الثلاثاء، 15 يوليو 2008

أهمية أن نعرف كيف نرسم الخريطة السياسية

أهمية أن نعرف كيف نرسم الخريطة السياسية
سامح سعيد عبود
كان بنيتو موسولينى ينتمى لليسار المتطرف فى إيطاليا قبل أن يصبح مؤسس الحركة الفاشية الإيطالية، والتى كانت فى بدايتها ذات ميول يسارية قبل أن تتحول إلى أقصى اليمين، وكان النظير الألمانى للحركة الفاشية الإيطالية، هو حزب العمال الألمانى الاشتراكى القومى(النازى)،وكان جمهوره مكون من المتعطلين عن العمل والبروليتاريا الرثة وهم الذين صعدوا به لسدة الحكم فى انتخابات ديمقراطية، و حزب العمل الإسرائيلى هو الذى حكم إسرائيل منفردا حتى عام 1977 وشريكا فى الحكم بعد ذلك ، وقادته و أعضائه كان لهم الدور الأكبر فى تحقيق المشروع الصهيونى وحمايته ورعايته منذ بدايته و حتى الآن، ومازال هذا الحزب، وبرغم كل ما أرتكبه من جرائم ضد الإنسانية عضوا فى الدولية الإشتراكية، ولنلاحظ أيضا كيف تحول كل من عادل حسين ومجدى حسين واتباعهم من الماركسجية القومجية إلى الإسلامجية العروبجية فى مصر، وبالطبع فإن بول بوت برغم مذابحه التى أبادت ثلاث ملايين فى سنتين فى كمبوديا، و كيم إيل سونج وتأسيسه أول عائلة مالكة شيوعية فى كوريا الشمالية يحسبان على اليسار، وهذا لا يجعلنا نندهش من وصف بعض اللاسلطويون اللينينين بأنهم فاشيين حمر، وخصوصا و نحن نجد من اليساريين من يبررون الديكتاتورية والجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان ليس فحسب تلك التى وجهت لأعدائهم بل لهم أنفسهم، ومن ذلك موقف معظم الشيوعيين المصريين الذين اعتقلوا وعذبوا فى الستينات من النظام الناصرى، وبعضهم مازالوا يبررون ليس فقط تلك الجرائم التى أرتكبها ستالين، بل حتى تلك التى ارتكبها سفاح فاشى صريح مثل صدام حسين لمجرد عدائه الظاهرى للصهيونية والإمبريالية الأمريكية ، كل هذه المواقف لا تنفصل عن التأييد ل ..أو التحالف مع ..قوى فاشية قومية كانت أو طائفية أو دينية، التى تمارسه بعض القوى اليسارية محليا وعربيا وعالميا، كما يجب أن نذكر موقف قطاعات واسعة من المنسوبين لليسار تجاه أعمال تنظيم القاعدة والحركة الإسلامية وحزب اللة اللبنانى، حيث أصبح المعيار الوحيد الذى يحدد مواقف هؤلاء اليساريين هو العداء للأمبريالية الأمريكية والصهيونية،أما معايير الحرية والمساواة والصراع الطبقى والأممية فلا يأخذ بها سوى يسار آخر تكال له شتى الاتهامات . كل هذا دعانى للشك فيما إذا كان تقسيم القوى السياسية ليمين و وسط و يسار صحيحا، فالبرغم من شيوعه إلا أن شيوع الخطأ بين الناس لا يمنحه أى شرعية أو صحة، و كنت قد قرأت مقالا و ترجمته بتصرف باسم "ما يعارضه اللاسلطويون وما يناضلون من أجله"، ويتضمن فكرة مختلفة لتقسيم القوى السياسية ليست قائمة على هذا الأساس الشائع بل على أساس آخر أكثر دقة، إلا أن الترجمة لم توضحها جيدا، بالإضافة إلى أنى رأيت تطوير هذه الفكرة وتوضيحها وتدقيقها أكثر، متمنيا أن تكون تلك بداية لتصحيح هذا الخطأ الشائع فى تقسيم القوى السياسية المرتبط فى جذوره التاريخية بأحداث الثورة الفرنسية الكبرى. ولاشك أن معرفة المواقع الحقيقية للقوى السياسية والاجتماعية، هو الذى يحدد من هم معنا، ومن هم ضدنا، وبمعنى آخر مع من نتحالف، وضد من نتصارع، وحتى لا تختلط الأوراق، وحتى لا ينسبنا أحد لمن لا ننتمى إليهم، ولكل هذه الأسباب سوف أحاول طرح الفكرة البديلة لرسم الخريطة السياسية على النحو التالى.* المجتمع يتكون من شبكات من العلاقات الاجتماعية اللانهائية التى تشكل المجتمع فى النهاية ، و يحدث هذا التنوع فى العلاقات الاجتماعية تنوع فى علاقات السلطة فى تلك العلاقات الاجتماعية، بمعنى تنوع فى الأشكال التى يتم بها اتخاذ القرار فى تلك العلاقات،من يملكها وكيف يملكها ويستخدمها، وبمعنى آخر من يحكم نشوء تلك العلاقات وتطورها وفناءها، وهذا التنوع فى العلاقات الاجتماعية يخلق العديد من أشكال الصراع الاجتماعى سواء الفردي أو الجماعى، و على كل المستويات والعلاقات الاجتماعية ، فى علاقات العمل و فى الأسرة و فى الدولة و غير ذلك من العلاقات الاجتماعية حيث تدور صراعات أسرية وعائلية وإقليمية ودينية وإثنية وثقافية وقومية ونقابية وطبقية وعرقية وجنسية واقتصادية وسياسية ، وهى تدور كلها حول السلطة ومصادرها المادية، و تكون فى النهاية شبكة هائلة من الصراعات الاجتماعية تتنوع بتنوع العلاقات الاجتماعية المختلفة ، وهذا ينوع من مواقف القوى السياسية فيما يتعلق بكل صراع اجتماعى على حدة ،وينوع الانحيازات المختلفة لأطراف الصراعات المختلفة. مع ملاحظة أنه فى داخل كل علاقة اجتماعية بدءا من علاقات الأسرة و وعلاقات العمل والدراسة والجيرة و انتهاء بعلاقة الفرد والجماعات المختلفة بالدولة ، يختلف مركز الفرد أو الجماعة من علاقة لأخرى وفق الموقع الذى يتم اتخاذه أى منهم فى علاقات السلطة ، فقد يكون الفرد أو الجماعة فى أحد تلك العلاقات يملك قدر من السلطة على الطرف الآخر الداخل معه فى العلاقة بسبب سيطرته على أحد مصادرها ، إلا أنه فى إطار علاقة أخرى نراه يخضع لسلطة أخرى لحرمانه من أحد مصادر السلطة فى تلك العلاقة . * القوى السياسية المختلفة هى تعبير فكرى وتنظيمى عن العلاقات الاقتصادية السياسية الاجتماعية القائمة بالفعل فى المجتمع، و تتفاوت مواقفها إزاء تلك العلاقات بين المحافظين الذين يريدون المحافظة عليها ، و بين الجذريين الذين يريدون تغييرها جذريا، وبين الإصلاحيين الذين يرغبون فى إصلاحها فحسب، كما قد تطمح القوى السياسية والاجتماعية لتحقيق علاقات اقتصادية وسياسية واجتماعية غير قائمة بالفعل ، ويتوقف الأمر على نوع تلك العلاقات التى يطمحون لتحقيقها. بين التقدميين الذين يطمحون لتغيير تلك العلاقات لعلاقات أكثر تقدما ، والرجعيين الذين يرغبون فى العودة لعلاقات تجاوزها التطور الاجتماعى. * حينما يدخل الأفراد سويا فى علاقة اجتماعية ما ، فالسؤال الجوهرى لتحديد موقفنا من تلك العلاقة هو من يملك السلطة فى تلك العلاقة، و من ثم موقفنا من مصادر السلطة المادية التى تعطى لمن يحوزها السلطة على من لا يتمتع بحيازة هذه المصادر ، و هى ثلاث مصادر أساسية:ـ أولا السيطرة على الثروة المادية سواء عن طريق تملكها أو حيازاتها أو إدارتها.ثانيا حيازة وسائل العنف سواء أكان هذا العنف ماديا متمثل فى العضلات أو السلاح أم كان ذلك العنف معنويا متمثل فى سلطة اتخاذ القرارات. ثالثا السيطرة على المعرفة سواء أكانت عن طريق إنتاجها أو حيازتها أو تداولها أو احتكار التحدث باسمها أو حمايتها كما فى المؤسسات الإعلامية والدينية والسياسية والتعليمية . مما سبق يمكن أن نلخص محددات مواقع العلاقات و القوى الاقتصادية السياسية الاجتماعيةكالتالى:ـ (أ) ملكية مصادر السلطة المادية، لا شك أننا لا نحتاج لأى عبقرية لكى نعرف أن من يملك يحكم، وأن تملك الثروة والعنف والمعرفة هو الطريق الذهبى للسلطة على من لا يملكون تلك المصادر، ومن ثم فالموقف من ملكية مصادر السلطة المادية هو محدد هام من محددات الخريطة السياسية الاقتصادية الاجتماعية.