الجمعة، 14 أغسطس 2009

المول وثقافة الاستهلاك

المول وثقافة الاستهلاك
سامح سعيد عبود
ترامى المول التجارى على مساحة فدان، صاعدا بارتفاع يتجاوز العشرين متر، بجدرانه المبلطة بالسيراميك، ونوافذه الزجاجية العملاقة، فبدى للناظر كمعبد يجذب الناس للطواف حوله، يغويهم لدخولة لمعرفة أسراره المقدسة التى يخفيها مظهره الغامض ، و على أبوابه يقف رجال الأمن بأزيائهم السماوية ، ينبهر الداخل بالأرضية الرخامية، وسيول الأضواء والألوان التى تخطف العين لعالم من السحر والخيال ،حيث السلع معروضة كالأوثان، تعدك إن أنت أديت واجبك نحوها أن تمنحك السعادة، وإن تخليت عنها فسوف تحل عليك اللعنات .
يذهب الناس إلى المول طامعين فى أن يحققوا بعض أمنيات حياتهم، فهم إما أن يشتروا ما هم فى حاجة إليه، وما هم ليسوا فى حاجة إليه ، أو يكتفوا بمجرد التطلع لفيض السلع المعروضة على الأرفف وخلف الزجاج ، ومعرفة علاماتها التجارية، و أسعارها وخصائصها المختلفة، ومقارنتها بمثيلاتها من السلع المشابهة، وذلك الفعل يحقق لهم إشباع نفسى عبر تخيل أنفسهم، وقد تمتعوا بلذة امتلاكها واستهلاكها، فالمحروم/ة من الجنس قد تشبعه/ها، تأمل شبق لصورة جسد عارى. أنها قوة الخيال البشرى التى تجعلنا قادرين على تجاوز حرمان الواقع بقوة الحلم ،والاستعاضة عن الأصل بالصورة، يساعدنا فى ذلك مجرد التطلع لما نحن محرومين منه ، أو حتى تخيله فى عقولنا بدلا من الاستحواز الفعلى عليه.
فضلا عن ما سبق فإن هذا النوع من المعرفة بعالم السلع وأسرارها، تتيح للناس عندما يلتقون بمعارفهم التباهى عليهم بمعرفتهم لتلك السلع وأسعارها و أسرارها وخصائصها، و هذا يحقق لهم الإشباع كما لو كانوا يملكونها فعليا، حتى ولو كانوا عاجزين على الاستحواز عليها. تماما كالذين يتحدثون كثيرا عن الجنس مما يوحى للمستمعين أنهم متخمين به فى حين أنهم يعانون الحرمان منه.
بالإضافة إلى أن تلك المعرفة تحدد لهم معاييرهم الجمالية، وتفضيلاتهم للسلع، فالسلعة التى تستحق الاستهلاك فى رأيهم هى التى تتوافق وأحدث صرعات الموضة، لا لقيمة استعمالية أو جمالية حقيقية كامنة فيها، وهذا يضمن لهم عند شراء السلعة أن يشتروا ما يتوافق وأحدث الصرعات لا ما يتوافق واحتياجاتهم الفعلية منها. فمؤسسات الموضة هى التى تحدد ما هو جميل من الملابس، و الذى لم يكن جميلا منذ سنوات قليلة مضت ،وهو نفسه الذى قد يتحول لقبيح بعد سنوات أخرى ،وذلك بناء على رغبة المنتجين فى زيادة الأرباح،وتأثير الإعلانات التى تعمل بتأثير هؤلاء المنتجين، والتى يستسلم لتأثيرها الجميع دون مناقشة،ولا نجد من تبرير لذلك سوى الميل العام لدى البشر فى الانسياق مع القطيع، والخضوع لـتأثير الإعلان.
و لاشك أن هذا النوع من المعرفة يضمن لمن يملكه موضوعا جذابا للحديث مع الآخرين بدلا من الموضوعات الجادة صعبة الفهم والهضم، كما يضمن نوعا من السلطة على الآخرين المحرومين من تلك المعرفة، فيشعر المتحدث بأنه أفضل من الذين يحدثهم بمعرفته بأحدث السلع وماركاتها وخصائصها وإمكانيتها، حتى ولو كان محروما مثلهم من امتلاكها الفعلى، فهذه المعرفة فى حد ذاتها تمنحه وتمنح مستمعيه الشعور بأنه قادر على شراء هذه السلع.
أصبحت زيارة المول والتجول بين محلاته والتطلع لسلعه وخدماته، نوعا من الترفية ، يمارسه الناس حتى ولو كانوا لا ينوون الشراء فعليا، فهم يوحون لأنفسهم وللآخرين بتلك الزيارات أنهم قادرين على الشراء فى حين يكتفون بالفسحة ، فكما أن هناك سياحة علاجية، وأخرى دينية، وثالثة ثقافية، فضلا عن تلك الترفيهية نحو المصايف والمنتجعات، فهناك سياحة تسوقية، حيث يسافر الناس كل قدر استطاعته لمهرجانات ومعارض التسوق سواء فى بلادهم أو عبر العالم، وفى النهاية فإن هذه الجولات التسوقية قد تتيح لهم شراء السلع بأسعار أرخص حيث تنهال عليهم العروض المجانية ، والتخفيضات فى أسعار السلع، جذبا لأموالهم، وهذا يدفعهم لشراء ما يمكنهم الاستغناء عنه ، ذلك لأنهم نهازين للفرص يحركهم الطمع فيقعون فى أحابيل السوق.
الحقيقة أن من يدمنون هذا النوع من الثقافة، يزيدون من حدة إحساسهم بالفقر، حتى ولو كانوا من الأثرياء، فالغنى هو الفقر فى الرغبات كما قال أرسطو، و بالعكس فإن الفقر هو الغنى فى الرغبات، حيث الغنى مشتق من الاستغناء، عن الاشياء، والفقر مشتق من الافتقار للأشياء.. فكلما كثرت رغباتك كلما كان شعورك بالفقر أكثر، ذلك إن الفقر حالة شعورية تصاحب الأثرياء أحيانا، وكلما قلت رغباتك كان شعورك بالغنى أعمق، وهو شعور يملكه القادر على الاستغناء عن الأشياء و عدم التعلق بها .
إذا كانت الرغبات الاستهلاكية بلا حدود، فأن القدرة على الاستهلاك نفسها لها حدود، فقد يمكن لشخص شراء مليون سرير إلا أن جسده لا يمكن أن ينام إلا على سرير واحد فى اليوم ، ولن يعيش مليون يوم لينام على كل تلك الأسرة، كما يمكن لشخص شراء أكثر مما تسعه معدته من طعام، ليتحول الزائد عن حاجته، إما إلى سلة المهملات أو إلى براز أو دهون تحت الجلد، كما يمكنك شراء كل ما تقع عليه عيناك من كتب إلا أن قدرتك على قراءة هذه الكتب سوف تظل محدودة، ونظرا لهوس الاستهلاك الذى يصاب به الناس نتيجة تلك الثقافة السائدة، فأنهم يشترون ما لا حاجة لهم فيه بالفعل، وأحيانا يشترون لمجرد الشراء ، والتباهى بقدرتهم على الشراء، طالما امتلكوا القدرة على ذلك، و لكنهم قد يختنقون من زحام ما اشتروه، ومن ثم فسرعان ما يرموا ما اشتروه إلى المهملات دون حتى استهلاكه. وحتى دون أن يستنزف صلاحيته وقيمته الاستعمالية.
أننا لا يمكن أن نفهم هذا الواقع المأساوى الذى نعيشه، إلا بالاقرار أننا نعيش فى عالم حولت فيه الرأسمالية كافة الأشياء لسلع، بما فيها البشر أنفسهم، السلع ومنتجيها ومستهلكيها على السواء، وسواء أكانت تلك السلع حية أم غير حية،عاقلة أم غير عاقلة، فهى تتغذى على بعضها البعض، فنستهلك أعمارنا فى الجرى وراء استهلاك المزيد من السلع، فى حين أن فيض السلع نفسها التى استهلاكناها قد استهلكت أعمارنا.
فأى سلعة لها قيمتين، قيمة تبادلية فى السوق ، وهى التى تعنى كم حذاء يساوى كم رغيف، لو أردنا مبادلة الأحذية بالأرغفة، وقيمة استعمالية وهى التى تعنى الفائدة من استعمالنا الحذاء ، وهى حماية أرجلنا من أذى الطريق، وفائدة الخبز فى اشباع جوعنا.. ولا علاقة للقيمة الاستعمالية بالقيمة التبادلية، فالأكسجين أكثر الأشياء قيمة استعمالية من حيث ضرورته لحياة الإنسان إلا أننا نستهلكه مجانا بالتنفس، ولن تتكون له قيمة تبادلية إلا إذا تمت تعبئته فى اسطوانات، فيمكن مبادلته بسلع أخرى .. والحقيقة ما نحن فى حاجة إليه فعليا باعتبارنا بشرا فحسب هو القيم الاستعمالية للأشياء، لا قيمها التبادلية التى لا نحتاجها إلا فى نظام اجتماعى يقوم على التجارة، فنحن نحتاج التليفون المحمول لاستعماله فى الاتصال بمن نريد الاتصال بهم، وهكذا سائر احتياجتنا ، ومن ثم لا حاجة لنا فعليا لتليفون محمول له إمكانيات لا نستخدمها أو يمكنا ببساطة الاستغناء عنها ، فتلك الإضافات التى يشتريها الناس، وإن كانت تزيد من القيمة التبادلية للمحمول فى السوق ، إلا أنها لن تزيد من قيمته الاستعمالية.
اقتناء سلعة من ماركة معينة تتجاوز طبيعتها الاستعمالية، لتصبح رمزا للمكانة الاجتماعية لمن يقتنيها أو يستهلكها، فكلا من اللادا والمرسيدس تؤديان نفس الغرض كسيارتين، ولكن راكب المرسيدس يؤكد مكانته الاستعمالية الأعلى من راكب اللادا.. فيصبح اقتناء المرسيدس هدفا فى حد ذاته لأنه يضفى مكانة اجتماعية على من يملكها، بل الأمر يتجاوز ذلك فالقيمة التبادلية للسلعة وندرتها فى السوق تضفى قدرا من المتعة عند استهلاكها يتجاوز حقيقتها، فكثير من المأكولات الأكثر انتشارا والأرخص ثمنا تكون أحيانا أحلى طعما وأكثر فائدة وأقل ضررا من مأكولات أخرى نادرة وأغلى ثمنا وأقل فائدة وأكثر ضررا ، ولكن تفضيلات الناس تتجاوز القيمة الاستعمالية للسلعة ، لتتحكم فيها اعتبار ثمنها الذى يتيح لهم التباهى على الآخرين، فلا فرق فى الماء حين تشربه فى كوب من زجاج أو كوب من ذهب ، ولكن الفرق فى الحالتين يكمن فى منطق اثبات المكانة الاجتماعية والتباهى على الآخرين.
السلعة فى السوق بجانب قيمتها التبادلية والاستعمالية لها طبيعة وثنية، حيث تتحول لصنم معبود من قبل المستهلكين ، بالضبط كتلك الأصنام التى كان يصنعها عرب ما قبل الإسلام من العجوة فإن جاعوا أكلوها.
السلعة شأنها شأن كل صنم يطلب كهنتها من عابديها القرابين كى تمنحهم ما تعدهم به عند شراءها من سعادة واشباع لحاجة، ولكنهم أى البشر حتى يحصلوا على ما يعدهم به الصنم، عليهم هم أنفسهم أن يتحولوا لسلع فى السوق، حيث يتنازلون لمن يملكون ثمن السلع، عن ما يملكوه من حرية وجهد وقوة بل و أحيانا على أغلى ما يملكوه من أشياء لا تقدر بثمن، فلا سقف لما يمكن أن يبيعه العابد المخلص للسلع فى سبيل إرضاء أصنامه، فالاستغناء بدفء اقتناء السلع عن دفء مشاعر الناس، هو ثمن يدفعه المجاهد فى سبيل المزيد من الاستهلاك.
السلع آلهة مخادعة من أجلها تقدم ما تطلبه منك من نقود متوهما لحظتها بأنك إذا تملكت أحدها نلت السعادة ، وأشبعت الرغبة المشتعلة فى رأسك ، وإذا ما أصبحت فى حوزتك تلك السلعة، واستهلكتها أحسست بجوع لصنم آخر ، بعد أن تأكدت أن الصنم الذى سار فى حوزتك لم يكن يستحق ما دفعته من أجله من قرابين ، وأنه لم يعد يشبع لك رغبة ، وانه ليس كما كنت تتخيله قبل امتلاكه ، والأخطر أن امتلاكه أورثك القلق والخوف من أن تفقده من الحاسدين والطامعين فيما تملكه .
القرابين المقدمة من أجل السلع و إن كانت مجرد نقود بشكل مباشر ، فقد دفعت من أجلها عمرك وحريتك وجهدك وعقلك ، وفقدت بسببها الكثير من أسباب السعادة الصحية ، والإشباع الحقيقى ، وتبلغ المأساة ذروتها حين تتحول السلعة من الصنم المعبود إلى مجرد نفاية بالاستعمال والاعتياد ، مهملات ترغب فى التخلص منها بعد كل ما دفعته من أجلها ، وعبئا ترغب فى التخلص منه بعد ما كنت تظنها الكفيلة بإسعادك . ومنذ هذه اللحظة أصبحت تسلك مثل العبيد ، فلست مجرد عبدا للضرورة بل درويشا لآلهة السوق ، توحدت معها ، و أصبحت لا تتميز عن ما يملكك و تملكه سواء أكان مجرد سلعة أو رأسمال أو مجرد قوة عمل .

http://www.ahewar.org/m.asp?i=12

2 تعليقات:

في 17 أغسطس 2009 4:56 ص , Blogger Dina يقول...

مقال رائع

 
في 1 مايو 2016 12:58 ص , Blogger Khalid Aouahchi يقول...

شكرا جزيلا لهذه المقالات الواضحة والفصيحة التي ستساهم بدون شك في تنويرنا حول الكثير من المواضيع والمفاهيم ايضا واخص بالذكر المفاهيم الماركسية التي وجدت فيها صعوبة بالغة ولكن مع كل مقال لك بدأ الامر يهون فشكرا مرة اخرى

 

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية