسوية، فقد عادت بقوة خلال الموجة الثانية من الحركة النسوية في ستينات القرن العشرين، وواصلت الأناركية توليد العديد من الفلسفات والحركات، و التى كانت في بعض الأحيان انتقائية، بالاعتماد على مصادر مختلفة، وتوفيقية، تجمع بين المفاهيم المختلفة لخلق المناهج الفلسفية الجديدة.
 افترض كل من الأنثروبولوجي الأناركي ديفيد جريبير والمؤرخ الأناركي أندريه جروباتشيك قطيعة بين الأجيال الأناركية؛ بين أولئك الذين “غالبا لم تهتز عاداتهم الطائفية، ومواقفهم العصبوية” المنتمية للتراث الأناركي التقليدي في القرن الـ19، والنشطاء الصغار المطلعين “أكثر من هؤلاء بكثير، على عناصر أناركية أخرى، فضلا عن الأفكار الأصلية، مثل الأناركيات النسوية والبيئية والثقافية النقدية”، والذين في مطلع القرن الـ21 شكلوا“إلى حد بعيد الأغلبية”من بين الأناركيين.
حول منعطف القرن الـ21، نمت الأناركية في شعبيتها ونفوذها في إطار الحركات المناهضة للحرب، وللرأسمالية، وللعولمة. وأصبح الأناركيون معروفون بمشاركتهم في الاحتجاجات ضد اجتماعات منظمة التجارة العالمية (WTO)، ومجموعة الثمانية، والمنتدى الاقتصادي العالمي. وشاركت بعض الفصائل الأناركية في هذه الاحتجاجات، وفي أعمال شغب وتدمير الممتلكات الرأسمالية، وفي المواجهات العنيفة مع الشرطة، وشارك في هذه الممارسات مجموعات بلا قيادة وكوادر مجهولة تعرف باسم الكتل السوداء، ومجموعات أخرى لها أساليب تنظيمية أخرى رائدة مثل ثقافة الأمن، والجماعات المتقاربة، واستخدام التكنولوجيات اللامركزية مثل الإنترنت. وكان الحدث الكبير في هذه الفترة هو المواجهات في مؤتمر منظمة التجارة العالمية في سياتل في عام 1999. ووفقا للأناركي الباحث سيمون كريتشلي “يمكن أنْ ينظر إلى الأناركية المعاصرة كقوي نقدية للتحررية الزائفة المعاصرةن والليبرالية الجديدة...ويمكن القول إنَّ الأناركية المعاصرة تقوم على أساس المسؤولية الاجتماعية، والغضب الأخلاقي على عدم المساواة والفقر والتمييز الذي أصبح واضحا جدا محليا وعالميا”.
وتشمل الاتحادات الأناركية الدولية على المستوى  الدولي الاتحادات الأناركية، جمعية العمال العالمية، والتضامن التحرري الدولي.
 أكبر منظمة للحركة الأناركية اليوم في إسبانيا، هيَ التعاهدية العامة للعمل (CGT) والتعاهدية الوطنية للعمل CNT. وتقدر عضوية CGT بحوالي 100000 لعام 2003. وتشمل  الحركات النقابية النشطة الأخرى في السويد الهيئة المركزية للعمال السويدين واتحاد شباب السويدي الأناركي النقابي. والمجلس الوطني الانتقالي-AIT في فرنسا. وسينديكال يونيني في إيطاليا؛ وتحالف التضامن العمالى في الولايات المتحدة واتحاد التضامن في المملكة المتحدة والاتحاد الأناركي. وعمال العالم الصناعيين، وجمعية العمال العالمية، وهو خليفة الأناركية النقابية للأممية الأولى، والتي لا تزال ناشطة أيضا.
وليس معنى تلك الكثرة العددية للأناركيين ومنظماتهم أنَّ معظم هؤلاء مؤثرين في تطور العملية الثورية، بما يتوافق وحجم انتشارهم، لأنهم غالبا أفرادٌ بلا تنظيم، فعاليتهم فعالية جنود في الحشود، يحصد نتاج نضالهم وتضحياتهم الجنرالات من الساسة المنظمين، أو على الأقل لا يملكون القوة المادية اللازمة لإحداث التغيير الاجتماعي، أو التأثير فيه، أيْ أنهم يوظفوا أنفسهم وبإرادتهم لصالح إعادة إنتاج مجتمع سلطوي على عكس أهدافهم، ويعيدون إنتاج فشلهم التاريخي المتكرر، في كوميونة باريس والثورة الروسية والحرب الأهلية الإسبانية والموجة الثورية العالمية في مايو 68 وأخيرا حركتي مناهضة العولمة والحرب واللتان انتهيتا إلى الفشل، وفي أحداث ما يسمى الربيع العربي، والحقيقة أنَّه في كل تلك الأحداث التاريخية كان الأناركيون يتواجدون بقوة، ولكن بلا تأثير في النتائج النهائية.

في حوار جمع بين مجموعة من الأناركيين المصريين، وأحد الرفاق الأناركيين من شيلي نقل لهم خبرته من تطورات الوضع في أمريكا اللاتينية، عن أنَّ نفس المشكلة تتكرر في كل موجة ثورية، نضالٌ عاتٍ وحضورٌ مكثفٌ في الفعاليات والاحتجاجات الثورية، ولكن الثمار غالبا ما تقع في أيدي سلطويين مختلفين، وهذا يشير بوضوح لخطأ لابد من تداركه، حتى تتوقف الأناركية عن إعادة إنتاج فشلها التاريخي. 

الأحد، 13 أغسطس، 2017

القسم الثانى تاريخ الأناركية 1

القسم الثانى تاريخ الأناركية 1
سامح سعيد عبود
الأناركية في الحضارات القديمة:
عاش البشر أبرياء من داء التسلط عليهم في مجتمعات لاسلطوية تلقائيا، ولم يكن لديهم مفهوم فلسفي وقانوني عن الأناركية باعتبارها وسيلة متميزة للحياة يمارسونها بالفعل كلما تيسر لهم ذلك دون مسميات. إلَّا أنَّه بعد أنْ نشأت المجتمعات السلطوية فإنَّ الناس بدأوا في تصور الأناركية أو اللاسلطوية كبديل إيجابي لتلك المجتمعات بسلبياتها.
عاش البشر لمئات الآلاف من السنين في عشائر مشاعية دون أيِّ دولة، ودون أيِّ سلطة، منفصلة عنهم ومتعالية عليهم، حيث ظهرت تلك الدول، وذاك النوع من السلطات مصاحبة لانقسام أفراد العشيرة المتساوين في الأصل، لطبقات غير متساوية الحقوق والواجبات، حيث أحتكرت فيها طبقات الملاك والكهنة والساسة ورجال الحرب والأمن والقانون مصادر السلطة المادية أيْ الثروة والعنف والمعرفة، وحرمت الطبقات الأخرى منها، فظهرت الدولة كمؤسسة لحمايتهم، وحماية امتيازاتهم، وضمان خضوع المحرومين لهم، وكان ذلك في وقت قريب من ما يسمى فجر الحضارة والتاريخ المكتوب، أيْ منذ حوالي 8000 سنة، حيث بدأت أولى المجتمعات ذات الانقسام الطبقي، والهياكل الرسمية، والتسلسل الهرمي للسلطة، وتطورت أشكال القيادة والسيطرة من ناحية الحاكمين، والطاعة والخضوع من ناحية المحكومين.
في البداية، كانت هذه المجتمعات الهرمية ظاهرة نادرة نسبيا ومعزولة في وديان بعض أنهار  آسيا والشرق الأوسط. وببطء زاد حجمها ونفوذها وانتشارها، وتعدت علي المجتمعات القبلية المحيطة بها التي تسودها الأناركية، وقهرتها واستعبدتها، واستولت على أراضيها وثرواتها، كما أغارت القبائل الرعوية في البراري والصحاري المحيطة بأودية الأنهار على المناطق الزراعية، وحكمتها أيضا مشكلة امبراطوريات وممالك وسلالات للحكم، تتنافس، وتتصارع فيما بينها في حروب لا تنتهيَ، وتعيش طبقاتها الحاكمة على فرض الإتاوات والجزية والمكوس والضرائب على حساب غالبية السكان من منتجي الثروات من مزارعين وحرفيين ورعاة، سواء أكانوا عبيدا أم أحرار، بحجة حمايتهم من منافسيها الآخرين الساعين لاستغلالهم باعتبارهم فرائس لمن غلب منهم.
وفي حين  واصل معظم البشر العيش بلا سلطة سياسية وبلا دولة، وبشكل مستقل في جماعات وقبائل صغيرة منعزلة، فمن ناحية أخرى، وفي استجابة منهم لضغوط غزو مناطقهم من الخارج، وضعت مجتمعات قبلية أخرى أشكالا هرمية للتنظيم الاجتماعي والسياسي أيضا. ومع ذلك، فقبل عهد الاستعمار الأوروبي، أيْ منذ عام 1500 بعد الميلاد، واصل الكثير من سكان  العالم، العيش على نحو أناركي بشكل أساسي، من دون مؤسسات حكومية رسمية حتى بداية القرن الـ19، إلَّا أنَّه مع القرن 20 فقد تم تقسيم الكوكب نهائيا بين الدول القومية المتنافسة، التي تدعي الآن السيادة على الكوكب بأسره.
كان صعود الهرمية، وانتصار السلطوية، وانحسار الأناركية في المجتمع البشري، بعيدا عن الوسائل السلمية تماما، فالحرب والعنف والسلطة والجريمة والاستعباد ساروا دائما إلى الأمام يدا بيد، تاركين وراءهم الدمار للبيئة الطبيعية، وللبشر ولمواردهم ولعلاقاتهم الطبيعية، وللكائنات الحية الأخرى، ومسببين، ومازالوا، المآسى الموهولة للغالبية الساحقة من البشر، التي تنزف حكاياهم من كل سطور التاريخ المكتوب دما ودموعا وصراخا ورعبا وظلما وبؤسا لا حد لهم.
كان هذا  الصعود بسبب ظهور قلة من البشر المتسلطين، احتكروا السلطة باحتكارهم العنف والثروة والمعرفة لأنفسهم، وحرموا الغالبية منها، وأضفوا على وجودهم شرعية لا حق لهم فيها ولا مبرر....بشر في حقيقتهم مثل مصاصي الدماء، كالقمل والبق والبعوض، طفيليات ضارة يمكن الاستغناء عنها، واستئصالها لشفاء البشرية المنتجة من تطفلهم عليها، بشر كل ما يفعلوه هو العيش على نفقة وحساب منتجي الثروة والحضارة الحقيقيين والمحرومين في نفس الوقت من الثروة والعنف والمعرفة، بعد أنْ تم استعبادهم وقمعهم وتضليلهم، بلا ضرورة سوى تسهيل نهبهم، بشر لا وظيفة لهم سوى البلطجة والحرب وإصدار الأوامر. أما ضحاياهم من الغالبية، فقد كان فهمهم ضئيلا دائما أو معدوما عن القوة التي تعمل ضدهم، وتمص دمائهم، والطامعة فيهم، وفي ثرواتهم، وفي عقولهم وأجسادهم، وفي إطار ما  يسمى بالطرق البدائية لحياتهم، ووسائل الدفاع عن أنفسهم الأقل تطورا. كان الصراع الذي لا يرحم غير متكافئ من البداية بين الطرفين فتمت هزيمتهم دائما.
يتفق معظم علماء الاجتماع المعاصرين، على أنَّ الفترة الأطول في التاريخ البشري قبل التاريخ المكتوب، كان المجتمع البشري دون طبقة منفصلة تمارس السلطة القائمة، ودون مؤسسات سياسية رسمية. ووفقا لهارولد باركلي، فقد ظهرت المجتمعات اللاسلطوية قبل فترة طويلة من وجود اللاسلطوية كنظرية واضحة، حيث عاش البشر منذ آلاف السنين في مجتمعات ذات حكم ذاتي من دون حكمٍ متعالٍ عليها ومنفصل عنها بأيِّ طبقة سياسية. ولكن فقط بعد صعود المجتمعات الهرمية تمت صياغة الأفكار الأناركية كرد فعل يرفض جبرية المؤسسات السياسية، وهرمية العلاقات الاجتماعية.
الأناركية في الصين القديمة:
نشأت الفلسفة الطاوية في الصين القديمة قبل الميلاد بنحو ستة قرون، وهيَ مدرسة فلسفية ضمت بعض أوائل الكتاب المعروفين تاريخيا بمواقفهم الأناركية المعادية للسلطة، وقد تم العثور علي أقدم  نصوص للأناركية في القرن السادس قبل الميلاد، من بين أعمال الفيلسوف الطاوي الأهم “لاو تزه”، الذي وضع فلسفة “اللاقاعدة أو اللاحكم”  في كتابه “طاو ته تشينغ”. وقال لاو تزة:“إذهب إلى الناس وعش بينهم وابن على ما لديهم، ولتكن من أفضل القادة الذين حين يستكملون مهمتهم يقول الناس لقد صنعنا هذا بانفسنا”، وفي صياغة أخرى: “أفضل القادة هو الذي يعرفه الناس بالكاد، والذي حين يستكمل مهمته يقول الناس صنعنا هذا بأنفسنا”. وقد وصفت  مصادر مختلفة فلسفة الطاوي الآخر “زوانج زي”  بالأناركية. حيث كتب  “يتم وضع اللص في السجن، بينما يصبح قاطع الطريق الكبير حاكم للأمة”، فالقانون دائما يدين اللص الصغير، ويقدس ويحمي اللص مغتصب السلطة، ويضفي عليه دائما أسمى آيات الاحترام خوفا من السلطة، وعبادة للقوة، والناس تنصاع لحكم القوة لا حكم الحق في الحالتين...فلا فرق بين من يقطع عليك الطريق ويسلبك نقودك وربما حياتك، وبين من يفرض إرادته وقانونه وسجونه وأحكامه وتعاليمه وقرارته عليك بالعنف أو بالخداع...لأنَّه فقط يملك ويحتكر السلاح ويضع التشريع وينفذه....ذلك التشريع الذي يحمي مصالحه لا مصالحك، ويجعلك تضحي ربما بحياتك من أجله. وقال باو جينغ الفيلسوف الطاوي الثالث صراحة أنَّه يجب أنْ لا يكون هناك سادة ولا مسودين. وقد عاش العديد من الفلاسفة والحكماء الطاويين حياة أناركية على هامش المجتمع الصيني القديم.
الأناركية في اليونان القديمة:
شهدت اليونان القديمة بعض النصوص الأناركية لمفكرين أناركيين. فقد دعى كل من ديوجين الكلبي من سنوبي وكرتاس من طيبة إلى الأناركية الاجتماعية، وقال اريستبوس إنَّه ليس من الحكمة أنْ يتخلى الناس عن حريتهم للدولة. ووصف زينون الرواقي، مؤسس الفلسفة الرواقية، الذي تأثر كثيرا بالسالف ذكرهم في رؤيته لمجتمع أناركي خيالي حوالي عام300 قبل الميلاد. وهيَ جمهورية تقوم على شكل من أشكال الأناركية حيث لا حاجة هناك لهياكل الدولة. وكان زينو، وفقا لأناركي آخر من القرن العشرين هو بيتر كروبوتكين:“أفضل داعية للفلسفة الأناركية في اليونان القديمة”. كما لخصها كروبوتكين، حيث أنكر زينو “السلطة المطلقة للدولة، وتدخلها في حياة الأفراد ونظامها الصارم في قمعهم، وأعلن سيادة القانون الأخلاقي للفرد”. و تتعارض رؤية زينو لمجتمع طوعي حر دون حكومة مع رؤية دولة خيالية أخرى هيَ جمهورية أفلاطون الطبقية والسلطوية والاستبدادية التي يحكمها الفلاسفة، برغم اختفاء الملكية الخاصة فيها، ضمن الفلسفة اليونانية القديمة. وهيَ الأصل الفلسفي لكل أشكال اشتراكيات الدولة السلطوية الحديثة.
 قال زينو إنَّه بالرغم من أنَّ الغريزة الملازمة لحفظ الذات تؤدي بالبشر إلى الأنانية، فإنَّ الطبيعة زودت تصحيحا لذلك من خلال توفير غريزة أخرى هيَ النزعة الاجتماعية في الإنسان. وقال إنَّه يعتقد أنَّه إذا كان على الناس إشباع غرائزهم، فسوف لا تكون هناك حاجة للمحاكم أو للقانون أو للشرطة، ولا للمعابد ولا للعبادة العامة، ولا استخدام المال (حيث يحل التهادي المجاني مكان التبادل التجاري النقدي).
الأناركية في العصور الإسلامية الوسيطة:
تم العثور في التاريخ الإسلامي المبكر، على بعض مظاهر الفكر الأناركي؛ فقد دعم بعض فقهاء المسلمين، مثل عامر البصري، وأبو حنيفة النعمان، حركات مقاطعة الحكام، مما مهد الطريق إلى تأسيس نظام الوقف الإسلامي، الذي كان بمثابة بديل للناس لتمويل الملاجئ والمساجد والأسبلة والمستشفيات والمدارس وغيرها من المؤسسات الاجتماعية بعيدا عن السلطات المركزية للأمراء والخلفاء. وكان المسلمون الخوارج من فرقة النجدات لا يرون ضرورة لوجود الإمام إلَّا في حالة الحرب، أما في حالة السلم فعلي الناس أنْ يحتكموا فيما بينهم لشرائعهم، وكذلك كان بعض مفكري المعتزلة في القرن التاسع أناركيين فيما يتعلق بمسألة السلطة. حيث كتب أبو بكر الأصمّ أحد شيوخ المعتزلة: “لو تكافَّ الناسُ عن التظالم لاستغنوا عن الإمام”، وهو قول يحمل نزعة لاسلطوية.
الأناركية في العصور الوسطى الأوربية:
يعتبر التيار المسيحي الأناركي“يسوع المسيح” الأناركي الأول. حيث كتب جورج لاكرتير أنَّ“المؤسس الفعلي للأناركية كان يسوع المسيح ومن وجهة نظره كان المجتمع الأناركي الأول مكونا من الرسل والمسيحيين الأوائل”.
كانت هناك مجموعات متنوعة من الحركات الدينية اللاسلطوية  في أوروبا خلال العصور الوسطى، ويعتبر القائلون بتجديد التعميد كطقس مسيحي يحدث مرة واحدة للأطفال لإدخالهم المسيحية. في بعض الأحيان الطلائع الدينية للأناركية الحديثة. ولذلك كتب برتراند راسل، في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية، إنَّ القائلين بتجديد التعميد “تنصلوا من القانون، لأنهم رأوا أنَّ الرجل الجيد سوف يسترشد في كل لحظة بالروح القدس بمفرده..“ وقبل ليو تولستوي مؤسس الأناركية المسيحية الحديثة، تجلت الأناركية المسيحية في ما كتبه جيرارد وينستانلي، الذي كان زعيم حركة الحفارين في إنجلترا خلال الحرب الأهلية الإنجليزية، حيث نشر وينستانلي كتيبا يدعو فيه إلى الملكية الجماعية والتنظيم الاجتماعي والاقتصادي القائم على المساواة في المجتمعات الزراعية الصغيرة. واستنادا إلى الكتاب المقدس، قال إنَّ“بركات الأرض” يجب “أنْ تكون مشتركة بين الجميع...وليس لسيد على الآخرين”.
الأناركية في عصر التنوير والثورة الفرنسية:
كتب الفيلسوف السياسي الفرنسي أتين دي لابواتييه في عصر النهضة  عمله الأكثر شهرة عن العبودية الطوعية، وهو ما يعتبره بعض المؤرخين سابقة أناركية هامة. حيث ناقش أنَّ الاستبداد ينتج عن الخضوع الطوعي، ويمكن أنْ ينتهيَ من قبل الشعب إذا رفض الانصياع للسلطات فوقه. وكتب فرانسوا رابليه (1532-1552) كتاب “في الطريق من ثيليما”وهيَ (كلمة يونانية تعني “سوف” أو “رغبة”)، وهي مدينة فاضلة خيالية كان شعارها “افعل ما تريده”.
ظهرت إرهاصات الأناركية المعاصرة سواء في الفكر العلماني أو الديني لعصر التنوير، ولا سيما في حجج جان جاك روسو حول المركزية الأخلاقية للحرية.
كانت هناك تيارات أناركية متنوعة حاضرة خلال الفترة الثورية في فرنسا، وبحلول الثورة الفرنسية الكبرى، بدأ البعض مثل جماعات الغاضبين في  استخدام المصطلح على نحو إيجابي، والدفاع عن الحكم الذاتي المحلي للأقاليم والبلديات والمقاطعات الفرنسية في معارضة مركزية السلطة، والدولة الفرنسية المحكومة من باريس التي أسسها اليعاقبة وديكتاتوريتهم الثورية في فرنسا، ورأوا أنَّ مصطلح “الحكومة الثورية” مقولة متناقضة كمقولة “الدائرة المربعة”. وكتب جان فالري في 1794 إنَّ“الحكومة والثورة غير متوافقتين، ما لم يكن الناس يرغبون في تحديد سلطاتها الدستورية  لتكون في تمرد دائم على نفسها”. وتطلع سيلفان ماريشال في كتابه “بيان المساواتيين” لاختفاء التمييز، مرة واحدة وإلى الأبد،  “بين الأغنياء والفقراء، وبين الكبار والصغار، وبين السادة والخدم، وبين الحكام والمحكومين”.
بداية الأناركية المعاصرة:
يعتبر وليام جودوين عادة مؤسس المدرسة الفكرية المعروفة باسم “الأناركية الفردية” وقد طور التعبير الأول عن الفكر الأناركي الحديث. في سياق الاضطراب السياسي في تسعينات القرن 18 في أعقاب الثورة الفرنسية الكبرى، وأول من وضع المفاهيم الاقتصادية والسياسية الأناركية، على الرغم من أنَّه لم يعط هذا الاسم إلى الأفكار المقدمة في أعماله.
يعتبر الفيلسوف السياسي الفرنسي بيير جوزيف برودون أول شخص وصف نفسه صراحة بالأناركي، ودشن بذلك المولد الرسمي للأناركية في منتصف القرن التاسع عشر، باعتبارها تحمل معنًى إيجابيا، وهي التسمية التي اعتمدها في عمله الرائد، “ما هي الملكية؟”، الذي نشر في عام 1840. ووضع نظرية النظام التلقائي في المجتمع، حيث تنشأ المؤسسة الاجتماعية دون منسق مركزي يفرض فكرته الخاصة للنظام ضد إرادات الأفراد الذين يعملون من أجل مصالحهم الخاصة. وقال  مقولته الشهيرة في هذا الشأن: “الحرية هي أم، وليست ابنة النظام”. واستخدم البعض في فرنسا من تسعينات القرن 19، مصطلح التحررية (الليبرتاريانية) كمرادف للأناركية، ومن ناحية أخرى، استخدم البعض التحررية (الليبرتاريانية) للإشارة إلى فلسفة السوق الحرة الأناركية الفردية  فقط.
كان جوزيف دي جاك الأناركي الشيوعي أول شخص وصف نفسه بأنه “تحرري”، وانتقد تبادلية برودون، حيث تبنى الموقف الشيوعي الأناركي حين قال:“إنَّ العامل لديه الحق في إشباع احتياجاته، أيَّا كانت طبيعتها، وليس كمقابل لنتاج عمله”. وانتقد  دي جاك معاداة برودون للحركة النسوية ولحقوق المرأة، وبعد عودته إلى نيويورك نشر كتابه على حلقات في نشرته الدورية “التحرري”، جريدة الحركة الاجتماعية. الذي نشر في 27 مقالة من 9 يونيو 1858 حتى 4 فبراير عام 1861، وكانت “التحرري” أول مجلة أناركية شيوعية تنشر في الولايات المتحدة، وأول مجلة أناركية  استخدمت مصطلح التحررية.
رفض دي جاك الفكرة البلانكية، أيْ فكرة الحزب الطليعي القائد للجماهير الذي يحمل الوعي لهم، ويصل للسلطة بدلا منهم، وهيَ عين الفكرة اللينينية، حزب دستة الأذكياء، تلك الفكرة التي تقوم على الانقسام بين طليعة المعلمين الكبار للشعب والمهندسين لعلاقات ومؤسسات المجتمع  و”الشعب أو قطيع الرعاع”، الذين يجب أنْ ينصاعوا لتعليمات المعلمين والمهندسين، ويخضعوا لإرادتهم، وكان يعارض كل الاتجاهات السياسية السلطوية في عصره على حد السواء، من الجمهورية الاجتماعية، إلى دكتاتورية الرجل الواحد إلى“ديكتاتورية القلة العبقرية من البروليتاريا”. وفيما يتعلق بهذه الأخيرة، كتب ما يلي: “لجنة ديكتاتورية مؤلفة من العمال هي بالتأكيد الشيء الأكثر غرورا وأنانية وعدم كفاءة الذي يمكن العثور عليه، وبالتالي الأكثر معاداة للثورة، (ومن الأفضل أنْ يكون لنا أعداء لايمكن الثقة فيهم في السلطة من أصدقاء ليسوا محلا للثقة)”. ورأى في كل من المبادرة اللاسلطوية للجماهير، والإرادة العقلانية، واستقلالية الجميع“الشروط الضرورية للثورة الاجتماعية للبروليتاريا”، والتي رأى أنها وجدت التعبير الأول لها على المتاريس بدءا من انتفاضة يونيو 1848. ورأي ديجاك، أنَّ الحكومة التي تنتج من تمرد تبقى رجعية طالما شكلت قيدا على المبادرة الحرة للبروليتاريا، أو بالأحرى، كل مبادرة حرة لا يمكن إلَّاأنْ تنشأ وتتطور إلَّا من قبل الجماهير لتحرير أنفسهم” من الأحكام المسبقة الاستبدادية التي يمكن من خلالها للدولة أنْ تعيد إنتاج نفسها لتمارس وظيفتها الأساسية في القمع والحلول محل الشعب في تقرير مصيره.
أسس رامون دي لا ساجرا مجلة إلبورفنير الأناركية في إسبانيا في عام 1845، والتي كانت ملهمة بالأفكار البرودونية. وأصبح فرنسيسك بي أيْ مرجال السياسي الكتالوني المترجم الرئيسي لأعمال برودون إلى الإسبانية، وفي وقت لاحق  أصبح رئيس إسبانيا في عام 1873 لفترة وجيزة في حين كان زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي الجمهوري. ووفقا لجورج وودكوك “كانت لهذه الترجمات تأثير عميق ودائم على تطوير الأناركية الإسبانية وبعد عام 1870، قدمت الأفكار البرودنية، كما فسرها بي مرجال، بالفعل الكثير من الإلهام للحركة الاتحادية التي نشأت في إسبانيا أوائل عام 1860”.ووفقا لموسوعة بريتانيكا” خلال الثورة الإسبانية عام 1873، حاول بي مرجال إنشاء “نظام الكانتونات” اللامركزية، أو النظام السياسي الاتحادي اللامركزي بناء على أفكار البرودونية”.
الأناركية في الأممية الأولى:
وحدت جمعية العمال الدولية (التي تسمى أحيانا “الأممية الأولى”) في عام 1864، التيارات العمالية المتنوعة بما في ذلك التبادليين أتباع الفرنسي برودون، والبلانكيين أتباع الثوري الفرنسي أوغسط بلانكي السابق الإشارة إليهم، والنقابيين الإنجليز والاشتراكيين الديمقراطيين والاشتراكيين. حيث ربطت الأممية الحركات العمالية النشطة عبر أوروبا وأمريكا الشمالية، وأصبحت الأممية الأولى منظمة تعددية كبيرة. وفي نفس الوقت أصبح كارل ماركس شخصية بارزة في الأممية، وعضوا في مجلسها العام.
 في عام 1868، انضم الثوري الروسي ميخائيل باكونين ورفاقه الأناركيون الجمعيون إلى الأممية الأولى وتحالفوا مع الأقسام الاشتراكية اللاسلطوية في الأممية، التي دعت إلى الإطاحة الثورية بالدولة وإلى الملكية الجماعية. وقد عارض كل من أتباع برودون التبادليين، وأتباع باكونين الجمعيين، مفهوم اشتراكية الدولة لماركس، كما عارضوا كل من البلانكية والنقابية الإصلاحية، ودعوا إلى  الغيابية السياسية عن الانتخابات التشريعية، ودعموا ملكية المقتنيات الصغيرة غير الرأسمالية والملكية التعاونية لا ملكية الدولة الماركسية.
وفي نفس الوقت اعتمد اتحاد العمال في إسبانيا موقفا مماثلا في عام 1882، كما صاغه الأناركي المخضرم عضو الأممية الأولى، جوسيب ليوناس  ط بوجالس، في مقاله:“الجمعية”.
في البداية، عمل الأناركيون الجمعيون مع الماركسيين لدفع الأممية الأولى في اتجاه اشتراكي أكثر ثورية. وفي وقت لاحق، أصبحت الأممية مستقطبة بين معسكرين، يقود الأول ماركس، ويقود الثاني باكونين كشخصيتين بارزتين. وقد وصف باكونين أفكار ماركس بالمركزية والسلطوية، وتوقع أنَّه إذا جاء حزب ماركسي إلى السلطة، فإنَّ قادته سوف يتخذون  مكان الطبقة الحاكمة التي قاتلوا ضدها. وهو ما حدث بالفعل منذ أنْ استولى الماركسيون على السلطة في روسيا 1917، وفي كل مرة استولوا فيها على السلطة طوال القرن العشرين بلا أيِّ استثناءات.
لم ينعقد المؤتمر السنوي الدولي للأممية في عام 1870 بسبب اندلاع أحداث كوميونة باريس، ودعا المجلس العام للأممية في عام 1871 لمؤتمر خاص في لندن، واستطاع مندوب واحد الحضور من إسبانيا، ولم يحضر أحد من إيطاليا، وتجنب القائمون على تنظيم المؤتمر دعوة أنصار باكونين السويسريين، ومن ثم حضرت أقلية صغيرة فقط من الأناركيين للمؤتمر، ومرت قرارات المجلس العام بالإجماع تقريبا، ومعظمها كانت موجهة بوضوح ضد باكونين وأتباعه.
في عام 1872، وصل الصراع لذروته مع الانقسام النهائي بين الفريقين في مؤتمر لاهاي، حيث تم طرد كل من باكونين وجيمس جوليوم من الأممية، ثم انتقل مقرها إلى نيويورك قبل أنْ تنحل بعامين أو ثلاثة. وردا على ذلك، شكلت الأقسام الأناركية من الأممية المنحلة أمميتها الخاصة في مؤتمر سان إيمير، حيث اعتمدت برنامج الأناركية الثورية.
كوميونة باريس:
في عام 1870، قاد ميخائيل باكونين انتفاضة فاشلة في ليون على أساس المبادئ التي تأسست عليها كوميونة باريس لاحقا، حيث دعا إلى إنتفاضة عامة في استجابة لانهيار الحكومة الفرنسية خلال الحرب الفرنسية البروسية، وسعى لتحويل الصراع الإمبراطوري بين فرنسا وبروسيا، إلى ثورة اجتماعية طبقية، وناقش التحالف الثوري بين الطبقة العاملة والفلاحين والمنصوص عليها في صياغة له فيما أصبح يعرف باسم دعاية الفعل.
حكمت حكومة كوميونة باريس لفترة وجيزة باريس من 18 مارس إلى 28 مايو 1871. وكانت الكوميونة نتيجة لانتفاضة عمالية حدثت في باريس بعد هزيمة فرنسا في الحرب الفرنسية البروسية. وشارك الأناركيون بنشاط في إنشاءها..وكان وجودهم فعالا بحيث أصبح يمكنهم أنْ يروا فيها أفكارهم المرتبطة بالعمل وهيَ تبدأ في التحقق في الإصلاحات التي بدأتها الكوميونة، مثل إعادة فتح أماكن العمل كتعاونيات، ...وعلاوة على ذلك، عكست أفكار الكوميونة عن “الاتحادية” بوضوح تأثير برودون على الأفكار الراديكالية الفرنسية في الواقع، حيث رأت الكوميونة التنظيم الاجتماعي لفرنسا على أساس اتحادات حرة للبلديات على طراز كوميونة باريس تديرها مجالس البلديات المكونة من المندوبين المنتخبين في مواقع العمل والسكن والملزمين حتما بالتكليفات الصادرة عن ناخبيهم والمعرضين للاستدعاء منهم، ومحاسبتهم، وإقالتهم في أيِّ لحظة، كصدى لأفكار برودون وباكونين حيث طرح برودون، مثل باكونين، “انتخاب المندوبين الملزمين بإرادة ناخبيهم للمجالس التشريعية التنفيذية للكوميونات (البلديات)” في عام 1848...والاتحاد الطوعي للكوميونات أو (البلديات). وبالتالي يمكن أنْ نستنتج مدى تأثر كوميونة باريس اقتصاديا وسياسيا بشدة بالأفكار الأناركية، حيث قدم أعضاء من الفصائل الأناركية المختلفة، التبادليون والجمعيون إسهاما ملحوظا في أنشطة الكوميونة، وبصفة خاصة في تنظيم الخدمات العامة.
ثم استولت قوات الثورة المضادة التي كانت متمركزة في فرساي على باريس بعد أنْ هاجمتها بمساعدة الغزاة البروسيين، وفي أسبوع واحد فقط من القمع واشاعة الرعب وإرهاب الدولة، تم إعدام ما يقرب من 20000 من قادة الكوميونة أو المتعاطفين معهم أو المشتبه بهم، وهو أعلى من عدد القتلى الباريسيين في الحرب العالمية الأخيرة، أو خلال فترة حكم روبسبيير المسماه بـ”حكم الإرهاب” من 1793-1794 أثناء الثورة الفرنسية الكبرى، وسجن أكثر من 75000، وترحيلهم إلى أماكن مثل كاليدونيا الجديدة، وفر آلاف آخرون إلى بلجيكا وإنجلترا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة. وصدرت في عام 1872 القوانين الصارمة التي تستبعد كل احتمالات لإنشاء أيِّ تنظيم عمالي أو تنظيم على يسار النظام. ثم صدر في عام 1880 عفوٌ عام عن المنفيين والسجناء والهاربين بسبب اتهامهم في انتفاضة الكوميونة. وفي الوقت نفسه، وجدت الجمهورية الثالثة نفسها قوية بما يكفي بعد أنْ أفرغت البلاد من المعارضة، لتجديد وتعزيز غزوات  لويس نابليون الإمبريالية في الهند الصينية وإفريقيا. هذا وقد شارك العديد من المثقفين وكبار الفنانين في فرنسا في الكوميونة (كان كوربيه شبه وزير الثقافة، وكان رامبو وبيسارو من الدعاة النشطين) أو كانوا متعاطفين معها. وربما كان القمع الشرس عام 1871 وما بعد ذلك، عاملا أساسيا في تنفير هذه الأوساط من الجمهورية الثالثة، وإثارة تعاطفهم مع ضحاياها في الداخل والخارج “.
بعد هزيمة كوميونة باريس والقمع الوحشي للمشاركين فيها إعداما ونفيا وسجنا، انهارت الحركة الأناركية، والحركة العمالية بالكامل، وتوقفتا لسنوات طويلة، بعد عملية قطع الرؤوس الثورية التي مارستها البرجوازية الفرنسية المذعورة ودولتها.
أحداث هايماركت ويوم العمل:
يرجع الاحتفال بعيد العمال العالمي يوم 1 مايو لتخليد ذكرى النضال العمالي في ذلك اليوم، ففي عام 1886، حددت منظمة نقابات العمال (FOTLU) من الولايات المتحدة وكندا بالإجماع يوم 1 مايو 1886، موعدا كيْ تبدأ فيه تحركات عمالية من أجل تحديد يوم العمل بمدة ثماني ساعات باعتباره مطلبا عاما للحركة..ودعت النقابات في جميع أنحاء الولايات المتحدة إلى إضراب عام لدعم المطلب. وفي 3 مايو في شيكاغو، نشب شجار عندما حاول كاسرو الإضرابات المأجورين عبور خط الاعتصام العمالي، وتوفي اثنان من العمال عندما فتحت الشرطة النار على حشود المعتصمين. وفي اليوم التالي، 4 مايو، قام الأناركيون بالتجمع في ساحة هايماركت في شيكاغو. وقد ألقيت قنبلة من قبل جهة مجهولة قرب انتهاء المظاهرة، مما أسفر عن مقتل ضابط. وفي أثناء ذلك الذعر، فتحت الشرطة النار على حشد العمال المتظاهرين، وبعضها البعض. حتى لقيَ سبعة من ضباط الشرطة وأربعة على الأقل من العمال مصرعهم. وألقت الشرطة القبض على  ثمانية من الأناركيين لهم علاقة مباشرة وغير مباشرة بمنظمي المسيرة، تم اتهامهم بارتكاب جريمة قتل الضباط المتوفين. وكان من مبررات الحكم بإدانتهم، الانتماء السياسي للمتهمين بصرف النظر عن ثبوت إدانتهم في الجريمة من عدمه. وأعدم أربعة من الرجال، وانتحر الخامس قبل إعدامه. وبعد سنوات قليلة اعترف أحد كبار رجال الشرطة أثناء احتضاره لقسيس الاعتراف أنَّ عملاء الشرطة هم من ألقوا القنابل، وأطلقوا الرصاص، مما دفع القسيس لإعلان ذلك لرد اعتبار العمال الذين تم إعدامهم. ونتيجة لذلك  مع أحداث أخرى أصبح الاحتفال بهذا اليوم تقليدا عماليا ودوليا واشتراكيا كرمز لوحدة العمال عالميا، وعالمية نضالهم ضد الرأسمالية.
دعاية الفعل والعنف واللاشرعية:
فيما تلى أحداث كوميونة باريس كان لا يزال هناك بعض الأناركيين من أنصار معاداة النقابية، القريبين من الأناركي سيباستيان فور، الذين كانوا قد تجمعوا في فرنسا، وهو ما تكرر مع نظرائهم الروس بعد هزيمة ثورة  1905 في روسيا القيصرية، وأصبح الأناركيون المعادون للنقابية يناصرون الإرهاب الاقتصادي و”النزع غير القانوني للملكية الخاصة”أيْ المصادرة الشعبية للممتلكات الخاصة. كما ظهرت الممارسات اللاشرعية الضاربة عرض الحائط بالقوانين واللوائح في ممارسات الحركة الأناركية، وتصاعدت أعمال مفجري القنابل والديناميت الأناركيين، واتسعت عمليات الاغتيال  المسماة بـ”الدعاية عن طريق الفعل”وظهر اللصوص الأناركيون الذين كانو يمارسون  “المصادرة الفردية للملكيات الخاصة”، وتوزيعها على المعدمين، والذين أعربوا عن يأسهم الشخصي، ورفضهم العنيف لمجتمع لا يطاق. والذين رأوا أنَّ أفعالهم الفردية سوف تقدم أمثلة للجماهير، تدعوهم للتمرد على السلطة، وتشجعهم على الخروج على الشرعية، وحالة الطاعة والخنوع التي تزيد أوضاعهم سوءا.
وشمل أنصار ونشطاء هذه التكتيكات وغيرها يوهان موست، ولويجي جالليني، وفيكتور سيرج، وسيفيرينو دي جيوفاني فضلا عن جوزيبي ساينببيللا  الذي كتب فيما بعد “إنَّ معنى شعارنا (ضد التنظيم”) أننا  لا نريد برامج تكتيكية نزعم أننا سوف نحققها، وبالتالي فإننا لا نريد منظمة تجمعنا، الشعار الذي نحمله، هو أنْ نترك لكل أناركي الحرية في اختيار الوسائل التي يوحي له بها إحساسه، وتعليمه، ومزاجه، وروحه القتالية بأنها الأفضل، ونحن لا نضع برامج ثابتة، ولا نشكل أحزابا صغيرة أو كبيرة، ولكن ننتظم وقتيا معا، وننفصل بشكل عفوي، وليس وفق معايير دائمة ولا جماعات ثابتة، ولكن ننتظم وفقا للحظة لكيْ نحقق غرض معين، ونحن نغير انتمائتنا باستمرار لهذه المجموعات المرنة وغير الثابتة، بأسرع ما يكون الغرض الذي كنا قد أرتبطنا حوله قد توقف عن أنْ يكون هدفا، في حين أنَّ أهداف واحتياجات أخرى تنشأ وتتطور تدفعنا إلى سعي جديد وتنظيم جديد، نتعاون فيه مع الناس الذين يعتقدون بالهدف الجديد في الظرف المحدد “.
وقد نفذ أتباع الأناركي الإيطالي الأمريكي لويجي جالليني، والمعروفين باسم الجاللينيين، سلسلة من التفجيرات ومحاولات الاغتيال ما بين عامي 1914-1932 في ما اعتبروه الهجمات على“الطغاة”و”أعداء الشعب”.
وقد دعا بعض الأناركيين مثل يوهان موست، لنشر أعمال عنف انتقامية ضد أعداء الثورة من ثمانينات القرن 19، وبدأ الناس داخل وخارج الحركة الأناركية في استخدام شعار “دعاية الفعل” للإشارة إلى التفجيرات الفردية، واغتيال الطغاة. وكانت  بونو جانغ المجموعة الأكثر شهرة  في ممارسة تكتيك اللاشرعية في فرنسا.
ومع ذلك، وبدءا من عام 1887، نأت الشخصيات المهمة في الحركة الأناركية بنفسها عن مثل هذه الأعمال الفردية العنيفة. حيث كتب بيتر كروبوتكين في ذلك العام في مجلة لو ريفولت (الثوري) أنَّ“هيكلا بنيَ على مدى قرون من التاريخ لا يمكن تدميره مع بضعة كيلوجرامات من الديناميت”. ودعت مجموعات متنوعة من الأناركيين  إلى التخلي عن مثل هذا النوع من التكتيكات لصالح العمل الثوري الجماعي المنظم، وعلى سبيل المثال من خلال الحركة النقابية. وناقش النقابي الأناركي، فرناند بيلوتير، في عام 1895 ضرورة انخراط الأناركية الجديدة في الحركة العمالية على أساس أنَّ الأناركية يمكن أنْ تعمل جيدا من دون تورطها في“التفجيرات الفردية”.
ولا شك أنَّ قمع الدولة للأناركيين، وحركات العمال التالية لبعض التفجيرات، والاغتيالات الناجحة، قد ساهم في التخلي عن مثل هذه الأنواع من التكتيكات، على الرغم من أنَّ قمع الدولة نفسه، قد لعب دورا جوهريا في نشوء مثل هذه الأعمال. حيث ساهم القمع في تقطيع أوصال الحركة الاشتراكية الفرنسية، إلى العديد من المجموعات المعزولة، بعد هزيمة  كوميونة باريس1871، حيث تم نفي العديد من الثوريين إلى المستعمرات الجزائية، فلم يكن أمام المتبقين، إلَّا الأعمال الفردية اللاشرعية.

 اغتال الأناركيون العديد من رؤساء الدول بين 1881 و1914، بما في ذلك القيصر الروسي ألكسندر الثاني، والرئيس الفرنسي سادي كارنو، وإليزابيث إمبراطورة النمسا، والملك الإيطالي أومبيرتو الأول، والرئيس الأمريكي وليام ماكينلي، والملك البرتغالي كارلوس الأول، والملك اليوناني جورج الأول. وادَّعى قاتل مكينلي ليون كولجوش أنَّه قد تأثر بالأناركية والنسوية إيما جولدمان. وقد تم التخلي عن أساليب دعاية الفعل العنيفة من قبل الغالبية العظمى في الحركة الأناركية بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918) وقيام الثورة الروسية  1917. 

السبت، 12 أغسطس، 2017

القسم الأول مفهوم الأناركية

القسم الأول مفهوم الأناركية
سامح سعيد عبود
أصل الكلمة
الأناركية (بالإنجليزية: Anarchism‏) (اشتقاق من اليونانية: αναρχία) التي تعني بدون حاكم أو ملك أو رئيس، ويقوم العديد بتعريب الأناركية إلى التحررية أو اللاسلطوية. وهيَ اتجاه سياسي تتفق اتجاهاته المختلفة على ضرورة إزالة سلطة الدولة المركزية، وإلغاء أيِّ علاقة سلطوية، منفصلة عن، ومتعالية على إرادة المنتمين لها، ليعتمد المجتمع في تنظيم شئونه على التعاون الطوعي بين أفراده.
وبرغم ذلك فالأناركية ليست مرادفة للفوضى كما يفهمها البعض، ويشيعون عنها، فالمجتمع الأناركي مجتمع مضاد للسلطة الهرمية أيْ الآمر والمأمور، الأعلى والأدنى، ومن ثم ليست ضد النظام في حد ذاته، وإنما تنحاز للسلطة التوافقية والأفقية بين أعضاءه المتساوين، فالنظام الأناركي يعتمد على التشارك الطوعي للأفراد الأحرار في التجمعات التعاونية المدارة ذاتيا، وهذه ليست فوضى ولا ضد نظامية.
والأناركية ليست رؤية خيالية للمجتمع يصعب تحقيقها، لأن بذورها قائمة عفويا بالفعل في كل أشكال التضامن والتعاون الطوعي بين البشر، فالتعاونيات المستقلة، وهيَ أحد أشكال التنظيم الطوعي التضامني بين الناس، قائمة بالفعل، وهناك أفراد مستقلون عن أيِّ سلطة قمعية تعلوهم، وجماعات لا تقوم العلاقات الاجتماعية فيما بين أفرادها على التسلسل الهرمي، أيْ الأعلى والأدنى، والمطلوب فقط هو توسيع مدى وعمق تلك الحالات والعلاقات، ونمو الجماعات الأناركية الموجودة بالفعل، لتسود الأناركية كل العلاقات الاجتماعية، وهذه الرؤية والفلسفة هيَ الطريقة المثلى للتخلص من أخطار السلطوية المدمرة على المجتمعات والإنسان.
وكما يشير الشكل أعلى النص، يتضح لنا أنَّ الأناركية مضادة تماما للفكر الفاشي والشعبوي الذي لا يحترم الحرية الفردية للإنسان واستقلاليته الذاتية، ولا يحترم المساواة بين الناس. وبالمثل، تتمتع الأناركية بعلاقات تناقض وتشابه معقدة مع الكثير من الأيديولوجيات مثل الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية. والأناركية لا يمكن تقيدها أو احتسابها ضمن اتجاه سياسي واحد فهي تنتشر في نطاق واسع، وتشترك في علاقات معقدة مع أفكار مختلفة.
ومع هذا فإنَّ كلمة “أناركي” (بالإنجليزية: Anarchy‏) استخدمت كثيرا في الثقافة الغربية استخدامات كثيرة؛ فقد استخدمت بمعنى المخربين والفوضويين، وبعض المراجع تصفها بأنها أيُّ فعل يستخدم وسائل عنيفة لتخريب تنظيم المجتمعات، وفي الحقيقة الكثير من المنظرين السياسيين يربطون الأناركية (أو الفوضوية، حسب رؤيتهم) بحب الفوضى وانعدام النظام، وحتى باستخدام العنف.
لكن الحقيقة هيَ أنَّ استراتيجية تبني العنف لا يتبناها جميع الأناركيين، فالعديد من الأناركيين يرفضون استخدام العنف، في حين يؤيده البعض الآخر، مطلقين عليه “النضال المسلح” أو “الدعاية بالأفعال”. كما أنَّ النظريات حول كيفية بناء وتسيير المجتمع الأناركي متعددة بتعدد الاتجاهات الأناركية المختلفة.
اللاسلطوية  هيَ التعريب الأفضل لكلمة الأناركية، وللتعبير عن هذا التيار السياسي والاجتماعي والفلسفي، فقد عرفت في العربية بالفوضوية، وهو ما تلتزم به القواميس الانجليزية العربية، والمترجمون العرب عادة، وهيَ ترجمة غير دقيقة للكلمة، فالفوضوية اشتقاق نسب عربي من فوضى، ومعناها بالانجليزية   ((chaos)) أيْ غياب القواعد والقوانين والتنظيم الاجتماعي، وهو ما تعارضه الأناركية في الحقيقة، لأن تلك الحالة الاجتماعية الفوضوية تحديدا، تشكل بيئة مناسبة جدا لصعود الاستبداد السياسي، ونشوء القمع الاجتماعي، وتبرير السلطة الجبرية، على عكس ما تسعى إليه الأناركية تماما كفلسفة وحركة، ومن ثم فالفوضوية ترجمة غير دقيقة، إنَّ لم تكن خبيثة ومغرضة هدفها التنفير من الفكرة.
دخل مصطلح “Anarchism”  لأول مرة باللغة الإنجليزية في 1642، خلال الحرب الأهلية الإنجليزية، واستخدمه الموالون للملكية لوصف معارضيهم المناهضين لها، كمصطلح سلبي يعبر عن السلوك السيِّئ والاعتداء والفوضى.
وظهر استخدامٌ آخر يحمل معنى سلبيا لهذه الكلمة، حينما اتهمت بعض الفصائل داخل الثورة الفرنسية معارضيها بالأناركية (كما فعل روبسبير  مع أنصار هيبير) على الرغم من أنَّ بعض المشاركين في الثورة الفرنسية شاركوا الأناركيين في العديد من الآراء. مثلما فعل في وقت لاحق العديد من الثوار في أوائل القرن التاسع عشر الذين ساهموا في تكوين المذاهب الأناركية المختلفة، لكنهم لم يستخدموا كلمة الأناركية في وصف أنفسهم أو معتقداتهم.
وبحلول مطلع القرن التاسع عشر، فقدت الكلمة الإنجليزية “Anarchism” دلالتها السلبية الأولية. وكان أول من استخدم مصطلح “Anarchism”على أنها تعني شيئا آخر غير الفوضى هو لويس أرماند، البارون دي لاونتان، في كتابه (رحلات جديدة في شمال أمريكا) 1703 حيث وصف المجتمعات الأمريكية الأصلية، التي كانت بلا دولة ولا قوانين ولا سجون ولا كهنة ولا ملكية خاصة، كما لو كانت في حالة اللاسلطة.
وفي عام 1840، اعتمد المفكر الفرنسي بيير جوزيف برودون هذا المصطلح في كتابه الأساسي“ما هي الملكية؟” للإشارة إلى فلسفة سياسية جديدة، أسماها أناركية تدعو إلى مجتمعات منظمة بلا دولة على أساس الجمعيات التعاونية التضامنية الطوعية.
هذا هو الهدف من الأناركية، عندما تعمل على تدمير السلطة في جميع جوانبها، وعندما تطالب بإلغاء القوانين، وإلغاء الآلية التي تعمل على فرضها، وعندما ترفض كل تنظيم هرمي، وتبشر بالتوافق الحر بين البشر سبيلا وحيدا لإدارة شئونهم المشتركة، في نفس الوقت الذي تسعى فيه للحفاظ على وتوسيع النواة الثمينة من العادات الاجتماعية التي لا يمكن لأيِّ مجتمع سواء للبشر أو الحيوانات أنْ يوجد بغيرها.
ما يناضل الأناركيون من أجله؟:
يناضل الأناركيون من أجل علاقات اجتماعية حرة ومساواتية، ومجتمعات مستقلة ومؤسسات طوعية، تدير شئونها ذاتيا، وتوافقيا بين أفرادها، ويناهضون الدولة باعتبارها مؤسسة غير مرغوب فيها، ولا لزوم لها، بل وباعتبارها مقيدة لحرية البشر واستقلالهم، ومسببة لتعاستهم، وهيَ الفكرة المركزية التي تجمع بين كل الأناركيين على اختلاف مدارسهم المتناقضة.
يعارض الأناركيون مبدأ السلطة الجبرية في حد ذاته، من حيث أنَّ تلك السلطة هيَ الحق في ممارسة الرقابة الاجتماعية، والضبط الاجتماعي..المنفصلين عن، والمتعاليين على، إرادة الخاضعين لهما، وكون السلطة الجبرية مرتبطة بوجوب طاعتهم لها، لا عن قناعة واختيار منهم، وإنما عن جبر واضطرار، إما خوفا من عقابها، أو تلمسا لحمايتها، أو رغبة في رضاها.
ينكر الأناركيون أخلاقية العلاقات السلطوية القائمة بين المتسلط والمتسلط عليه، التي تسلب المتسلط عليه حقه الطبيعي في حكم ذاته بنفسه، وتقرير مصيره بإرادته، ويرفضون قبول ادعاءات مثل هذه السلطة  بشرعيتها، وضرورتها لمصالح المتسلط عليهم، في حين أنهم يؤكدون أنَّ مثل تلك السلطة لا تعبر إلَّا عن مصلحة المتسلطين، ويرفض الأناركيون عمليا تلك السلطات التي لا يمكنها تبرير مطالبها للمتسلط عليهم إلَّا بالخضوع والطاعة فقط.
يرفض الأناركيون التسلسل الهرمي في بنية كل العلاقات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية عموما، بما في ذلك، وليس فقط، نظام الدولة على سبيل الحصر، حيث يرون أنَّ القمع الاجتماعي نابعٌ من التسلسل الهرمي في حد ذاته، حتى في حالة عدم وجود الاستغلال الاقتصادي أو الإكراه السياسي.
 يناضل الأناركيون من أجل تحرير العقل البشري من سلطان كل من الكهنوت والأفكار والمؤسسات الاجتماعية الهرمية والسلطوية، وتحرير  جسم  الإنسان من سلطان كل من الملكية والتسليع والعنف والاستعباد، وتحرير الفرد من القيود المفروضه عليه من الخارج، وتحرير العمل والجسد من الجبر والاضطرار، حيث تدعم الأناركية حكم الفرد لذاته، وتشكيله لهويته بنفسه، وضبطه لنفسه، ورقابتها دون حكم أو ضبط خارج عن إرادته وحريته ورغباته.
أعتقد أنَّ الأناركية لابد وأن تفترض منطقيا مقابل هذه الحرية الفردية أنْ يتحمل الفرد البالغ العاقل الراشد  مسئولية سلوكياته بالكامل، دون أنْ يحمل تبعاتها للآخرين أفرادا أو جماعات، فأدنى تخلي عن مسئولية الإنسان عن نفسه وعن سلوكياته، يعني تخليه عن حريته واستقلاله الذاتي وكرامته، والآخرون من ناحية أخرى سوف يكون لهم في هذه الحالة كامل الحق في تجنب ما يرونه ضارا بهم في تلك السلوكيات، وما يرونه مقيدا لحرياتهم واستقلالهم، ومهدرا لكرامتهم، ومهددا لمصالحهم، وعليهم إذن أنْ يحموا أنفسهم من تلك السلوكيات بشتى الوسائل.
ومن نافل القول والبديهيِّ أنَّ الأطفال والمعاقين ذهنيا وعقليا ونفسيا، والأشخاص العدوانيين، والمعادين للمجتمع، الذين يشكلون تهديدا لأنفسهم أو للآخرين، لا يمكن أنْ يتمتعوا بهذا الحق كاملا في حدود حماية الآخرين من أضرارهم، وحمايتهم هم أنفسهم من الأضرار بأنفسهم، بسبب إعاقتهم الذهنية وقصورهم العقلي واضطرابهم النفسي والسلوكي. إلَّا أنَّ الأناركية في هذه الحالات لا تفترض القمع والعقاب أسلوبا في مواجهتهم، ولا للحماية منهم، ولكنها تطرح فيما يتعلق بالأطفال إعدادهم وتعليمهم وتدريبهم لمواجهة الحياة كأفراد أحرار مستقلين ومسئولين عن أنفسهم عند البلوغ، والعلاج العلمي للحالات المرضية للبالغين، والرعاية لحالات الإعاقة المختلفة، والعزل الاجتماعي، والطرد من الجماعة، للحالات العدوانية والمعادية للمجتمع إنْ لم يصلح العلاج معها.
إنَّ أقسى العقوبات وأشدها وحشية وقسوة لن تمنع الجرائم، فلم يتوقف الاغتصاب ولا تهريب المخدرات رغم عقوبة الإعدام، ولم تتوقف جرائم النشل في انجلترا رغم عقوبة الإعدام التي كانت تنفذ في الميادين العامة، بل كانت تتم جرائم النشل في حلقات الجماهير التي كانت تشاهد الإعدام، الذي لم يردع زملاء المعدوم؛ فالجريمة لها أسبابها المستقلة عن إرادة المجرم، بدءا من الظروف الاجتماعية الاقتصادية السياسية الثقافية المحيطة به، وحتى باعتباره كائنا حيَّا تحركه عوامل بيولوجية وكيميائية لا دخل له فيها ولا اختيار.
لو كنا عقلانيين وموضوعيين ونستند لحقائق العلم بما فيه الكفاية، فسوف نعرف أنَّ الحل ليس في الوسائل العقابية مهما تشددت، وليس في أجهزة الشرطة والمحاكم والقوانين والسجون..الحل ببساطة هو تغيير الظروف الاجتماعية الاقتصادية السياسية الثقافية المحيطة بالبشر، فإلغاء الملكية الخاصة والنقود فقط، سوف يوقف الغالبية الساحقة من الجرائم، والعلاج النفسي والعقلي سوف يقضي على البقية، لكن هناك أصحاب مصلحة منتفعون من بقاء الوضع على ما هو عليه، منتفعون من استمرار الجرائم كيْ يبرروا وجودهمـ ووظائفهم، وإمتيازاتهم.
يناضل الأناركيون من أجل نظام اجتماعي قائم على التجمع الطوعي الحر للأفراد الأحرار لغرض إنتاج الثروة الاجتماعية، وتلبية احتياجاتهم المختلفة المادية والمعنوية، وهو أمر يضمن لكل إنسان حرية التمتع الكامل بضروريات الحياة، وفقا لرغباته الفردية، وأذواقه، وميوله.
تيارات الأناركية:
تضم الأناركية العديد من تيارات الفكر، وأساليب الممارسة العملية، والأهداف، والوسائل. فالأناركية لا تقدم لنا صيغة ثابتة من العقيدة أو الحركة أو الممارسة، وإنما تتدفق من منبع واحد هو رفض السلطوية، لتجري في تيارات فلسفية واجتماعية متنوعة، بل ومتناقضة أحيانا، بدلا من انصهارها  في رؤية واحدة للعالم، ونمط محدد لتغييره، أو أسلوب معين للعيش فيه. ويتجلى هذا في العديد من التقاليد المتنوعة للأناركية، التي لا تستبعد بعضها البعض في كثير من الأحيان.
تختلف المدارس الأناركية فيما بينها جوهريا، حيث تدعم نزعات متباينة بدءا من النزعة الفردية المتطرفة إلى النزعة الاجتماعية القصوى. وتنقسم التيارات الأناركية إلى مجموعتين رئيسيتين، الاجتماعية والفردية أو من مزيج بينهما. وعادة ما تعتبر الأناركية أيديولوجية يسارية جذرية، فالعديد من مدارس الاقتصاد الأناركي والفلسفة القانونية الأناركية تعكس تفسيرات مختلفة، وطرقا متنوعة لمناهضة السلطوية في  الأنظمة السياسية الاجتماعية الاقتصادية المختلفة، سواء الرأسمالية أو الاشتراكية، ...وبعض الأناركيين الفرديين جمعيون أو شيوعيون أو تشاركيون، كما أنَّ بعض الأناركيين الاجتماعيين فرديون أو أنانيون أيضا، حيث يمزجون بين المدارس الأناركية المختلفة في خلطات متنوعة في نفس الوقت.
هناك العديد من الاختلافات الفلسفية بين الأناركيين بشأن المسائل الأيديولوجية، والقيم، والاستراتيجية. وتختلف الأفكار حول كيفية عمل المجتمعات الأناركية إلى حد كبير، وخاصة فيما يتعلق بالاقتصاد. هناك أيضا خلافات حول الكيفية التي يمكن أنْ يحققوا بها مثل هذا المجتمع وفقا لها.
تختلف مدارس الفكر الأناركية، من حيث الأصول، والقيم، والتطور، والتأثير. فالجناح الفردي من الأناركية يؤكد على الحرية السلبية، أيْ معارضة الدولة أو السيطرة الاجتماعية على الفرد، ورفض أيِّ قيود على الحرية والاستقلالية الفردية، في حين أنَّ أولئك الذين في الجناح الاجتماعي يؤكدون على الحرية الإيجابية لتحقيق إمكانيات واقعية لتحقيق حرية الفرد واستقلاليته، ويقولون بأن البشر لديهم احتياجات ينبغي على المجتمع لتحقيقها “الاعتراف بداهة بالمساواة بينهم في استحقاقها”. وبمعناها الزمني والنظري، هناك الأناركيات التقليدية؛ تلك التي تم تأسيسها خلال القرن الـ19، والمدارس الأناركية لمرحلة ما بعد التقليدية؛  تلك التي تم تأسيسها منذ منتصف القرن 20 وما بعده.
وقد لاحظ عالم الاجتماع ديفيد جريبير أنَّه في حين أنَّ المدارس الماركسية الكبرى دائما لديها مؤسسين تنتسب إليهم (على سبيل المثال اللينينية، التروتسكية، الماوية....إلخ)، فالمدارس الأناركية التي“ظهرت في كل الحالات تنطلق تقريبا من مبدأ تنظيمي أو من شكل من أشكال الممارسة العملية، أو تصور للمجتمع اللاسلطوي المستهدف”، الأناركية النقابية، الأناركية التمردية والأناركية البرنامجية على سبيل المثال.
ولأن الأناركية تجسد العديد من المواقف المتنوعة، ومن المدارس الفكرية. على هذا النحو، فإنَّ الخلافات المتنازع عليها شائعة على نطاق واسع بين الأناركيين حول الكثير من القضايا والتكتيكات، مثل الملكية الخاصة والعنف.
تتعدد الدوافع عند الأناركيين عند تبنيهم الأناركية، مثل الحرية، والإنسانية، والسلطة الإلهية، والمصلحة الذاتية المستنيرة. ولذلك فظواهر مثل الحضارة والتكنولوجيا والعملية الديمقراطية قد انتقدت بشدة من بعض الميول الأناركية، وأشيد بها في نفس الوقت من ميول أخرى.
على المستوى العملي، في حين كانت الدعاية بالأفعال العنيفة تكتيكا استخدمه بعض الأناركيين في القرن الـ19، فإنَّ بعض الأناركيين المعاصرين يتبنون أساليب بديلة للعمل المباشر والدعاية بالأعمال اللا عنيفة، مثل الاقتصاديات المضادة المناهضة للدولة، ولرأس المال، وإنشاء مجتمعات أناركية مستقلة على هامش المجتمع الحالي. وحول نطاق المجتمع الأناركي المنشود، يدعم بعض الأناركيين عالما إنسانيا واحدا، عبر تنظيمات ونضالات عالمية، في حين يفعل الآخرون ذلك عن طريق جماعات ونضالات محلية في نطاق محلي. وأدى التنوع في الأناركية إلى استخدامات مختلفة لمصطلحات متطابقة على نطاق واسع عبر التقاليد الأناركية المختلفة، مما أدى إلى تحديد العديد من التعريفات المعنية بالنظرية الأناركية، والموضوعات ذات الاهتمام المتقاطعة والمتداخلة بين مختلف المدارس الفكرية، والمواضيع المحددة للنزاعات  الداخلية دائما ما كانت مهمة ثابتة ضمن الإنتاج النظري الأناركي، وفي الحركة الأناركية العملية.
اللاحكم  أو اللاسلطة:
اللاحكم أو اللاسلطة هي حالة مجتمع أو كيان أو مجموعة من الناس، لا تعرف التسلسل الهرمي وتدير شئونها بلاقيادة أو زعامة، ومن الناحية العملية، يمكن أنْ تقبل بعض مدارس الأناركية وهيَ المدارس الفردية غالبا تقليص الحكومة للحد الأدنى الضروري كدولة حارسة اتحادية لا مركزية إداريا، تنحصر مهامها في  تحقيق الأمن خارجيا وداخليا، وتنفيذ القانون، والتمثيل الخارجي، والتنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني المختلفة، كما تسعى مدارس الأناركية الأخرى، الاجتماعية غالبا، لإلغاءها الفوري، وهو ما لا يتصور حدوثه إلَّاعلى نطاق عالمي.
تناول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط حالة اللاسلطة بملاحظة عملية باعتبارها تتألف من “القانون والحرية دون قوة جبرية”. وبالتالي لا ترقى حالة اللاسلطة عند كانط، إلى كونها دولة مدنية حقيقية لأن القانون هو مجرد “توصية فارغة” إذا لم يتم تضمينه القوة الجبرية لجعل هذا القانون فعال ومؤثر. ولكيْ توجد مثل هذه الحالة، يجب أنْ تدرج القوة الجبرية حتى يتم الاحتفاظ بالقانون والحرية، وهي حالة الدولة التي يدعوها كانط بالجمهورية.
الأناركية في الواقع
عانت الأناركية باعتبارها حركة سياسية اجتماعية من التقلبات في درجة شعبيتها ونفوذها وانتشارها عبر تاريخها. وقد مثلت الأناركيات الاجتماعية دائما التيار المركزي الرئيسي للأناركية، باعتبارها حركات جماهيرية تسعى للتغيير الاجتماعي، أما الأناركيات الفردية المختلفة، فكانت ومازالت مجرد تيارات أدبية وفنية وفلسفية، هامشية محدودة النفوذ والتأثير، يتبناها غالبا بعض المنشغلين بتلك المجالات أو المهتمين بها، وهيَ محصورة أساسا في الاهتمام الأكاديمي والفلسفي والنخبوي والثقافي لبعض المثقفين، بعيدا عن الحركات الاجتماعية الساعية لتغيير العالم، حيث لم تحظ يوما الأناركيات الفردية بالجماهيرية التي حظت بها الأناركيات الاجتماعية، وكل ما فعلته هو أنَّ لها تأثيرا على بعض أفراد تلك التيارات الاجتماعية الجماهيرية الأكبر، حيث شاركوا أحيانا في المنظمات الأناركية الاجتماعية الكبيرة.
بدأ الليبراليون الجذريون مؤخرا في وصف أنفسهم كتحرريين Libertarianists  باعتبارهم المدافعين الأكثر تطرفا عن الحريات الفردية، وأصبح من الضروري تمييز فلسفتهم الأناركية الفردية عن الأناركيات الاجتماعية، وهكذا، فغالبا ما يشار إليهم باسم التحرريين اليمينيين، أو ببساطة اليمين التحرري، في حين يصف الأناركيون الاجتماعيون أنفسهم بالاشتراكيين التحرريين، أو ببساطة، اليسار التحرري.
وقد أسس الأناركيون مجموعة واسعة من المجتمعات الأناركية المستقلة على هامش المجتمعات الكبيرة. في حين لا يوجد سوى عددٌ قليلٌ من الحالات “الأناركية”التي نشأت على المستوى الجماهيري الواسع  في التاريخ المكتوب أثناء الثورات الكبرى، إلَّا أنَّ هناك أيضا أمثلة عديدة من المجتمعات المستقلة عن السلطات الحكومية التي أسس الأناركيون بعضها، وقد زالت بعد فترة من الزمن، ومازال بعضها مستمرا حتى الآن، وبعضها قيد التكوين على هامش المجتمع السلطوي. أما أمثلة المجتمع الجماهيري فهيَ: الأراضي الحرة (أوكرانيا، نوفمبر 1918-1921)، أناركية كاتالونيا (21 يوليو 1936 - مايو 1939)، منطقة شنمن المستقلة  (1929-1932)، أما المجتمعات المستقلة فعلى سبيل المثال لا الحصر: المدينة الفاضلة، أوهايو (1847)، مستعمرة وايتواى (1898)، كومونة الحياة والعمل (1921)، المدينة الحرة  كريستيانيا (26 سبتمبر 1971)، وهو حيٌّ دنماركي مستقل عن الضوابط الحكومية المحلية، ومرتفعات زوميا جنوب شرق آسيا خارج سيطرة الحكومات، زاباتيستا في اقليم تشيباس بالمكسيك   (1 يناير 1994 - حتى الآن).
لا يتبنى الأناركيون مفهوم الاستيلاء على السلطة السياسية بأنفسهم كجماعة سياسية منفصلة عن الجماهير، باسم تلك الجماهير وتمثيلا لهم، محليا أو دوليا، وبناء نظامهم الاجتماعي من أعلى، الذي يستدعي بالضرورة استبدادهم السياسي، ولكنهم مع بناء الأناركية من أسفل، من أجل تحول جذري للمجتمع، إما بشكل ثوري أثناء الثورات الاجتماعية أو بشكل تدريجي أثناء الاستقرار الاجتماعي، وذلك ببناء أنوية لمجتمع المستقبل، من هامش وباطن المجتمع، تنمو تدريجيا لتؤدي لتقلص العلاقات السلطوية اجتماعيا، واستكشاف العلاقات والمؤسسات الأناركية في المجتمع ودعمها..ومن ثم يدعم الأناركيون مؤسسات وعلاقات أناركية موجودة عفويا وفعليا في الواقع ومحاولة تطويرها والمساعدة على إنشاءها وانتشارها، مثل الكوميونات المستقلة، والتعاونيات التحررية، ويدعمون توسيع الإدارة الذاتية الديمقراطية لمنشئات العمل والسكن والتعليم والمحليات.
صعوبة التعريف:
من غير المجدي البحث عن تعريف شامل مانع جامع للأناركية، إلَّا أننا يمكن أنْ نشير إلى ملمح مشترك يجمع بين كل الأناركيين هو العداء للدولة، التي يرى الأناركيون إما وجوب اختزالها إلى الدولة الحارسة أو اختفائها واستبدالها بشكل جديد من التنظيم الاجتماعي، والدولة ليست المكافئ للحكومة عمومًا، ولذلك فإنَّ بعض الأناركيين يؤكدون أنَّ هدفهم ليس مجتمعا بلا حكومة، ولكن مجتمعا بلا دولة، والدولة المقصودة هي سلطة أعلى من الفرد تستقل بالإدارة السياسية، وتحتكر استخدام القوة التي تبلورت بعد بروز الدولة القومية في أوروبا بعد صلح وستفاليا 1648 في فترة نشوء النهضة الأوروبية، وأسست لنفسها مكانًا كفاعل على الساحتين الداخلية والدولية.
أولى سمات الدولة الحديثة التي يعاديها الأناركيون هي احتكارها للسيادة على المجتمع وأفراده، أيْ أنها تدعي لنفسها كامل السلطة عليهم، واحتكارها لتعريف وتحديد حقوق وواجبات رعاياها.
ثاني هذه السمات هيَ أنَّ الدولة كيانٌ إلزاميٌّ قسريّ، بمعنى أنَّ كل فرد ولد في إقليمها الجغرافي مجبر عن غير إرادة أو رغبة منه على الاعتراف بالتزاماته تجاه الدولة التي تحكم هذا الإقليم، وممارسة الإنتماء إليها، والولاء لها، وضرورة إذعانه لقوانينها وطاعته لسلطاتها، وإلا ناله عقابها.
ثالث هذه السمات هيَ أنَّ الدولة تحتكر استخدام القوة والعنف في إقليمها، ولا تسمح بأيِّ مقاومة لعنفها مهما بلغ ظلمها، ولا بوجود منافس إلى جانبها.
رابع هذه السمات هيَ أنَّ الدولة كيانٌ متميز بمعنى أنَّ الأدوار والوظائف السيادية التي تقوم بها من دفاع خارجي وأمن داخلي وتطبيق للقوانين منفصلة عن الأدوار والوظائف الاجتماعية عمومًا.
ولكل هذا يرى الأناركيون عدم أحقية الدولة في الوجود ككيان مسلم به، ففي حين ينظر له البعض على أنَّه ضمان للسلام الاجتماعي للمواطنين، إلَّا أنَّ الأناركيين يرون أنَّه حمل معه منذ وجوده سلسلة من الشرور الاجتماعية، مثل الحروب والفساد والظلم الاجتماعي والانقسام الطبقي.
وحتى نقرب مفهوم الأناركية للممارسة العملية، يمكن استبدالة بمفهوم التعاونيات واللجان الشعبية العفوية، التي تحل محل الدولة في أداء وظائفها  وتقوم بمهامها، أو لجان الإدارة الذاتية للعمال في مواقع العمل، حيث أصبح من المعروف الآن أنَّ الدولة على وضعها الحالي قد فشلت في أداء مهمتها في توفير الحاجات الأساسية للمجتمع سواءا ماديا أو ثقافيا..إلخ، وأصبحت أداة قمع واستبداد ونهب تستخدمها أيُّ قلة من عصابات الأموال في نهب وتخريب مصالح الأغلبية.
ويعرض “برودون” باعتباره أحد أبرز منظري الأناركية  أربعة اتهامات أساسية للدولة.
 أولها: أنها كيان إكراهي يحد من حرية الناس ويقللها لما هو أدنى بكثير مما يحتاجه التعايش الاجتماعي بينهم، فهي تصدر قوانين مقيدة لهم لا لصالح المجتمع بل لحمايتها هيَ من المجتمع وأفراده.
ثانيها:أنَّ الدولة هي كيان تأديبي أو عقابي، فهيَ توقع عقوبات شديدة على هؤلاء الذين يخرقون قوانينها، سواء أكانت هذه القوانين عادلة أم لا. والأناركيون ليسوا بالضرورة ضد هذه العقوبات، ولكنهم ضد أشكال وأحجام العقوبات التي تصدر عن الدولة في مواجهة من يخرجون عليها.
ثالثها: أنَّ الدولة كيان استغلالي، فهي تستخدم قوتها في فرض الضرائب والتنظيم الاقتصادي؛ لتمويل الموارد من مراكز الثروة إلى خزانتها.
رابعها أنَّ الدولة هي تنظيم هدام؛ إذ تجند رعاياها أو مواطنيها في حروب سببها الوحيد حماية الدولة نفسها، وإقليمها وسيادتها، وبدلاً من أنْ تكون حافظة لحياتهم من حالة الفوضى كما يرى هوبز وأنصار الدولة، وينتهي الأمر بموت الفرد في سبيلها‍‍‍‍‍. ‍‍
ولا يعد الأناركيون كل الوظائف التي تقوم بها الدولة غير ضرورية؛ فمن وجهة نظرهم فإنَّه من المستحيل أنْ تكسب الدولة شرعيتها بين الجماهير دون أنْ تقدم خدمات أو تقوم بمهام نافعة لهم، وإن لم يتفق الأناركيون على هذه المهام، إلَّا أنهم يقصرونها عادة في مساحتين: حماية الفرد ضد اعتداء الآخرين عليه، والتنسيق بين أعمال الإنتاج في المجتمع.
أما عن المجتمع المتصور لدى الأناركيين والبديل عن الدولة كما سبق تعريفها فهو ليس بدون تنظيم كليًّا، بمعنى أنَّه سوف توجد مؤسسات لتحقيق أهداف جماعية، ولكن تلك المؤسسات سوف تكون لها خصائص تختلف عن خصائص الدولة:
أولها: أنها لن تكون دولة جبرية أو سلطوية، متعالية ومنفصلة عن إرادة الخاضعين لها، بل تنشأ وتستمر وتزول وفق توافق هؤلاء الخاضعين والمنتمين لها، وسوف يحددون هم وظائفها ومهامها، ولن يسمح لها بتخطي دورها المحدد سلفًا.
ثانيًا: يصر الأناركيون أنْ يكون الانتماء لهذه المؤسسات اختياريًّا، وليس إجباريًّا، بمعنى أنَّ كل فرد تحكمه تلك المؤسسات يجب أنْ يوافق سلفًا على أنْ يحكم بها.
 ثالثًا: أعجب بعض الأناركيين بفكرة وجود مؤسسات مختلفة تتعاون في مجال واحد، وفي الوقت نفسه تتنافس لاستمالة العاملين في ذلك المجال-أيْ ما يشبه الشبكات.
رابعا: يرى الأناركيون أنْ تدار هذه المؤسسات عن طريق الديمقراطية المباشرة، ويختلفون حول ما إذا كان يؤخذ برأيِ الأغلبية من أعضاءها، أم بما يتوافق عليه الجميع.
تختلف المدارس الفكرية الأناركية اختلافا كبيرا في استخدام بعض المصطلحات الأساسية. وكانت بعض هذه المصطلحات، مثل “الاشتراكية”، خضعت لتعريفات متعددة وللصراع الأيديولوجي طوال فترة تطوير الأناركية. بينما يستخدم مصطلح  “الرأسمالية” بطرق مختلفة، ومتناقضة في كثير من الأحيان. وبالإضافة إلى ذلك، فمصطلحات مثل “تبادل المنافع والمصالح” تغيرت معانيها مع مرور الوقت، مما خلق مدارس جديدة. كل هذه الصعوبات في المصطلحات تساهم في سوء الفهم داخل وحول الأناركية.
والشغل الشاغل لتحديد تعريف مقبول هو ما إذا كان يتم تعريف مصطلح “أناركية”، بمعارضة التسلسل الهرمي والسلطة والدولة أو الدولة والرأسمالية. فالجدل حول معنى المصطلح ينبثق من حقيقة أنَّه يشير إلى موقف فلسفي تجريدي، والتقاليد الفكرية والسياسية والمؤسسية على حد سواء، والتي كانت محفوفة بالصراع. في الحد الأدنى، فهناك تعريفات مجردة تشجع على إدراج الشخصيات البارزة والحركات والمواقف الفلسفية التي وضعوا تاريخيا أنفسهم خارجها، أو حتى في المعارضة لها إلى الأفراد والتقاليد التي تصنف نفسها بأنها “أناركية”.
يعتبر معظم الأناركيين مناهضة الرأسمالية عنصرا ضروريا في الأناركية، في حين أنَّ الأناركيين الرأسماليين يختلفون مع ذلك بالطبع. وينشأ الصراع بين الفريقين من مزيج من اختلافات حقيقية في الرأي حول مزايا اقتصاديات السوق، وتعريفات مختلفة حول “الرأسمالية”، وطبيعة “الحوافز”.
نقد الأناركية:
الانتقادات الموجهة ضد الأناركية تشمل انتقادات أخلاقية وانتقادات واقعية. وغالبا ما يتم تقييم الأناركية على انها فكرة جميلة لكن غير مجدية، وغير ممكنة، كما لو كانت المدينة الفاضلة التي كتب عنها بعض الحالمين الرافضين للواقع. فهناك من يرون بأن الأناركية الاجتماعية غير واقعية، وأن الحكومة هيَ“أهون الشرين” من وجود المجتمع دون “القوة القمعية. “ ويقولون إنَّ“ فكرة أنَّ النوايا السيئة سوف تتوقف إذا اختفت القوة القمعية مجرد عبثية”.
وللرد على ذلك فلابد من توضيح أصل الأخلاق وتطورها الذي يعفي الناس من المسئولية ليلقيها على المستفيدين من النظام الاجتماعي وحماته. الذين يدعون لذلك بوجود طبيعة بشرية ثابتة ونهائية ومطلقة تتسم بكونها أنانية وتنافسية وشريرة مما يستوجب قمعها بواسطة سلطة تضع القوانين وتنفذها، لمنع تأثير تلك الطبيعة الشريرة التي تسبب الحروب والصراعات بين الناس. في حين أنَّ الدولة بذات نفسها تنظم الجريمة وتديرها، وتمثل فقط أنَّها تحاربها في نفس الوقت، فالدولة تصنع الجريمة والحروب والصراعات، وتخلق ظروف نشوئها، وترعاها وتحرص على استمرارها لتبرر وجودها وامتيازاتها..وتلك قاعدة عامة تخص الدولة في حد ذاتها وبذاتها ولذاتها.
ولكن الحقيقة العلمية هيَ أنَّ السلوك والفكر البشريين عموما هما نتيجة مجموعة من العوامل المادية القسرية المنفصلة عن إرادة الناس، ومن ثم لا يصلح لتعديلهما الوعظ والإرشاد الديني أو غير الديني، ولا يمكن تقويمهما بالعقاب البدني ولا السجون..وإن كانا يشكلان مسكنات نسبية تخفف شكليا وظاهريا ومؤقتا من حدة تأثير العوامل المادية وهيَ:
أولا: الجينات الوراثية والمواد الكيميائية التي يتناولها الإنسان من البيئة الطبيعية المحيطة به أو يخرجها لها، والإفرازات الداخلية للجسم من هرمونات وإنزيمات ..إلخ، والنشاط الكهروكيميائى في المخ الذي يتأثر بتلك المواد ومؤثرات البيئة المحيطة.
ثانيا: الميمات الثقافية التي تشمل كل ما يتلاقاه البشر من قيم وعقائد وسلوكيات ومعارف عبر مؤسسات المجتمع المختلفة...الأسرة والتعليم والإعلام والدين والفن، والذي يؤثر في المجتمع وأفراده بما تلقاه عنه وبُرمج به.

ثالثا:والأهم والأكثر تأثيرا هيَ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وفي جوهرها الطريقة التي يلبي بها الناس احتياجاتهم المادية المختلفة، فالناس لا يمكن أنْ تفكر أو تنتج شعرا أو فلسفة أو علما قبل أنْ تملأ المعدة بالطعام، ومن ثم فالكيفية التي يحصلون بها على طعامهم تحدد نوعية أفكارهم وسلوكهم. ومن ثم فلا أمل في تغيير سلوكيات الناس وأفكارهم إلَّا بتغيير علاقتهم بالطبيعة، وعلاقتهم فيما بينهم حين ينتجون ويستهلكون احتياجتهم المختلفة، أما الوعظ والعقاب فهما إهدار للطاقة والوقت بلا جدوى، وإشغال المحكومين عن سر تدهورهم ومعاناتهم في الحياة، فليسوا في حد ذاتهم سيئين أو جيدين، أشرار أو أخيار، أغبياء أو أذكياء؛ ليس لهم طبيعة ثابتة لا يمكن تغييرها....لكنها الظروف الواقعية والمادية المؤثرة فيهم هيَ التي تشكلهم كيْ يضمنوا الطعام وسائر الاحتياجات من أجل دافعهم الأكبر البقاء أحياء.