و تتنوع أشكال الملكية كالتالى:ـ1ـ فردية ولكنها لا تتيح لمن يملكها استخدام عمل الآخرين. 2ـ رأسمالية تتيح لمن يملكها استخدام عمل الآخرين.3ـ تعاونية بين أفراد متساوين فيما بينهم فى اتخاذ القرارات التى تخص ملكيتهم المشتركة.4ـ اجتماعية هى الملكية الشائعة بين أفراد المجتمع، والتى يديرونها جماعيا على قدم المساواة فيما بينهم.5ـ حكومية هى ملكية الدولة والحكومة، والتى يديرها الموظفون البيروقراطيون وساسة الدولة، ويستخدمون فيها عمل الآخرين،و بفضل مواقعهم الإدارية والسياسية يتخذون القرارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى تخص أفراد المجتمع.(ب) حرية الأفراد واستقلالهم، تعنى قدرة الأفراد على اتخاذ القرارات التى تخصهم ومدى استقلالهم عن الأفراد والجماعات والمؤسسات المختلفة، ولما كان الإنسان حيوان اجتماعى فإنه لا توجد حرية مطلقة و استقلالية مطلقة يمكن أن يملكها الفرد إلا إذا عاش منفردا، ومن ثم فإن ثمة قيود اجتماعية تقيد تلك الحرية وذاك الاستقلال ، والاختلاف بين القوى السياسية والعلاقات الاجتماعية فى نوع تلك القيود ودرجة ذلك الاستقلال وهى1ـ قيود مفروضة بإرادة إجماع الأفراد فى الجماعة أو العلاقة أو المؤسسة أو قيود مفروضة من غالبيتهم. 2ـ قيود مفروضة بإرادة سلطة مؤسسة ما متعالية على الأفراد والذين يخضون لإرادتها.مما سبق يمكن أن نحدد معسكرات العلاقات والقوى الاقتصادية السياسية الاجتماعية على النحو التالى :ـ (أ) المعسكر اللاسلطوى يتضمن أشكال من الملكية الفردية و التعاونية والاجتماعية بدرجات مختلفة، مع رفض كل أشكال الملكية الرأسمالية والحكومية... بالإضافة أن حرية الأفراد واستقلالهم تكون مقيدة بإجماع الأفراد أو بغالبيتهم فى كل علاقة اجتماعية أو جماعة بشرية.(ب) المعسكر الليبرالى يتضمن أشكال من الملكية الفردية والرأسمالية لوسائل الإنتاج بدرجات مختلفة، و يرفض الملكية الاجتماعية والحكومية لوسائل الإنتاج، بالإضافة إلى أن حرية الأفراد واستقلالهم تكون مقيدة غالبا بسلطات متعالية على الأفراد فى العلاقات الاجتماعية و الجماعات البشرية. إلا أن هناك درجات من الحرية والاستقلال للأفراد مقيدة بإجماع الأفراد أو بغالبيتهم فى بعض العلاقات و الجماعات البشرية الأخرى. (ج) المعسكر الاشتراكى يتضمن أشكال من الملكية الحكومية و الفردية والتعاونية لوسائل الإنتاج و يرفض الملكية الرأسمالية والاجتماعية لوسائل الإنتاج ، بالإضافة إلى أن حرية الأفراد واستقلالهم تكون مقيدة غالبا بسلطات متعالية على الأفراد فى العلاقات و الجماعات البشرية. إلا أن هناك درجات من الحرية والاستقلال للأفراد مقيدة بإجماع الأفراد أو بغالبيتهم فى بعض العلاقات و الجماعات البشرية . (د) المعسكر الفاشى يتضمن أشكال من الملكية الفردية و الرأسمالية والحكومية و يرفض الملكية الاجتماعية والتعاونية لوسائل الإنتاج بالإضافة إلى أن حرية الأفراد واستقلالهم تكون مقيدة غالبا بسلطة متعالية على الأفراد.فى داخل كل معسكر رئيسى من تلك المعسكرات توجد معسكرات فرعية ما بين متطرفة ومعتدلة، وما بين تلك التى تنحاز أكثر للمصالح الفردية وبين تلك التى تنحاز أكثر إلى المصالح الاجتماعية ، ومن ثم فإن درجات الحرية الفردية والمساواة تتفاوت فى كل مجتمع وفى علاقة اجتماعية وفى كل موقف سياسى واجتماعى، و قد قالوا قديما أن شجرة الحياة ملونة،أما النظرية دائما فرمادية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية