08 أبريل، 2009

هيباتيا تسحل من جديد

هيباتيا تسحل من جديد
سامح سعيد عبود

هيباتيا أو هيباشيا هى أول شهيدة للعلم يعرفها التاريخ ، ولدت في الإسكندرية (مصر) حوالي عام 380 ، واغتيلت في مارس 415. وهى عالمة رياضيات ومنطق وفلك وفيلسوفة تنتمى للمدرسة الأفلاطونية الجديدة. و كانت ابنة ثيون آخر زملاء متحف الإسكندرية الملحق بمكتبتها التى احترقت. و قد قام بطريرك الإسكندرية كيرلس الرابع المشهور بعمود الدين بتحريض جماهير من المسيحين المتطرفين على اغتيال هيباتيا حتى هاجت الجماهير وهبت عليها فلحقوا بها خلف عربتها و ألقوها أرضا، و قاموا بتعريتها تماما، وسحلها فى شوارع الأسكندرية حتى أنفصل لحمها عن العظم ثم مثلوا بالجثة وحرقوها. متناسين تسامح موعظة الجبل متذكرين فقط ما ورد على لسان يسوع فى الإنجيل بأنه ما أتى ليلقى سلاما على الأرض بل ليلقى سيفا، وبما جرى على لسان كيرلس بشأنها بأنه باسم الرب عليهم أن يطهروا أرض الرب. فدائما ما كان هناك مثقف كاره للعلم و الحرية معا، و طامع فى التسلط على الناس باسم الدين، مثل سيد قطب أو كيرلس يقتصر دوره على التحريض، تاركا الركن المادى فى جريمته لجماهير الغوغاء من المؤمنين.
كانت جريمة هيباتيا أنها لم ترضخ لسلطة الكنيسة وأساطيرها وكهنتها، و تمسكت بحقها فى العلم، وحريتها فى التفكير والاعتقاد، وإصرارها على عدم مسايرة التيار الظلامى الصاعد بامتداد الإمبراطورية الرومانية، والذى عجزت هى وأمثالها عن مقاومته، مما أدى لسقوط السلطة في سائر الإمبراطورية فى يد الكنيسة المسيحية بعد صراعها الدامى معها، و الكنيسة كأى سلطة على الأرض ما كانت لترضى إلا مضطرة أحيانا، بوجود أى منافس لها فى توجيه عقول الناس، وإن كانت ارتضت أن تتقاسم السلطة السياسية مع الإمبراطور فى النهاية بشرطين أن يخضع لها كى تعطية شرعية الحكم، و أن يساعدها على الانفراد بعقول الجماهير لتخضعهم هى بدورها للإمبراطور، وأن يتقاسما فى النهاية ما تنتجه تلك الجماهير من ثروات كما يتقاسما دماءهم فى الحروب ضد أعداءهم.
كان مصرع هيباتيا المأساوى على يد الكنيسة هو نهاية عصر العلم القديم الذى بدء من طاليس حوالى 700 قبل الميلاد وانتهى بقتلها ، و كان بداية عصر طويل من سيادة الدين المطلقة فى العالم المسيحى ، و الذى بدء انحساره التدريجى هناك بشهيد آخر للعلم هو جوردانو برونو الذى أحرقته حيا محاكم التفتيش الكنسية فى 17 فبراير عام 1600 في روما. حيث كان برونو يعتقد بأن الكون لا نهائي ، و يحتوى على الملايين من الكواكب و المجرات، و بان الأرض مجرد كوكب في الكون و ليست مركز الكون. وهو ما أكده العلم لاحقا. وخلال الأربع قرون التالية لذلك تضاعف عدد الذين لا يؤمنون إلا بالمعرفة العلمية المنضبطة القائمة على المنهج العلمى من بضعة أفراد قلائل فى غرب أوروبا من بين مئات الملايين إلى حوالى 10 % من البشر ، و بلغ اللادينيين الذين لا ينتمون لأى دين منظم حوالى خمس سكان العالم. وذلك وفق أحدث الإحصائيات.
من يطالع تاريخ الحضارة على امتداد الأرض المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، فى صعودها وهبوطها فى ظل الإمبراطورية الرومانية، ويتأمل الوضع العالمى الآن سوف يجد تشابها كبيرا، فنحن مازلنا فى عصر نجاح متصاعد حققه العلم الحديث، ولكنه يواجه خطر السحل مجددا كما واجهته هيباتيا قديما، وإن كان بشكل مختلف، ومن ثم فقد تشهد الإنسانية عصرا جديدا من الظلامية يشير إليه تصاعد الأصوليات الدينية فى العالم مجددا منذ عدة عقود.
صحيح أن ما بلغه العلم من تأثير ونفوذ هائل على البشر لن يمكن أعداءه من القضاء عليه تماما كما حدث للعلم قديما، وخصوصا أن الظلاميون أنفسهم يستفيدون من انجازاته العملية فى التكنولوجيا والطب وخلافه، وإن كانوا لا يعترفون بأسسه النظرية والفكرية، وينكرون كل حقائقه التى تتعارض مع أفكارهم فى نفس الوقت، فنراهم يستفيدون مثلا من الأنترنت والاتصالات والإعلام لتمرير رسائلهم الظلامية للجماهير، فقد تغير تكتيكهم من الاضطهاد والرفض التام للعلم و التكنولوجيا إلى ترويض العلم واستخدامه لخدمة مصالحهم فى السيطرة على الناس و تضليلهم، وهم فى هذا يشوهون العلم ويسحلونه معنويا.
ويتم هذا الترويض و التشويه عبر حصر الثقافة العلمية المنضبطة والجادة فى دوائر العلماء فى إطار وظيفى ونفعى، و تحت ضرورة التخصص التى يسببها التوسع المذهل فى المعرفة العلمية، يتحول العالم لمجرد خبير فى اختصاصه الضيق ليحافظ على مكانته الوظيفية، مع احتفاظه بالجهل العميق خارج تخصصه، إلا من امتلك الإرادة للخروج من هذه الدائرة، أما الجماهير مما لا شأن لهم بالبحث العلمى والتطوير التكنولوجى، فيتم غسيل عقولهم، وإصابتهم بالبلاهة عبر كل من الثقافة الشعبية التى لا تهدف سوى للتسلية ، والتعليم الرسمى المنظم، الذى لا يهدف بدوره إلا لخلق كائنات وظيفية مبرمجة على إداء مهام محددة، ذكية فى أداء وظائفها المطلوبة منها، وغبية فيما هو غير ذلك، وليصبحوا مجرد مستهلكين لإنجازات العلم التكنولوجية كافرين بأصوله الفكرية والنظرية، مما يعنى انغماسهم فى الظلامية الفكرية فى نفس الوقت.
الثقافة الشعبية المبثوثة عبر الصحافة والتليفزيون والأنترنت والكتب المسلية، تمرر للناس عدم الثقة فى العلم ، باذاعتها أخبار متناقضة وغير مؤكدة، فمرة يقولون أن العلم أثبت خطورة البيض على القلب، وأنه وراء تكون الكوليسترول فى الشرايين، ومرة أخرى يحدثونك عن أنه قد ثبت أنه لا علاقة للبيض بالكوليسترول. وتقع فى حيص بيص وتتعامل باستهتار مع حقائق العلم.
يخصص الأثرياء من أنصار الكنيسة في الغرب جوائز مالية كبيرة تفوق في مقدارها جائزة نوبل، تمنح للعالم الذي ينشر أفضل مقال أو بحث يدعي فيه تأييد العلم للدين. وابتداع نظريات تخدم التصور الدينى كنظرية المصمم الذكى ، ولكن هؤلاء لا يتجاوزون حتى الآن حوالى 7 % من العلماء والباحثين، كما تضخ أموال النفط السعودية الهائلة فى جيوب أمثال حاملى درجات علمية مثل زغلول النجار ومصطفى محمود ليثبتوا للعامة من الناس الاعجاز العلمى فى القرآن والسنة. كما يتم تمويل نشر كتابات دجال مثل هارون يحى التى تفند نظريات التطور لتوزيعها مجانا فى طبعات فاخرة على المسلمين فى أوروبا.
مما تشيعه الثقافة الشعبية الظلامية بين الناس تحميل العلم والعلماء مشكلة تعرض الأرض للدمار نتيجة تلويث البيئة، وخطر الأسلحة النووية، وغيرها، فى حين أن تلك المخاطر هى نتيجة سيطرة البيروقراطيات الحاكمة والرأسماليين على العلماء بما يخدم مصالح تلك الطبقات، وإنه فى ظل تحرر العلماء من تلك السيطرة، فإنه يمكن توجيه العلم لتحقيق مصالح الغالبية من البشر، فتمنع صناعة الأسلحة ويتم القضاء على أسباب التلوث.
لكل هذه الأسباب قد ينجح مثقفون كارهون للعلم فى ظل تصاعد الظلامية مجددا فى تحريض المؤمنين بهم لسحل العلماء، ليغوص العالم مرة أخرى فى ظلام القرون الوسطى، ولكيلا يحدث ذلك فعلى العلماء أن يحرروا أنفسهم من سيطرة البيروقراطية والرأسمالية من أجل علم لصالح الإنسانية لا لصالح النخب الحاكمة .
http://www.ahewar.org/m.asp?i=12

26 مارس، 2009

عذرا ماركس: الدين ليس وحده أفيونا للشعب


عذرا ماركس: الدين ليس وحده أفيونا للشعب
سامح سعيد عبود

بداية فإن الأفيون يدخل فى صناعة الكثير من الأدوية لعلاج الكثير من الأمراض من السعال إلى تسكين الألام ، والمخ البشرى نفسه يفرز مركبات كيميائية طبيعية لها تأثير شبيه بتأثير الأفيون، ،زيادة إفرازها تمنحنا السعادة، وتجعلنا محبين للحياة وأكثر تمسكا بها وتحملا للألم، وقلة إفرازها تدفعنا للإكتئاب، وكراهية الحياة، وربما الانتحار هربا من حياة قوامها الألم، أما عن خطورة الأفيون فهى فى استعباده لمن يتعاطاه، وكونه دافع للاستسلام للواقع و الرضا به مهما بلغ من سوء، فضلا عن أنه يقدم بديل جميل ووهمى لقبح الواقع، مما يحبط أى رغبة أو قدرة على تغييره، ولذلك كتب ماركس " إن الهم الديني هو في الوقت نفسه تعبير عن هم واقعي، واحتجاج علي هم واقعي . إن الدين هو آهة الخليقة المضطهدة ، هو قلب عالم لا قلب له ، مثلما هو روح وضع بلا روح . إنه أفيون الشعب". ولكن هل الدين وحده هو أفيون الشعب ، ماركس لم ينتبه لأنواع أخرى من الأفيون ربما كانت أكثر خطورة من الدين ومؤسساته.
مقولة ماركس كانت إبنة عصر أكثر بساطة من عصرنا المعقد ، ففى تلك الأيام كان الإنسان العادى غير المتعلم الذى يشكل وأقرانه غالبية السكان لا يجد أمامه إلا الحانة أو المقهى ليلتقى الزملاء والجيران بعد يوم من العمل، ليشربوا ويثرثروا بعض الوقت، و ربما يتسلون ببعض الألعاب القليلة، ويذهبوا مرة أسبوعيا لمعابدهم لممارسة طقوسهم الدينية، والنادر منهم من كان لديه القدرة على القراءة إلا أن ما كان متاح لديه هو بعض الصحف والكتب القليلة، وفى بعض المناسبات الاجتماعية المختلفة ، يرفه عن نفسه ببعض الفنون و الأداب الشعبية.. فى حين أن النخب الحاكمة والمتعلمة فقط هى من كانت تتردد على المسارح فى المدن أو تستمتع بالفنون النخبوية فى القصور وهى من كانت لديها القدرة على التعلم والتثقف..والخلاصة إن إنسان القرن التاسع عشر كانت أمامه فرصا أقل للانفصال العقلى عن الواقع الاجتماعى من إنسان القرن العشرين، وبالتالى كانت لديه فرصا أعلى للتمرد والثورة على هذا الواقع من إنسان العصر الحالى، حيث أن المخدرات المتاحة ما قبل القرن العشرين كانت نادرة بالنسبة لما يعرفه الناس الآن من زخم لا حصر له من المخدرات.
مع بدايات القرن العشرين بدء تحول تدريجى لأكثر من نصف سكان العالم إلى سكان مدن بعد أن كانت غالبيتهم الساحقة من سكان الريف والبوادى ، مما فتح لهم سبل أوسع للتسلية والترفيه من سكان الريف، و فى نفس الوقت تحول الإنتاج الفنى والأدبى والإعلامى من النمطين الفردى و السلعى البسيط والموجه لسوق محدود ببضعة آلاف من المستهلكين إلى النمطين الرأسمالى و البيروقراطى و الموجه لسوق يتجاوز الملايين من البشر، مما غلب طابع استهداف الربح أو خدمة نظام الحكم على أى دافع آخر فى تلك المجالات. كانت تلك بداية عصر صناعة التسلية وثقافة الجماهير، الذى أوصل سلع الترفيه والتسلية للمنازل بعد أن كان الناس يتكبدون مشقة البحث عنها خارج المنزل.
ثقافة الجماهير حفلت بأشكال متنوعة من المخدرات هدفها السيطرة على المحكومين من قبل النخب الحاكمة التى لم تعد قاصرة على استخدام الدين ومؤسساته فقط للسيطرة ، و قد بدء هذا التنوع المذهل مع اختراع السينما ثم الإذاعة و التليفزيون ، والتطور المذهل فى الصحافة والنشر ، و انتشار التعليم الحكومى الرسمى، و أخيرا الأنترنت و البث الفضائى و عالم الألعاب الإلكترونية و البدنية ... كل تلك الأشكال من الترفيه والتسلية شكلت تأثيرا أفيونيا على الناس جعلتهم أكثر قدرة على تحمل بؤس واقعهم ، و أكثر انعزالا عن الواقع الاجتماعى الحقيقى، وأكثر عبودية و اغترابا عن أنفسهم وواقعهم برغم حريتهم الظاهرية المتزايدة، وتنوع فرص اختياراتهم ما بين مخدر و آخر.
كل هذا الإنتاج الذى يزداد غزارة يوميا من الفنون والآداب ومواد الإعلام مع استثناءات نادرة تثبت القاعدة و لا تنفيها، هدفه الرئيسى بجانب ربح المنتجين وسيطرتهم على المستهلكين هو إغراق عقول الناس فى واقع افتراضى غير حقيقى، و اقناعهم بأن ما يستهلكونه من مواد فنية وأدبية وإعلامية هو واقع الحياة، بل و أهم ما فيها، والتأثير عبر هذا الوهم الافتراضى فى سلوكيات الناس وأفكارهم بما يتفق ومصالح النخب فى السيطرة والاستغلال.
هذه الأوهام الجميلة تسليهم وتمتعهم بالفعل، وتجعلهم أكثر قدرة على تحمل آلام الحياة شأنها شأن الأفيون، لكنها لا تساعدهم على الفهم الصحيح للواقع، مهما أدعى المتحذلقون من كهنة الفن والأدب والإعلام المستفيدين من ترويج تلك المخدرات بين الناس. و لأنهم أرباب مهن وصناعات فإنهم يضفون على ما يروجون له من بضائع أهمية لا تستحقها غالبا، ويزعمون أن لها فوائد يبالغون فى قيمتها، بل ولوقاحتهم أحيانا يعلون من قيمة ما ينتجونه عن أى قيمة أخرى، ذلك أن هدفهم ككل دجال هو السيطرة على الناس وسلب نقودهم باستهلاك ما يبيعونه لهم من بضائع فاسدة ، آليات السوق نفسها تثمن راقصة أو لاعب كرة بأكثر من عسكرى ينظم لنا المرور، أو عامل فى منجم، بل و حتى أكثر من عالم فى الفيزياء.
غالبا ، وبرغم القيمة الوهمية التى يضفيها السوق على السلع، فإن الفن والأدب و مواد الإعلام تحفل بالتفاهة ، ومن أمثلة ذلك أن الغالب من الشعر العربى التقليدى عبر أكثر من ألف عام برغم جماليته المؤثرة، و التى تنبع من كون أغراضه كانت تنحصر فى الغزل والفخر والهجاء والرثاء، و كان التعبير عن تلك الأغراض يقوم على الكذب والمبالغة، ولذلك قالوا أن أجمل الشعر أكذبه..و كذلك سفاهة الأغانى كونها تتحدث فى غالبيتها الساحقة عن الحب الجنسى، صريحة فى تعبيرها كانت أو غير صريحة. و التى تبرر الحب غالبا بجمال جسد المحبوب الفائق للعادة، مما يفصح عن أن المسألة لا تدور إلا حول الرغبة الجنسية،برغم أن الأمر يبدو أحيانا وكأنهم يتحدثون فى أمر جلل تتوقف عليه مصائر البشر، فضلا على أنها ترسخ لدى البشر أن أهم ما يبرر علاقة الحب التى تربط بين شخصين هو سمات جسدية تمنحها لنا الطبيعة أو تحرمنا منها دون فضل منا فى ذلك،أما السمات البشرية الأخرى و الأكثر جوهرية فى الإنسان و المرتبطة بإرادته كأخلاقه وسلوكه وتفكيره فهى مهمشة دائما.. حتى أغانى النظام الناصرى المسماة بالوطنية، وبرغم كل ما تحتويه من روعة فى الكلمات والموسيقى والأداء، و التى خلدتها حتى بعد انهيار الناصرية، فإنها كانت أحد أدوات السلطة الناصرية فى تضليل الجماهير حيث أوهمتنا بانتصارات وانجازات لم يكن لها أثر من الواقع. أما عن الأعمال الدرامية فهى لا تقدم سوى حواديت منبتة الصلة بالواقع الاجتماعى لغالبية البشر العاديين فى المصانع والمزارع، فمن قصص الحب الرومانسية إلى عالم الجريمة والمطاردات الخيالية والبطولات الفردية الخارقة للعادة، ومن الرعب إلى الخيال العلمى، و هى كلها أعمال لا يجد الإنسان العادى فيها نفسه، ولكنه يجد ما ينفس فيها عن خيباته وهزائمه وبؤسه وهمومه.
الحقيقة إنه إذا شاء الإنسان فعلا فهم الواقع ، فلا يمكن أن يكون ذلك عبر استهلاك الفنون والآداب و المواد المقدمة عبر وسائل الإعلام، وأنا اتحدث هنا عن السائد والغالب منها لا الهامشى و النادر ، و الواقع أن البشر الآن فيما عدا قلة نادرة منهم تنقسم أوقاتها ما بين العمل والتسلية، ولذلك فإننا نحيا عصر البلاهة المعممة بامتياز.
http://www.ahewar.org/m.asp?i=12

07 مارس، 2009

الهوية الجماعية هى ثقافة القطيع


الهوية الجماعية هى ثقافة القطيع
سامح سعيد عبود

عندما كنت طفلا، وتأثرا بكثير من أفراد العائلة صرت مشجعا لفريق كرة القدم نادى الزمالك ، وكان فى ذلك الوقت فى الستينات أحد أكبر فريقين لكرة القدم فى مصر ، وفى أواخر سنين المراهقة سألت نفسى،لماذا أشجع فريقا لا أشاركه اللعب، ومن ثم لا أشاركه انتصاراته وهزائمه؟ ولما لم أجد إجابة مقنعة ،عزفت عن التشجيع، ثم عزفت عن الاهتمام أصلا بالموضوع، وسألت أحد معارفى من مشجعى الزمالك، لماذ تصر على تشجيع الزمالك برغم تدهور مستواه، و لا تشجع الأهلى المحافظ على مركزه المتقدم، وكانت الإجابة إنه يحب الزمالك.
برغم من أن الغالبية الساحقة من المصريين متجانسة لغويا وثقافيا ودينيا وطائفيا وعرقيا على عكس معظم الشعوب فى العالم، فسكان الدلتا يسخرون من سكان الصعيد ، و سكان الصعيد يفخرون بصلابتهم فى حين ينعتون سكان الدلتا بالرخاوة، ثم تسرى القاعدة على أبناء المحافظات ، فيتحدثون عن بخل سكان دمياط، وكرم سكان الشرقية، وفى قلب المنوفية التى يسخر من أهلها باقى المصريين لانتهازيتهم، لاحظت نفس الظاهرة بين قريتين متجاورتين، حيث يتهم سكان واحدة منهما سكان الأخرى بالبخل ، فى حين يتهم سكان الأخرى سكان الأولى بالبلاهة، وهذا هو الحال عموما بين سائر المراكز داخل المحافظات، والقرى داخل هذه المراكز، و فى كل قرية سوف نجد نفس الحالة بين عائلات نفس القرية، برغم ما قد يربط بينهم من علاقات نسب أو قرابة وربما أصل مشترك، بل وتستمر الظاهرة لتشمل فروع نفس العائلة ، حتى نصل للأسر النووية لنفس العائلة التى نراها على نفس الحال من الفخر بالأسرة، وهجاء الأسر الأخري، وهناك بالطبع أحكاما عامة من هذا النوع، يطلقها المسلمون على المسيحيين، مثلما يطلق المسيحيون أحكاما عامة على المسلمين، وينطبق هذا على ما بين السنة والشيعة، وبالرغم من أن معظم المصريين سمر البشرة فإنك سوف تجد من بينهم من يكره سود البشرة، ويصفهم بالعبيد، ويقرن بين الجمال ولون الجلد.
يفسر الكثير من الكتاب بحسهم العنصرى والاستعلائى، الهوس الدينى الذى يجتاح المجتمع المصرى منذ أربعين عاما، على أنه نتيجة غزو الإسلام النجدى الوهابى الصحراوى، وتغلبه على الإسلام المصرى السمح الزراعى، متناسين إن مصر أول بلد ظهرت فيه جماعة الأخوان المسلمين عام 1928 التى خرجت من عباءتها كل جماعات الإسلام السياسى، كما أسست فيها فى عام 1906 جمعيات أنصار السنة المحمدية المنحازة لمدرسة أهل الحديث التى خرجت منها مذاهب المالكية والشافعية والحنبلية ، قبل الحقبة النفطية، وظهور الدولة السعودية نفسها، وإن ما يسمونه بالإسلام المصرى ما هو إلا نتيجة سيادة أخذت تنحصر لمذهب الإمام أبو حنيفة الخارج من مدرسة أهل الرأى، المعروف بتساهله فى العبادات والمظاهر الشكلية،وتشدده فى المعاملات، وهو تيار الغالبية على مدى التاريخ الإسلامى لأنه كان المذهب الرسمى للخلافتين العباسية والعثمانية، وإن ما يسمى بالإسلام النجدى ما هو إلا مذهب الإمام ابن حنبل المعروف بتشدده فى العبادات والمظاهر الشكلية،وتساهله فى المعاملات، وكان تاريخيا تيار الأقلية الضئيلة، حتى جاءته الفرصة لينتشر بالتحالف مع الدولة السعودية، وما حازته من نفوذ نتيجة حقبة النفط.إلا أن هذا لا ينفى دور المثقفين المصريين من أمثال العقاد وسيد قطب ومصطفى محمود و غيرهم و هم الأقوى تأثيرا من إبن باز وغيره ، فمن هو الذى زرع المعاهد الدينية فى كل قرى و أحياء مصر، وحول الأزهر من جامعة إسلامية لجامعة شاملة، وأنشأ إذاعة القرءان الكريم ودعم الجماعات الإسلامية فى مواجهة اليسار فى السبعينات ، و ابتدع الإعجاز العلمى للقرءان والسنة فى الإعلام والجامعات، أليست الدولة المصرية نفسها.
كل تلك الأحكام العامة التى تطلقها جماعات بشرية عن نفسها وعن الجماعات الأخرى، والتى تندرج تحت الفخر بقطيعنا ، وهجاء القطعان الأخرى، أو حتى العكس، هى تفكير بدائى ومتخلف وساذج، يردده العامة، كما يرسخ هذا التفكير فى أوساط العامة النخب المثقفة التى تنتج وتعيد إنتاج أفكار هؤلاء العامة ونشرها بينهم، والعامة بكل سوقيتهم ، والنخبة بكل تقعراتها التافهة، لا يستندون على العلم الذى ينفى بحزم فكرة الهوية الجماعية سواء أكانت قائمة على أساس من الدين أو المذهب أو المنطقة الجغرافية أو الثقافة أو العرق. فداخل نفس الأسرة النووية التى يشترك أفرادها فى الصفات الوراثية والبيئة والمستوى الاقتصادى، فإنه يمكن أن تجد تنويعات سلوكية وعقلية مختلفة ومتناقضة، من بخل وكرم، من شجاعة وجبن، من طيبة وشر ، كم يمكن أن تنجب الأسرة معاقا ذهنيا و أخا له عبقريا فى نفس الوقت وهكذا.
فلماذا إذن يفكر البشر على هذا النحو؟ الإجابة هى أن معظم البشر لا يفكرون بقدر ما يسلكون ويصدرون الأحكام ويتخذون القرارات بناء على ما تمت برمجتم به فى طفولتهم. فيسمح الأهل لأنفسهم بتلقين أطفالهم عقائدهم الدينية و أفكارهم والتعصب للقطيع الذى ينتمون إليه، وعندما ينضج الأطفال يصعب عليهم التفكير فيما تم تلقينهم إياه، ويرددونه أحيانا كالببغاوات، كما إن الكثيرين لا يستطيعون دفع ثمن هذا التفكير فى تلك المعتقدات والأفكار والأحكام العامة ، فماذا لو اكتشفوا عدم صحتها ، أنهم سوف يحرمون أنفسهم من دفء القطيع الذى ينتمون إليه إلى برودة العزلة، فتخيلوا أى نوع من العزلة الاجتماعية التى يعانيها إنسان، لمجرد أنه توقف عن الاهتمام بكرة القدم أو الهوس بالدين أو الجنس.
السبب الآخر إن الناس فى الغالب تحكم عواطفها فيما يتعلق بحب القطيع الذى تنتمى إليه، وكره القطعان الأخرى، وهى التى ليس لها من أسباب منطقية غالبا، ولكنها تندفع نحوها بلا تفكير، وأحيانا تخترع لها أسبابا تبررها، سواء لنفسها أو للآخرين، عندما يواجههم أحد بلماذا تحبون وتكرهون،لماذا تعتقدون فى هذا الشىء أو لا تعتقدون، وهذه هى المهمة القذرة لمثقفى الهوية فى التاريخ الذين يقدمون تلك الإجابات للعامة.
http://www.ahewar.org/m.asp?i=12

26 فبراير، 2009

دارون .. ماذا فعلت الرأسمالية بالإنسان العاقل؟

دارون .. ماذا فعلت الرأسمالية بالإنسان العاقل؟
سامح سعيد عبود

يحتفل العالم هذه الأيام بالمئوية الثانية لميلاد تشارلز دارون ، أحد أهم مؤسسى علم البيولوجيا الحديثة، على أساس أن قوانين التطور ليست مجرد نظرية فى مواجهة نظرية أخرى مثل نظرية الخلق الخاص أو نظرية المصمم الذكى، كما يحاول الدجالون أن يثبتوا ذلك لدواعى إيديولوجية أو دينية، فقوانين التطور التى تبناها دارون وغيره من العلماء هى التفسير العلمى المحكم لنشوء الكائنات الحية وتطورها، و المجمع عليها فى كل الدوائر العلمية الجادة والمحترمة، والتى تعتبر حجر الزاوية المركزية فى البيولوجيا ، مثلها مثل قوانين نيوتن بالنسبة للفيزياء الحديثة،أما نظرية دارون الخاصة فى التطور فيمكن مقارنتها بنظريات وتفسيرات أخرى لعملية التطور لعلماء آخرين مثل لا مارك، ربما تكون أكثر أو أقل منها دقة أو صحة.
أبرز ما فى قوانين التطور البيولوجى أنها تقوم على أساس أن تطور الأنواع المختلفة للكائنات الحية، يجرى بسبب محدد هو التكيف مع ظروف البيئة المتغيرة، ومن ثم كان البقاء دائما لمن يتكيف مع ظروف البيئة أفضل من غيره، والانقراض كان نصيب من لم يستطع هذا التكيف ، فالبقاء إذن للأكثر تكيفا مع البيئة، والانقراض سوف يكون من نصيب الأقل تكيفا، والتكيف هنا ليست دليلا على الأفضلية على أى نحو، فالبقاء ليس للأفضل سلوكيا أو عقليا أو جماليا من وجهات نظرنا كبشر، بل البقاء للأكثر تكيفا بحكم الضرورة التى تحكم الطبيعة نفسها التى لا تعرف حقا أو خيرا أو جمالا كما نعرفهم نحن البشر كمجرد قيم مثالية فى عقولنا.
الإنسان العاقل، وبصرف النظر عن العلاقات الاجتماعية المختلفة التى يمكن أن يدخل فيها ، تؤثر عليه البيئة الطبيعية من مناخ وتضاريس وخلافه فتغيرمن سلوكيات البشر وتفكيرهم و بنيتهم الجسمانية،مثلما أن العلاقات الاجتماعية التى يدخلون فيها فيما بينهم تؤثر بنفس الدرجة على سلوكهم وأفكارهم وقيمهم، ومثلما أثرت البيئات الطبيعية المختلفة من قطبية ومدارية واستوائية فى البشر فأوجدت سلالات المغول والزنوج والقوقازيين وغيرهم، تنوعت أنماط الإنتاج من تنافسية كالرأسمالية وتعاونية كالمشاعية، فأوجدت أنواع من البشر يتفاوتون فى السلوك والأفكار والقيم. وهذا ينقض الفرضية غير الصحيحة عن الطبيعة البشرية الثابتة والمطلقة والنهائية سواء أكانت خيرة كما يفترض أقصى اليسار أو شريرة كما يفترض أقصى اليمين.
البيئة الاجتماعية أى مجمل العلاقات الاجتماعية فى مجتمع ما ، تدفع المتكيفون معها فقط للإزدهار والنجاح وفق ضرورات تلك البيئة، ومن ثم تسيد قيمهم و أفكارهم اجتماعيا بدفع الآخرين للاقتداء بهم و تقليدهم كى يحصلوا على نفس النجاح، فى حين أن غير المتكيفين سواء عن عجز أو رفض ، تدفع بهم البيئة الاجتماعية للإضمحلال والفشل وفق ضرورات تلك البيئة، و من ثم تهميش قيمهم وأفكارهم، فضلا عن ما يتعرضوا له من نبذ و استهزاء اجتماعى يدفعهم للإنزواء والعزلة وربما الانقراض، وبمرور الوقت يصبح المتكيفون هم الغالبية الساحقة، والعاجزون عن التكيف أو الرافضون له هم القلة النادرة، وهذا لا يعنى إطلاقا أن الأولون هم الأفضل من الآخرين على أى نحو، أو أن العكس صحيح.
إنطلاقا من هذا الفهم فإنه ليس علينا أن ننتظر تغيير سلوكيات البشر وقيمهم وأفكارهم قبل أن تتغير البيئة الاجتماعية التى يعيشون فيها،إلى بيئة اجتماعية جديدة تدفعهم ضرورة التكيف معها تبنى سلوكيات وأفكار و قيم أخرى تتناسب معها. فلا نشترط أن يتبنى البشر قيما وسلوكيات وأفكار لا رأسمالية حتى يمكنا تجاوز الرأسمالية، بل يجب أن يتم تجاوزها حتى تتغير قيم و سلوكيات وأفكار البشر ، و هذا أكثر اتساقا مع التفكير العلمى.
تقوم البيئات الاجتماعية التنافسية، ومنها البيئة الرأسمالية على الصراع الحر بين الأفراد والجماعات على الفوز بأكبر قدر من الثروة حتى ولو لم يكونوا فى حاجة حقيقية إليها، و حتى ولو زادت عن احتياجاتهم الفعلية، وحتى ولو كان ذلك على حساب حرمان الآخرين من تلك الثروات ، فالاستحواز على أكبر ما يمكن من تلك الثروات هو مقياس النجاح والإزدهار فى البيئة الرأسمالية، وهدف المتكيفون معها الذي يسعون إليه. وفى سبيل هذا الهدف يهون كل شىء بالنسبة لهم.
الإنسان المتكيف مع الرأسمالية كائن أنانى جشع متكلس حول ذاته ومصالحه حتى لو تم خراب العالم بسبب نهمه الذى لا يشبع للاستحواز والتباهى والتسلط على الآخرين، فالرأسمالية تدفع البشر لعبادة المال الذى هو وسيلتهم للمتع الحسية،و تخلق منهم كائنات داعرة على أتم استعداد أن يبيعوا أجسادهم وأفكارهم وعقولهم وقواهم وجهودهم وعمرهم من أجل المال ، وتدفعهم نفاقا أو خداعا للنفس، لتغطية تلك العبادة العفنة بعبادة آلهة أخرى اللة أو يهوا أو براهما .
الرأسمالية تخلق الإنسان المدمن كى يسهل لها السيطرة عليه، وهى فى سبيل ذلك تخلق له آلاف الأنواع من المخدرات التى باستهلاكها يتم رفع نسبة الدوبامين فى المخ فيشعر بالسعادة، ويصبح عاجزا عن الاستغناء عنها، وأكثر تقبلا لاستغلاله وقهره وتضليله مقابل تلك السعادة الوهمية، ويتحول بسبب هذا الإدمان لكائن سلبي لامبالي بما حوله و بالآخرين، و تتعد أشكال تلك المخدرات من المخدرات والخمور الحقيقية إلى غير الحقيقية مما تقدمه صناعة الجنس و الترفيه إلى تشجيع الفرق الرياضية و ممارسة ألعاب الفيديو ومشاهدة المسلسلات التليفزيونية و القمار وغيرها من المتع والسلع مما لا يتسع لسرده المجال.
الرأسمالية تخلق للبشر سباق لا ينقطع للفوز بأكبر قدر من السلع والمتع يكونون فيه وحوشا أو فرائس،آكلين أو مأكولين، ومن ثم تحولهم لكائنات مريضة بشتى أمراض النفس والعقل الاكتئاب والهوس والقلق، لا يعرفون راحة النفس والبدن.
لايمكن أن نتوقع نجاح وازدهار الإنسان غير المتكيف مع الرأسمالية فى ظلها، والذى يتصف بكونه غير أنانى وقنوع ومهتم بالآخرين وتلبية مصالحهم ، والذى لايشبع احتياجاته على حساب حرمان الآخرين وتعاستهم و بالتسلط عليهم، مبرءا من الإدمان والمرض النفسى، فهذا الإنسان لايتكيف إلا مع بيئة اجتماعية أخرى تقوم على التعاون بين البشر لا التنافس فيما بينهم.


http://www.ahewar.org/m.asp?i=12

27 يناير، 2009

تطبيق الشريعة الإسلامية : ضجيج بلا طحن

تطبيق الشريعة الإسلامية : ضجيج بلا طحن
سامح سعيد عبود
تعد الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع وفقا لأحكام المادة الثانية من الدستور، كما ترفع بعض أحكامها التجريم الجنائى وفقا لنص المادة 6 من قانون العقوبات التى تنص على أن لا تسرى أحكام قانون العقوبات على كل فعل أرتكب بنية سليمة عملا بحق مقرر بمقتضى الشريعة.
وهذا النص الدستورى يسبب خللا فى بنية الدستور وتناقضا مع روحه ومنطقه ونصوصه، كما يتناقض والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، والتى هى جزء من التشريع المصرى بحكم هذا الدستور نفسه، وهو ما يخلق بدوره خللا مزمنا فى مجمل البنية التشريعية المصرية بكافة درجاتها، وذلك نظرا للتناقضات ما بين مفاهيم المعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والكثير من أحكام الدستور المصرى من ناحية وما بين التفسير السائد لأحكام الشريعة الإسلامية من ناحية أخرى .
فأحكام الشريعة الإسلامية بداية هى تعبير اصطلاحى يشمل فى داخله تعابير اصطلاحية أخرى منها الفقه الإسلامى، حيث تتضمن الشريعة الإسلامية ثلاث أنواع من الأحكام هى:
1- الأحكام الاعتقادية :- وهى التى تتعلق بالله وصفاته ورسله وكتبه واليوم الآخر.
2- الأحكام الأخلاقية: ـ وهى التى تتعلق بالفضائل التى يجب أن يتحلى بها المسلم كالصدق والأمانة والرذائل التى يجب عليه أن يتجنبها كالكذب والخيانة.
3- الأحكام العملية: أى التى تتعلق بعمل الإنسان كوجوب الصلاة والصوم وحرمة السرقة والقذف وقد اقتصر الفقه الإسلامى على النوع الثالث من الأحكام.
وللفقه الإسلامى طابع خاص يميزه عن المفاهيم القانونية الحديثة من نواحى عديدة أهمها :
ا ـ أن الفقه الإسلامى مستمد من أصول دينية مقدسة لدى اتباع عقيدة دينية بعينها هى الإسلام، وهى غير مقدسة بالضرورة عند غير المسلمين . ومن ثم فأنها لا تنطبق ولا ينبغى لها أن تنطبق سوى على المؤمنين بالعقيدة الإسلامية التى يستند إليها هذا الفقه .
2 ـ أن أحكام الفقه الإسلامى وفقاً للخط السائد داخل التيارات الإسلامية لا تتبدل كونها محكومة بنص مقدس .
3ـ أن الفقه الإسلامى يقوم على أساس منظومة أخلاقية وقيميه وسلوكية معينة تخص المؤمنين بتلك العقيدة فحسب دون غيرهم .
4ـ يتضمن الفقه الإسلامى أحكاما تفصيلية فى العقيدة والعبادات والأخلاق والزواج والطلاق والإرث والحدود الجزائية والعقود،والمعاملات المدنية والتجارية وأحكاما عامة كالعدالة والمساواة وغيرها. وأغلب هذه الأحكام مستمد أساساً من خبرات الدول العربية – الإسلامية التي بدأت بدولة الخلفاء الراشدين وانتهت مع سقوط الخلافة العثمانية، وغني عن الذكر أن هذه الخبرات في مجملها هى بنت مستوى معين من التطور الاقتصادى والاجتماعى، ومن ثم فليس صدفة أن تبدو هذه الأحكام بصفة عامة عند الكثير من القوى والأصوات المستنيرة، مختلفة عن روح العصر والمستقبل، ومن ثم تطالب هذه الأصوات بفتح باب الاجتهاد وعدم الاعتماد على موروثات ومأثورات العصر العباسي وكأنها نصوص مقدسة.
5ـ للفقه الإسلامى تاريخ طويل من الاختلاف بين فرقه وتياراته المختلفة عبر أكثر من خمسة عشر قرنا،ذلك لأنه يعتمد فى استخراج أحكامه على تفسير نصوص ذات صيغ لغوية حمالة أوجه بطبيعتها، حيث تحتمل دائما الفهم والتأويل والتفسير المختلف لدى كل من يتناولون تلك النصوص من فقهاء الإسلام، والذين يعتمدون فى استخراج أحكامهم الفقهية فى التعامل مع هذه النصوص عبر قواعد أصول الفقه الإسلامى.
وقد ذخر التاريخ الإسلامى بعشرات المذاهب التى تعتمد مناهج مختلفة عند الأخذ بهذه النصوص وفهمها وتفسيرها وتأويلها، فضلا عن الاختلاف فيما بين فقهاء تلك المذاهب فى مدى حجية مصادر هذه النصوص وتراتبها فيما بينها، مما لا يتسع للإحاطة به فى هذا المقال، ومن ثم فقد اختلفت الأحكام من مذهب لآخر وفقيه لآخر بل ومن زمن لآخر .
فغلاة الخوارج اقتصروا على الاحتجاج بالقرآن فقط ، وأنكروا الاحتجاج بالسنة والإجماع والقياس، وهم يشبهون القرءآنيين فى عصرنا الحالى مع ملاحظة انحصار القرءآنيين حاليا فى قلة من المفكرين الإسلاميين واتباعهم،قد يتحولون لتيار جماهيرى مع الزمن، وهم بصفة عامة لم يصلوا إلى ما وصل إليه الإخوان الجمهوريين فى السودان الذين لا يأخذون إلا بالآيات المكية فى القرآن الكريم دون الآيات المدنية المتضمنة معظم الأحكام الفقهية،بمعنى اسقاط معظم الأحكام ليتحول الإسلام لديهم لدين أخلاقى فحسب، أما غير الغلاة من الخوارج فقد أخذوا بالسنة إذا جاءت عن طريق أئمتهم وكانت مروية عن أبى بكر وعمر أما إذا أخذت عن عثمان أو على أو معاوية فلا تؤخذ لأنهم كفار فى نظرهم.
والشيعة الأمامية الإثنى عشرية يعتمدون على القرآن والسنة غير أنهم لا يقبلون تفسير غيرهم ولا يعولون على السنة إلا ما ورد منها عن طريق أئمتهم ولا يحتجون بالإجماع ولا يقولون بالقياس لأنه رأى، والدين لا يؤخذ بالرأي، وإنما يؤخذ عن الله ورسوله وأئمتهم المعصومين.
والشيعة الزيدية أقرب فرق الشيعة إلى مذاهب السنة ويعتمدون فى استنباط الأحكام الفقهية وغيرها على الأحاديث التى تروى عن طريق زيد بن الحسين بن على وآبائه خاصة فلا يؤخذون بالأحاديث المروية عن غيره كأبى بكر وعمر ولا بالأحاديث المروية عن الأئمة العلويين الآخرين.
أما أهل السنة، فهم الذين لم يتفقوا فى الرأى مع الخوارج أو الشيعة وهم يمثلون السواد الأعظم من المسلمين، ويرون أن الصحابة جميعهم عدول بتعديل الله لهم، ومذاهب أهل السنة الباقية حتى الآن هى الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية بعد اندثار مذاهب أخرى كالظاهرية .
وقبل أن نتناول النصوص التى يستمد منها الفقة الإسلامى،علينا أن نوضح أن المسلمين أنقسموا إلى الذين يأخذون بظاهر النص دون تفسير أو تأويل، وبين من لا يأخذون بظاهر النص و يؤلنوه بالعقل، وقد تطرف بعض هؤلاء، وخصوصا فى المذاهب الشيعية الباطنية، فظهرت فرق يكفرها معظم المسلمين كالدروز .
و أهم النصوص التى يستمد منها التشريع الإسلامى هو القرءان، و إذا كانت آيات القرءان تنقسم ما بين ما هو محكم وما هو مشبه، وما بين ما هو ناسخ وما هو منسوخ، مع ملاحظة أن هناك من ينكر النسخ فى القرآن كالقرءانيين، فالسنة تنقسم أيضا لسنة عملية وسنة تقريرية وسنة قولية من ناحية أصلها، وما بين ما هو سنة متواترة وسنة مشهورة وسنة آحاد وسنة مرسلة من ناحية إسنادها.
وموقف مذاهب أهل السنة والجماعة من مصادر الفقه الإسلامى المختلفة، تتخلص فى أنهم يجمعون على القرآن الكريم والسنة النبوية المتواترة والمشهورة، والملاحظ أن هذه السنن المتواترة والمشهورة فى معظمهما سنن عملية، وما هو قولى فيهما قليل للغاية لا يتجاوز بضع عشرات من الأحاديث، أما بالنسبة لسنة الآحاد التى فى معظمها قولى وليس عملى فإن أهل السنة والجماعة يختلفون فى موقفهم من سنة الآحاد مع ملاحظة أن من بين تيار أهل السنة من أنكر حجية سنة الآحاد أصلا، أى أنه يأخذ بالمشهور والمتواتر فقط من السنة وكـأنما يشكلون تيار وسيط بين القرءانيين وأهل السنة.
وموقف الحنفية من أحاديث الآحاد أنهم يقبلونها بشروط ثلاث هى 1- ألا يعمل الراوى بخلاف ما رواه 2- ألا يكون خبر الواحد وارد فى أمر تعم به البلوى 3- ألا يكون الحديث مخالفا للقياس.
أما موقف المالكية فهو الاشتراط عند الأخذ بخبر الواحد ألا يخالف الخبر ما جرى عليه عمل أهل المدينة المنورة .
أما موقف الشافعية فلم يشترط لقبول سنة الآحاد إلا أن يكون سندها صحيحا ومتصلا فلا يصح العمل بالسنة المرسلة لانقطاع إسنادها.
أما موقف الحنابلة ومنهم الوهابيون، فقد ذهبوا لما هو أكثر مما ذهب إليه الشافعية فى الأخذ بسنة الآحاد حتى ولو كانت مرسلة وقالوا بوجوب تقديمها على القياس، والسنة المرسلة هى سنة الآحاد التى سقط من سندها راو أو أكثر وهى ما لا تأخذ بها الثلاث مذاهب الأولى.
وفضلا عن القرءآن والسنة المتفق عليهما من جمهور فقهاء المسلمين كمصادر للفقه الإسلامى، فهناك مصادر أخرى للفقه الإسلامى، ليست محل اتفاق من الجمهور سواء من حيث حجيتها أو من حيث تراتبيتها فى سلم المصادر الفقهية، وهى الإجماع والقياس والمصالح المرسلة والاستصحاب والاستحسان والعرف وأقوال الصحابة والشرائع السماوية السابقة للإسلام والأخذ بها مشروط بألا تخالف نصا صريحا فى القرآن والسنة.
ومن ثم فالفقه الإسلامى يختلف جذريا مع المفاهيم القانونية الحديثة التى تؤسس مدونات أحكام قاطعة الدلالة، تتسم بأنها عامة ومجردة، كما أن القانون الحديث منفصل عن عقائد المخاطبين بأحكامه ذلك لأن قواعد المواطنة المستندة على العدالة والحرية والمساواة بين البشر تقتضى أن ينفصل القانون الذى يحكم العلاقات فيما بينهم عن عقائدهم الدينية، فموضوع الحكم القانونى هو تنظيم العلاقات الإنسانية فقط، حيث لا علاقة له بعقيدة الإنسان الدينية وعباداته وسلوكه الشخصى الذى لا يمس حقوق وحريات الآخرين بالضرر .
كما أن نصوص القانون الحديث متغيرة ومتطورة دائما لتواكب التطورات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، وهى توضع لتحمى مصالح عامة ومجردة ومحددة، وقد تكون تلك المصالح مصالح محلية أو وطنية أو عالمية . كما أن ما يتفق ومبادئ العدالة والحرية والمساواة بين البشر باعتبارها مفاهيم إنسانية عالمية وحديثة أن يحدد المخاطبين بالتشريع المعنى التشريع الذى ينظم علاقاتهم فيما بينهم بأنفسهم .
والأحكام القانونية فى بناء التشريع المصرى التى تستند على الفقه الإسلامى تتركز أساسا فى قوانين الأحوال الشخصية التى تنظم شئون الزواج والطلاق والنفقة والحضانة وإثبات النسب والولاية والوصاية والمواريث والوصية والوقف، وهى معتمدة فى صياغة أحكامها على مذاهب أهل السنة والجماعة. و لايشتمل قانون العقوبات على الحدود، و هى لدى القرءانيين لا تتجاوز حدود القذف وجلد الزانى والزانية والسرقة والقصاص والحرابة الواردة فى القرءان، وتتسع عند أهل السنة إلى رجم المحصنين من الزناة، والردة ، و شرب الخمر.أما غير ذلك من جرائم فإن للقاضى سلطة تقديرية فى انزال العقوبة المناسبة فيما يعرف بالتعزير، كما تجدر الإشارة أيضا إلى أن موقف الفقه الإسلامى السائد فيما يتعلق بالحدود الجزائية غير الواردة فى قانون العقوبات المصرى متناقضة فى نفس الوقت مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التى تحرم أى عقوبات قاسية أو مهينة أو حاطه بالكرامة الإنسانية، ومنها قطع اليد والجلد والرجم والإعدام وغيرها، ومتناقضة فى نفس الوقت مع أحكام قانون العقوبات المصرى التى تحظر المساس بجسم الإنسان إلا لضرورة طبية.
ولا يتناقض القانون المدنى مع أحكام الفقة الإسلامى إلا فى خمسة مواد قانونية من بين نحو ألفى مادة، تتعلق بالفوائد على الديون المدنية التى يقررها القانون بخمسة فى المئة.على اعتبار أنها تحمل شبه الربا إلا أنه فى الحقيقة أنها بمثابة تعويض للدائن عن مصاريف التقاضى، وارتفاع سعر العملة نتيجة التضخم أكثر من كونها تربحا من الاقراض، أى أننا يمكن أن نعتبرها غير مخالفة لأحكام الفقة.
و لأن القوانين الأخرى فى القانون الخاص ، كقانون العمل وغيرها ترتبط بقانون أساسى هو القانون المدنى وتنظم شئون حديثة لم يدرسها الفقة الإسلامى، فإننا نجد أن شعار تطبيق الشريعة الإسلامية باعتباره حجر الزاوية لدى الإسلام السياسى يهبط لمجرد سبع حدود جزائية، أحدها وهو حد الزنى يشترط لتطبيقه أن يرى أربع شهود عدول الممارسة الجنسية كما يرون "القلم فى المحبرة"، وهو يعنى استحالة تطبيقة عمليا إلا على الفقراء الذين لا يجدوا إلا الأماكن العامة لإشباع رغباتهم، وشروط حد السرقة لن تنطبق إلا على بعض فقراء اللصوص من النشالين، وهكذا.. إذن فكل هذا الضجيج الذى لا ينقطع لتيارات الإسلام السياسى المختلفة، من أجل إضافة سبع حدود إلى قانون العقوبات،وإلغاء الفوائد على الديون المدنية والتجارية،وفرض بعض القواعد السلوكية على الناس كمنع الاختلاط بين الجنسين والملاهى الليلية والخمور، هى شكليات لا تمس جوهر العلاقات الاجتماعية القائمة على الاستغلال والقهر، والتى لا تقدم و لا تؤخر فى حل مشكلات الواقع الملحة مثل البطالة وتلوث البيئة والتنمية، ولكن المسألة ليست بتلك البساطة، فالشعار السياسى ليس هدفه ظاهره دائما، وإنما هدفه الأساسى هو ممارسة السلطة فى الحكم أو المعارضة، وإلهاء المقهورين والمستغلين عن السبل الواقعية لتحررهم من القهر والاستغلال، فطالما لا تمنع الشريعة الرق وعبودية العمل المأجور والعمل الجبرى والمجانى، فما الذى سوف يستفيده العامل من تطبيق الشريعة الإسلامية، إلا إلهاءه بالشكليات عن كيفية تحرره من العبودية.
وبصفة عامة يمكننا القول أن الفقه الإسلامى السائد حاليا فى المؤسسات الإسلامية الرسمية ، وفى مؤسسات الدولة المختلفة التشريعية والقضائية والتنفيذية، والسائد لدى الكثير من مؤسسات المجتمع المدني المختلفة، والسائد فى أوساط معظم النخب المثقفة والمتعلمة، مستقى عموما من جميع مذاهب أهل السنة والجماعة السالف ذكرها بدرجات متفاوتة، وتفسيرات تتراوح ما بين الاعتدال والتطرف، وما بين الحرفية السلفية والمرونة والاجتهاد، وفي هذه المذاهب جميعا لا يتساوى الموقف القانونى بين المواطنين فى الكثير من الحقوق والواجبات خاصة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، وهو ما يتناقض مع النصوص الصريحة للدستور والمواثيق والمعاهدات الدولية التى تساوى تماما بين المواطنين فى الحقوق والواجبات.
حيث يرى الفقهاء والمفكرون الإسلاميون السلفيون الذين يتزعموا الرأى العام ويحتلون مكانة مرجعية عند النخب أن المرأة وإن كانت إنسانا له قيمة فى نفسه إلا أنها لا تساوى الرجل، وأنه لا مساواة بين المسلم وغير المسلم، فى الحقوق الاجتماعية والسياسية والقانونية والاقتصادية،ويتجه منهجهم بالأخذ بالنصوص حسب رأى المفسرين الأوائل مع عدم الاجتهاد فيها، ولقد اعتمدوا فى كل تصورهم على نصوص إبنة عصر معين وظروف اجتماعية واقتصادية محددة فى حين يتطور المجتمع الإنسانى لآفاق أكثر تقدما تستدعى تشريعات تتلائم معها.
ويجدر بنا أن نؤكد هنا بوضوح أن السيادة الملحوظة للفقه السلفي المحافظ والرافض لقيم الحرية الفردية والمساواة بين كافة البشر، لا ينفي وجود بعض المفكرين الإسلاميين اللذين يحاولون الاجتهاد للتوفيق بدرجات متفاوتة بين مفكر وآخر،بين أحكام الفقه الإسلامى والمعايير الدولية لحقوق الإنسان استناداً إلى فهم مختلف النصوص الدينية، ولكن هؤلاء المفكرين غير المدعومين بنظم حكم أو تيارات سياسية قوية ليس لهم الغلبة داخل التيارات الإسلامية، وليس لهم نفوذ أيضاً داخل الرأى العام.
تستند ممارسات وسلوكيات ومواقف غالبية المسلمين على خليط مشوش، مكون من بعض أحكام الفقه الإسلامى السائد ومن الأفكار والقيم والعقائد والممارسات والأعراف والعادات والتقاليد المتنوعة، بدرجات وتلوينات مختلفة، مشكلة موزايك من ثقافات متنوعة، ما بين حضرية وريفية وبدوية، وما بين حديثة وتقليدية، وما بين مستنيرة وظلامية، وما بين تقدمية ورجعية،وما بين تحررية ومحافظة، فدائما وعبر التاريخ كان هناك ما يسمى بالفهم الشعبى للدين بكل ما يميز هذا الفهم من عقائد وطقوس وعادات وتقاليد وقيم وسلوكيات ومفاهيم، وهو فهم متقاطع وليس متطابق مع الفقه الإسلامى الرسمى السائد المشكل لما يسمى بالدين الرسمى.
وإذا كانت ظاهرة الدين الشعبى محدودة فى أوساط المسيحيين نظرا لوجود أجهزة كنسية كهنوتية تنظم كل ما له علاقة بالدين المسيحى عند المسيحيين،فأن المؤسسات الدينية الإسلامية ليست كهنوتية ومن ثم ليس لها من السلطات على المسلمين ما للكنيسة على المسيحيين، مما يوسع من ظاهرة الدين الشعبى لدى المسلمين، ويضيقها لدى المسيحيين.
http://www.ahewar.org/m.asp?i=12

12 يناير، 2009

النظريات الماركسية ليست كقوانين نيوتن

النظريات الماركسية ليست كقوانين نيوتن
سامح سعيد عبود
ربما تكون النظريات الماركسية هى الأكثر اقترابا من الحقيقة الاجتماعية من بين الكثير من النظريات الاجتماعية، لكنها لن تبلغ هى أو سواها ، ما اقتربت به قوانين نيوتن الشهيرة فى الفيزياء من حقائق الحركة الميكانيكية، و برغم أن لهذه القوانين حتميتها ويقينيتها و دقتها عند مستوى السرعات البطيئة للأجسام، إلا إنها تفقد الحتمية واليقينية والدقة عند حركة الأجسام بسرعات تقترب من سرعة الضوء. التى تفسرها نظرية النسبية العامة والخاصة.
وبناء على ذلك فإن التعامل مع قوانين التطور الاجتماعى الماركسية كما لو كانت قوانين نيوتن هو من قبيل تحويل الماركسية لدين يقوم على الإيمان وعدم قابليته للدحض، أكثر مما يقوم على المعرفة وقابليته للدحض كما ينبغى لكل علم أن يكون.
الحقيقة أنه لا توجد علاقة مؤكدة وحتمية ودقيقة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ، والدليل على ذلك هو أن علاقات عبودية وشبه عبودية مازالت قائمة فى شتى بقاع العالم حتى الآن برغم التطور المذهل فى قوى الإنتاج، حيث تسجل منظمة مكافحة العبودية أن هناك أكثر من 30 مليون عبد فى العالم، يتركزون فى بعض بلاد الجنوب، ورغم أن القوانين والمواثيق الدولية تجرم العمل الجبرى والمجانى، فإنه ظاهرة واسعة الانتشار عبر العالم سواء فى مركزه المتقدم أو فى أطرافه المتخلفة، وهو ما تسجله الكثير من المنظمات الدولية بما فيها منظمة العمل الدولية، وأن بلدا مثل الولايات المتحدة لم تقض على العبودية حتى أواخر القرن التاسع عشر ، فى زراعة القطن و التبغ بولايات الجنوب والتى كانت تستخدم أرقى ما عرفته البشرية من وسائل إنتاج زراعية ، لا تختلف عن ما كانت تستخدمه المزارع الرأسمالية أو التعاونية فى ذلك الوقت.
الغريب أنه بالرغم من أن ما تم ذكره حقيقة شائعة، فقد تبنى ومازال يتبنى الملايين من البشر ذلك الربط الحتمى بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، كما لو كان أحد قوانين نيوتن ، ويبررون بناء على ذلك الإيمان الغيبى، فشل الثورات العمالية فى الأجزاء الأكثر تخلفا فى العالم، وتبنيهم الرؤية الإصلاحية والليبرالية بناء على ذلك ، و استبعادهم لإمكانية تجاوز الرأسمالية الآن، وهو ما استبعده أنا أيضا باعتباره احتمال ضعيف، لا على سبيل اليقين، وهو استبعاد ليس لهذا السبب تحديدا،بل نظرا للضعف المزرى للقوى الاجتماعية القادرة على انجاز هذا التجاوز، وفى نفس الوقت المستوى الهائل من القوة والامكانيات التى تملكها القوى صاحبة المصلحة فى استمرار الوضع على ما هو عليه، فالأمر هو أمر توازنات قوى طبقية.
أن من يستبعدون طرح تجاوز الرأسمالية الآن بناء على مسألة تخلف قوى الإنتاج يتغافلون عمدا عن حقيقة موضوعية أخرى، هى أن البشرية وصلت إلى مستوى من التقدم العلمى والتكنولوجى، ما يتيح لها وفرة حقيقية تقضى على الندرة فى العالم، لو تم تنظيم الإنتاج لإشباع الاحتياجات الاستعمالية الفعلية للبشر، بدلا من استنزافهم فى صناعة السلاح وغيرها من الأنشطة الضارة بالبشر، ويتيح هذا التقدم الموقوف حصرا لرفاهية النخب الحاكمة، القضاء على انقسام البشر لمن يعملون معظم ساعات اليوم وطوال عمرهم، وبين من لا يعملون أو يعملون أعمال تافهة يمكن الاستغناء عنها، ولكن ما يخلق الندرة و البطالة مقنعة وغير مقنعة، ومن ثم الجوع فى العالم هو أن الإنتاج من أجل التبادل والربح الرأسمالى يهدر تلك الإمكانية لصالح قلة تتركز فى يديها الثروة والسلطة.
وما ينفى العلاقة الحتمية بين وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج هو أن مصنع يعمل بنفس النوعية من الماكينات، وبنفس العدد من العاملين، يمكن أن يملكه شخص، يملك فى نفس الوقت العاملين فيه وهذه علاقة إنتاج عبودية ، أو أن يجبرهم على العمل لصالحه جبرا أو مجانا ، وهذه علاقة إنتاج إقطاعية، أو مقابل أجر فى علاقة تفاوضية بين الطرفين، وهذه علاقة إنتاج رأسمالية، كما يمكن لهذا المصنع أن تملكه الدولة وتقوم بتشغيل العاملين فيه مقابل أجر وفق علاقة إذعان، يخضعون فيها لشروط العمل التى تحددها الدولة، وهذه علاقة إنتاج بيروقراطية، كما يمكن أن يملك هذا المصنع العاملين فيه، وأن يديروه لصالحهم وهذه علاقة إنتاج تعاونية. ويمكن أن يملك المجتمع المصنع وأن يديره العاملون فيه لصالح المجتمع، و هذه علاقة إنتاج اشتراكية، وكل هذا وارد الحدوث ليس فقط على مستوى صناعة السلع بل وفى الزراعة وتقديم الخدمات، الفرق الوحيد بين هذه الحالات سوف يكون فى مستوى إنتاجية هذا المنشئات، حيث سوف تتناسب طرديا مع درجة الحرية لدى العاملين بالمنشأة، فتزداد كلما زادت درجة الحرية، و تقل كلما قلت درجة الحرية. وهذا قانون أكثر حتمية ويقينية ودقة من قانون الربط الميكانيكى بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ، وهو ما يمكن التأكد منه بالتجربة والممارسة وليس فقط من الاستنتاج النظرى، الذى اكتفى بتبنيه البعض.
ذلك أن المجتمعات البشرية وعبر تطورها وبرغم وجود نفس المستوى من وسائل الإنتاج، عرفت العديد من علاقات الإنتاج المتجاورة، قد يكون بعضها سائد ومتحكم فى غيره من العلاقات ، وبعضها هامشى ومحكوم بغيره من العلاقات، وهذه العلاقات الإنتاجية المتجاورة، تكتسب وضع السيادة أو وضع الهامشية، بسبب عدة عوامل متفاعلة فى البنية الاجتماعية بمجملها، لا عامل مستوى وسائل الإنتاج فقط كما تتمسك بذلك الرؤى الماركسية الأحادية الجانب.فقد توزعت قوى العمل فى كل مجتمع طبقى عرفه التاريخ المكتوب بين العبيد والأقنان والعمال المأجورين والمنتجين الأحرار، كما كان القطب المواجه لهم يتوزع هو أيضا بين ملاك عبيد واقطاعيين و رأسماليين وبيروقراطيين ، والفرق كان يكمن فى النسبة التى يمتلها كل منهما فى المجتمع ، ومدى أهميته وموقعه من التحكم والهامشية.
فوفقا للتطور الاجتماعى الحالى يمكن لنا أن نلاحظ وجود أنماط إنتاج متعددة ومتجاورة ، بيروقراطية ورأسمالية وسلعية بسيطة و عائلية وفردية وتعاونية، فضلا عن أنماط العمل الجبرى الشائعة فى الاقتصاد السرى، وهذا يقسم المجتمع لطبقات وشرائح اجتماعية عديدة لكل منها رؤاها ومصالحها، ويفاقم من هذا التنوع إنقسام الاقتصاد إلى رمزى وحقيقى من ناحية ، و إلى رسمى وسرى من ناحية أخرى، ومن ثم فإن النظرة التبسيطية التى تقسم المجتمع لبرجوازية وبروليتاريا فقط تتغافل عن التنوع المذهل فى تركيب المجتمع الطبقى. و هى نظرة ناتجة عن رؤية التاريخ باعتباره انتقال من نمط إنتاج معين لنمط إنتاج آخر، بسبب التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وليس باعتباره تحول نمط إنتاج من السيادة إلى الهامشية أو العكس، أو نشوء نمط إنتاج أو فناءه فى لحظة تاريخية معينة.
http://www.ahewar.org/m.asp?i=12

06 يناير، 2009

أطفال لينين على صواب

أطفال لينين على صواب
سامح سعيد عبود

يطلق البعض على المنتمين للتيارات اللاسلطوية المتأثرة بالماركسية، أنهم أطفال لينين، لأنه سفه أسلافهم التاريخيين، و وصف شيوعيتهم اليسارية بأنها لعب أطفال ، ولكن التجربة التاريخية فى هذه الحالة، أثبتت أنه أحيانا ما يكون لعب الأطفال أكثر حكمة وصوابا من عمل الراشدين.
* فى مارس 1921، طالبت المعارضة العمالية بأن يكون الإنتاج والخدمات تحت إدارة النقابات العمالية ومجالس العمال، إلا أن لينين نعت الاقتراح بأنه "انحراف نقابي فوضوي واضح وجلي" وذلك في التقرير الذي قدّمه أمام المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي البلشفي لروسيا ، وطرح فى مقابل هذا نموذج لدولة تتجاوز مهامها السيادية التقليدية إلى إدارة مجمل شئون المجتمع فى الإنتاج والخدمات، مأخوذا ومنبهرا فى ذلك بنموذج إدارة جهاز الدولة الألمانى لمرفق البريد، و أنتهى اقتراح لينين البالغ الذى أخذ فرصته فى التطبيق إلى أن يتحول كبار العاملين فى الجهاز البيروقراطى للدولة لطبقة منفصلة عن الطبقة العاملة مثقلة بالامتيازات، و محصنة من النقد، واتاحت لها سلطاتها الكلية القدرة، أن تفسد دون حسيب، و تخرب دون رقيب، وانتهى الأمر بها أن تدمر بنفسها دولتها، و أهدت بسهولة معظم ثروات الاتحاد السوفيتى التى بنيت بكم هائل من التضحيات عبر ثمانين عاما إلى حفنة من اللصوص، دون أن يبدى العمال أى دفاع عن ما يملكوه، وما شيدوه بالدم والعرق والحرمان، لأنهم فى الحقيقة لم يشعروا يوما أنهم مالكين لكل تلك الثروة، فقد كان تخطيط الدولة العقلانى لكل من الإنتاج والاستهلاك، يعنى تكديس السلاح وغزو الفضاء، و فى نفس الوقت حرمان الناس من احتياجاتهم الاستهلاكية البسيطة،..أما ما اقترحه الأطفال، ولم يجد الفرصة للتطبيق ، فكان يعنى ببساطة أن يتحرر العمال فعليا من عبودية العمل المأجور التى استمرت لدى الدولة كما كانت لدى الرأسماليين ، كما استمر انفصالهم عن وسائل الإنتاج، وعن ما ينتجوه كما كانوا فى الوضع الذى ثاروا عليه، كان الأخذ بكلام الأطفال ، سوف يعنى عدم اتاحة الفرصة للفساد و لتنامى الثروات من الاقتصاد السرى، طالما ظل بإيدي العمال أنفسهم إدارة ما يملكوه، وما كان يمكن أن يسلب منهم ما بنوه، بمثل هذه البساطة التى حدثت، فضلا عن أنهم فى النهاية كانوا سوف ينتجون ما يحتاجونه فعلا من احتياجات استعمالية، دون هدر للإمكانيات الموارد وجهودهم الهائلة فيما لا طائل من وراءه ، وبالتالى ما كان يمكن أن يفقد البشر فرصتهم التاريخية للتحرر من القهر والاستغلال، و التى قد لا تتكرر فى المدى المنظور، نتيجة هذا الفشل المروع، برغم ما يمثله الوضع الحالى من تهديدات لاستمرار البشر أنفسهم فى الوجود، وبرغم الأزمة التى تعترى الرأسمالية مؤخرا، بسبب عزوف الناس فى نفس الوقت عن سماع من يطرحون البديل عن هذا الوضع، والذين يقترحون تجاوز الرأسمالية فورا.
* شرحت "كولنتاى" مميزات ظاهرة انتشرت عفويا مثلها مثل ظاهرة المجالس العمالية فى بدايات الثورة، و هى تحول الأعمال المنزلية من طهو وغسل ملابس و رعاية أطفال و خلافه من أعمال تخص كل أسرة على حدى، و تلقى على عاتق المرأة وحدها، إلى أنشطة جماعية يشترك في انجازها العديد من الأسر والأفراد المتعاونين، و الذين ينتجون ويستهلكون ويعيشون سويا، ومدى انعكاس ذلك على تحرر المرأة من مشاق العمل المنزلى وسلبياته، إلا أن فكرة أن ينتج ويستهلك ويعيش الناس سويا فى جماعات يربط أفرادها نشاط اقتصادى و جيرة، تحمل من الإيجابيات ما هو أكثر من ذلك ما لا يتسع المجال لذكرها فى هذا المقال القصير، ولكن الظاهرة انتهت بسحق المعارضة العمالية، و قمع عفوية تحرير الناس لأنفسهم، وتنظيم حياتهم بإرادتهم، وتمت العودة مجددا إلى نموذج الأسرة التقليدية، و استمرار التناقض بين الإنتاج الجماعى والاستهلاك الفردى ، وهذا أدى لانتعاش الفردية واستمرار الأنانية فى الناس، وتنافسهم البغيض على المناصب والمغانم، بدلا من تضامنهم و تعاونهم سويا فى مواجهة الحياة، وهذا أدى لفساد بعضهم من الذين اتيحت لهم فرص الفساد.. كما أتاح الاستهلاك الفردى، انتعاش ثقافة الاستهلاك بين الأفراد، وكانت النتيجة أن وقع الكثير من الأفراد تحت تأثير الإعلانات الاستهلاكية وأوهام التطلعات الاستهلاكية فى الغرب الرأسمالى، مما ساعد على سهولة الانهيار ، الذى ما إن تم حتى تورط الألاف فى مافيا الاتجار فى البشر سواء كمجرمين أو ضحايا.
* تم بناء الاتحاد السوفيتى على انقاض الامبراطورية الروسية التى كانت تضم أكثر من 160 مجموعة أثنية وقومية، أكبرهم الروس الذين كانوا يشكلون حوالى نصف السكان، وبعض تلك المجموعات كان لا يتجاوز أفرادها بضع آلاف، وكانت رؤى الأطفال الذين عبرت عنهم روزا لوكسمبرج أن تنتظم الأجهزة السياسية والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية بشكل منفصل عن انتماءات الأفراد الأثنية والقومية مع تمتع هؤلاء كأفراد فى نفس الوقت بحقوق إنسانية متساوية ، والذين يمكن لهم كجماعات الحفاظ على تراثهم الأثنى والقومى من خلال أنشطة ثقافية وتعليمية لا غير .. ولكن البالغين بقيادة لينين قرروا أن يمنحوا تلك المجموعات كيانات سياسية وإدارية داخل الدولة فى شكل جمهوريات اتحادية وجمهوريات و أقاليم ذوات حكم ذاتى داخل الجمهوريات الاتحادية ..مكرسين هيمنة الجمهورية الروسية داخل الاتحاد على الجمهوريات الأخرى، ومن ثم استمر وضع الامبراطورية الروسية مع تغير فى الشكل، مما أعطى الفرصة لتنامى النزاعات القومية و الانفصالية بين شعوب الاتحاد، وكان نتيجة تبنى الفكر القومى والطائفى وعدم اجتزازه ، أن تفكك الاتحاد السوفيتى وتشيكوسلوفاكيا ويوجوسلافيا لكيانات قزمية بسهولة غير عادية، لا بد وأن تستمر تبعيتها للكيانات الأكبر رغم الاستقلال المزعوم ، فكثير من تلك الكيانات لا تتجاوز سكانا ومساحة المدينة التى أسكنها.. فى حين لو تم تبنى أفكار الأطفال ما كان يمكن لهذا الانهيار أن يحدث ، فثمانين عاما من العيش والعمل معا بين الأفراد دون اعتبار للاختلافات العرقية والثقافية والقومية بينهم كانت كفيلة بصهر تلك الجماعات القومية والأثنية معا مثلما أنصهر المهاجرين الآتين من شتى بقاع العام فى دول المهجر فى العالم الجديد، برغم كل اختلافاتهم التى لا تعيرها دول المهجر اهتماما كما لا تلتفت إليها المؤسسات الاقتصادية ، وتظل الظاهرة القومية متجسدة ومحصورة فى أنشطة ثقافية واجتماعية تمارسها مؤسسات المجتمع المدنى للجماعات القومية والأثنية المختلفة.
لم أهدف من هذا المقال البكاء على اللبن المسكوب ، وممارسة العادة البغيضة فى اجترار الماضى، بل أهدف لطرح رؤية مستقبلية لتجاوز الرأسمالية والوضع الحالى..لا تخشى الابتزاز باسم الواقعية ، و لا الاتهام بالتطرف والصبيانية.
http://fasail.blogspot.com
http://www.ahewar.org/m.asp?i=12