السبت، 5 يوليو 2008

أحل لكم العمل وحرم غيره لكسب العيش

أحل لكم العمل وحرم غيره لكسب العيش
سامح سعيد عبود
أدلى الممثل العالمى المصرى الأصل عمر الشريف بحديث يبرر فيه إنفاقه الباذخ بأن "فلوس التمثيل حرام" وأن إنفاقها هو الحل الوحيدللتخلص منها حتى يستفيد بها آخرون هم في حاجة أكثر إليها وبرر الشريف تصريحهالمثير بأنه لا يشعر بأنه يجهد نفسه كثيرا مثلما يفعلآخرون في مهن أخرى للحصول على المال حتى أن ما يحصل عليه يفوق بمراحل كثيرة مايحصل عليه أشخاص يقضون ساعات طويلة في عمل مجهد جدا و لايتقاضون عنه ربع ما يتقاضاه. وبرغم ما يشوب هذا التصريح من تناقضات ليست موضوع المقال، فإن ما كان يحصل عليه عمر الشريف كان مقابل عمل يشتريه الناس بمحض إرادتهم، حتى و لو كان ما يدفعونه لا يساوى قيمة هذا العمل، و لكن هناك من يكسبون بلا بذل جهد و لا القيام بأدنى عمل، فهل يشعرون بالأثم، ومن هنا يمكن أن نعتبر هذا التصريح يحسب لعمر الشريف فى نهاية الأمر، لأنه يتضمن إدانة أخلاقية لكل من يعيشون على حساب الآخرين وعلى جهدهم، ولكل من يحصلون على ما لا يستحقونه من ثروات المجتمع،و يستمتعون على أساس حرمان من يستحقون، و لما فى هذا التصريح من إدانة ضمنية لعالمنا المنقسم بين من يكسبون بلا عمل يوازى الكسب، وبين من يتعبون بلا كسب يوازى العمل.
وعلينا أن نعترف أنه ليس كل أنواع التعب تستحق الكسب، فاللصوص على سبيل المثال يتعبون لأجل ما يسرقونه إلا أن الجهد الذى يبذلونه لا يبرر بالطبع ما يكسبوه، لأن المقصود بالعمل والجهد الذى يستحق الكسب هو إنتاج سلع أو تقديم خدمات مفيدة للناس وليس على أساس الاضرار بهم وانتهاك حقوقهم ، على أن يحصل منتج السلعة ومقدم الخدمة على ما يساوى ما قدمه من جهد، إلا أن هذا الوضع غير قائم واقعيا، فهناك من لايضيفون أى ثروة حقيقية للناس، ومن يمكن الاستغناء عن خدماتهم وجهدهم، ولكنهم يحصلون على أضعاف ما يحصل عليه من ينتجون الثروة، و أضعاف ما يحصل عليه من لا يمكن الاستغناء على خدماتهم وجهدهم، ومن هنا فلا يوجد توازن بين قيمة الجهد وفائدته والمقابل الذى يحصل عليه من بذله وهذا أحد معالم الظلم الاجتماعى.
العمل البشرى بالمعنى السابق إيضاحه هو خالق الثروة ، و هو الوسيلة الأولى لتلبية الاحتياجات البشرية قبل أن يعرف بعض البشر التطفل على ما يخلقه العمل من ثروة، ومن هنا فإن البشر الأوائل ظلوا يلبون احتياجاتهم عبر هذا النوع من العمل وحده، إلى أن ظهر المتطفلون من بينهم، هؤلاء الذين يلبون احتياجاتهم على حساب من يعملون لإنتاج هذه الاحتياجات، فانقسم المجتمع إلى من يعملون ومن لا يعملون، وانقسم ما ينتجه العاملون بين الطرفين بوسائل شتى.و إن كان من لا يعملون يحصلون دائما على الجانب الأكبر من الثروة، وإن كان هذا الحديث ليس بجديد، إلا أنه لا مفر من تكراره لأن الخطاب السياسى من فرط إهماله لتلك الحقيقة قد أهال عليها التراب، والمطلوب منا أن ننفض هذا التراب عن القضية الجوهرية المدفونة وراء ركام من القضايا الفرعية.
عرف البشر وعبر تاريخهم العديد من أشكال التطفل على عمل الآخرين وجهدهم، فبجانب السرقة والتسول والدعارة والربا والرشوة والقمار والمراهنة والمضاربة وغيرها ، التى نصت على تحريمها بعض النصوص الدينية، وعاقبت عليها بعض القوانين. عرف البشر أشكالا أخرى من التطفل على جهود الآخرين وعملهم منها.
تحويل البشر الذين ولدتهم أمهاتهم أحرار لعبيد، إما جبرا عبر الحرب بتحويل الأسرى لعبيد أو بشراء هؤلاء العبيد، كما أن المحاربين والسلالات الحاكمة عبر معظم التاريخ البشرى المكتوب فرضت على الحرفيين والمزارعين كافة أشكال الجباية من الضرائب والمكوس والجزية و الخراج المماثلة فى حقيقتها للأتاوات التى يفرضها البلطجية، مقابل حماية الحرفيين والمزارعين، من الحكام والبلطجية الآخرين، و مقابل حكمهم القسرى لهؤلاء الحرفيين والمزارعين وإدارة شئونهم والتحكم فى حياتهم، فى حين أن هؤلاء الحرفيين والمزارعين غالبا لم يطلبوا تلك الحماية، و لم يختاروا هؤلاء الحكام الذين غالبا ما حصلوا على امتيازاتهم على المحكومين بالفتح والغزو والحرب، و إن صادف و طلب الحرفيين والمزارعين الحكم والحماية فأنهم أضطروا لذلك من أجل الأمن وتحقيق مصالحهم الملحة، و قد طلبوها اتقاء لشرور هؤلاء الحكام وأمثالهم ومنافسيهم أو هربا من بلطجية آخرين وهم فى هذا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار.
و ظهر المرابون الذين يحترفون اقراض المقترضين ما يحتاجونه من أموال مقابل فوائد لتنمو أموال المرابين دون بذل أى جهد على حساب احتياجات المدينين، وظهر التجار والوسطاء والسماسرة بين المشترين والبائعين، والذين يربحون من الأموال ما لا يستحقونه فيبخسون حق المنتجين فى أثمان ما يشترونه منهم من سلع وخدمات، و يبالغون فى أثمان ما يبيعونه للمستهلكين من سلع وخدمات،و طفيلية هؤلاء على جهد الآخرين تتضح لنا من إمكانية الاستغناء عن خدماتهم للطرفين بإمكانية التبادل المباشر بين المنتجين والمستهلكين دون الاحتياج لوسطاء وسماسرة وتجار. و هناك من يمتلكون من العقارات التى آلت إليهم بالميراث أو الشراء، التى يؤجروها مقابل ريع لمن يحتاجها، ويعيشون على ريع تلك العقارات بلا عمل غير تحصيل الإيجارات العينية والنقدية.
و ظهر من أشكال التطفل من يملكون من الرأسمال ما يشترون به وسائل للإنتاج من آلات وأراضى ومواد خام بالإضافة لقوة العمل البشرى لإنتاج سلع وخدمات يبيعونها للمستهلكين بأكثر مما اشتروا به وسائل الإنتاج وقوة العمل البشرى التى خلقت القيمة المضافة بجهدها ووقتها وحريتها،و التى يتقاسمها مع من يبيعون قوة العمل ويخلقون الثروة الرأسماليين، ليحققوا من الأرباح لأنفسهم ما لا يستحقون.
وأخيرا ظهر من يحققون أرباحهم من المضاربات على السلع والأسهم والنقود والعقارات فى عمل أقرب للمراهنة والقمار،دون بذل جهد أو قيمة حقيقية، ومازالت معظم تلك الأشكال من التطفل على العمل البشرى قائمة وسائدة.
والحقيقة إن الأخلاقيات والقيم السائدة الآن لا تستنكر على الأفراد أن يكسبوا معاشهم على حساب جهد وعمل الآخرين، مستثنين فحسب ما حرمه النص الدينى أحيانا وحرمه القانون من سرقة ورشوة وربا وغيرها، على أن هذه ليست وحدها طرق الكسب غير الأخلاقية كما اتضح مما سبق، فأن تشترى إنسانا و تملكه وتقيد حريته، ليحقق رغباتك المختلفة، ولينتج لك ما تريد وتستحوز على ناتج عمله،و تستخدم جسده لمتعتك ورغباتك ،وتبيعه وتؤجره، هو عمل أحقر من السرقة..أن تجبر إنسانا على أن تحميه دون أن يطلب منك الحماية، وأن تدير شئونه أو تحقق له بعض المصالح مقابل أن يدفع لك مقابل مادى أو معنوى مقابل تحقيق تلك الحماية و الإدارة والمصالح عمل لا يقل شرا عن الرشوة، أن تدفع لأمرأة نقدا وعينا مقابل استمتاعك بها جنسيا سواء أكان هذا الاستمتاع مؤقتا أو دائما، و ولكى تخدمك ولتنجب لك من يحملون اسمك ويرثون جيناتك وأموالك فضلا عن أن تتولى هى العناية بأسرتك، هو نوع من العبودية حتى ولو سميت زواجا، و المرأة التى تقبل أن تبيع حبها وجسدها وحريتها بمقابل لا تختلف عن العاهرة حتى ولو غطى ما تفعله غطاء من الشرعية.
أن تشترى آلات وأراضى وقوة عمل لتنتج سلع وخدمات تبيعها بأكثر مما اشتريت به، هو أسوء من الربا، أن تشترى سلعا لتبيعها بأكثر من ثمنها دون أن تبذل جهدا أو قيمة هو نوع من النهب.و أخيرا أن تحصل على أجر أكثر مما تستحقه سواء أكان هذا الأجر لا يساوى ما بذلته من جهد أو عن عمل لم تعمله هو أسوء من السلب.
الفعل فى عنوان المقال مبنى للمجهول، يعود على هذا الصوت الذى يتردد فى عقل هؤلاء الذين يستنكرون أن يعيشوا على جهد غيرهم ،هؤلاء الذين لا يرتضون أن تقتصر حياتهم على مجرد اشباع غرائزهم بأى وسيلة و على حساب الآخرين ، و لاشك أن أخلاقيات هؤلاء أرقى من أخلاق هؤلاء الذين يعيشون على حساب الآخرين وجهدهم،بل و أخلاقيات من يبررون ذلك الأسلوب فى الحياة بشتى الحجج الواهية، هذا الصوت هو الذى يحل العمل كوسيلة لكسب العيش ويحرم كل وسائل كسب العيش الأخرى.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية